بداية لا أريد أن يفهم من مقالي بأنني أقلل من أهمية أن يحرك الفنان جمال سليمان المياه السياسية الراكدة بطرح نفسه كمرشح محتمل لرئاسة سوريا، التي نأمل أن تكون وفق معطيات ما أراده الشعب السوري من ثورته، التي هي ضد الاستبداد والنظام الأمني واحتكار السلطة، رغم أن كيانات المعارضة لم تعط بسلوكها ما يبشر أنها تسعى إلى هكذا نظام، فحيث تشبثت قيادات المعارضة بمواقعها من غير وجه حق، والتزمت سلوك النظام بتدوير المناصب على مجموعة منها، وهي المتهمة بأنها لا تمثل إرادة الشعب، ولا تلتزم مبدأ الشفافية في تعاملاتها المالية، وحتى السياسية، وهي أي “المعارضة” ككيانات أصبحت هدفاً لانتقادات النخبة الثقافية، بالتوازي مع انتقادات شعبية ثورية وضعت مطلب اسقاطها على ذات الأهمية والتوقيت مع مطالب اسقاط النظام السوري.
ومع ذلك وبعيداً عن الجدل الذي تتولاه منابر التواصل الاجتماعي، رفضاً أو قبولاً لشخص الفنان “جمال سليمان”، فإن خروج صوت ديمقراطي مثله يطرح مبدأ حق أي المواطن السوري بترشيح نفسه مهم جداً، وذلك لنفي الاعتقاد الذي تروج له روسيا، بأن غياب بشار الأسد من شأنه أن يترك فراغاً في منصب الرئاسة، وهو على غاية من الأهمية أيضاً لإعطاء أمل للسوريين أن هناك انفراجة ما تلوح في الأفق، لناحية إنهاء حالة المراوحة السياسية التي لم تأت حتى الآن إلا بإصدار القرارات الأممية التي فاق عددها عن 17 قراراً وبياناً، وتم دفنها في أدراج الأمم المتحدة، وهو بهذا “شبه الترشح” يضع كثيراً من الاحتمالات في الرد على شارع يستسهل القول أن لابديل للأسد، سواء من داخل منظومة الحكم أو من معارضته، أو حتى من جمهور الصامتين المترددين في إبداء موقفهم من فكرة التغيير المطلوب سورياً، من أعلى منصب في منظومة الحكم إلى مجمل آلية الوصول إلى السلطة، ولكن مع ذلك فثمة أسئلة تطرح على القيادي المعارض جمال سليمان الذي هو أحد أعضاء الوفد المفاوض واللجنة الدستورية ومنها:
هل يحق لمن يشارك في التفاوض وإعداد الدستور أن يرشح نفسه لتولي أي منصب سياسي في الفترة التي تلي المرحلة الحالية، بمعنى ألم يكن هناك نصاً -ولو كان شفهياً- في وثائق الهيئة العليا للتفاوض (الرياض1)، وفي وفد التفاوض (الرياض 2) يمنع من هذا الترشح؟ لماذا تصر المعارضة على العمل ضد ما تسنه من قوانين؟ وهل كان القول في الرياض 2 -وكنت أنا موجودة في ذلك الاجتماع- أن أعضاء الوفد التفاوضي لن يكون لهم الحق في الترشح لأي منصب سياسي في المرحلة الانتقالية هو مجرد ادعاء؟ وقبل كل هذه التساؤلات لمن ستقدم أوراق ترشحك وأين؟ وهل ستنافس على سوريا ما قبل 2011 أم على السوريات الكثيرة المبعثرة تحت هيمنة خمسة جيوش تخبط أقدامها على أرضها وتودي بحياة السوريين في أي اتجاه خرجت الطلقة؟
لا شك أن المعارضة التي اعتادت أن تخرق أنظمتها الداخلية، وقراراتها منذ تشكيل كيانات المعارضة، لن تعجز عن تجاوز مثل هذا “العرف” المتداول في أي ثورة ومنها الثورة السورية، ولكن أن يكون مثل هذا التجاوز مطروحاً من جمال سليمان المثقف السوري الذي لم يعرف أي من السوريين عنه أنه استفاد من الثورة السورية سواء بالشهرة، أو بالمال -وهذه حقيقة لا يمكن أن ننكرها عليه-، على خلاف حال كثير من المجاهيل الذين هم اليوم على قائمة التداول في الأخبار، والمنابر، والمناصب التي لم يبارحوها، منذ نشأة الكيانات، وحتى آخر انتخابات “وهمية” جرت في كيان الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، ما يجعل الاستفهام كبيراً ويضع “الفنان” امام مسؤولية تصحيح وضعه القانوني قبل المباشرة، ولو بالتلميح عن احتمال ترشحه رسمياً وهو حق له، بل لعله فاتحة خير على السوريين، كما هو حق لكل من يرى في نفسه الأهلية والكفاءة لذلك.
فقط ما نريده اليوم ألا يشعر السوريون أنهم محكومون بالمتجاوزين على الدستور أو الأنظمة في أي ترشيح رئاسي يحظون به، (من بشار الأسد إلى جمال سليمان)، رغم الفارق والفرق في العمليتين، وعلى الرغم من رأي الشارع بكيانات المعارضة إلا أنها بشكل أو بآخر هي تمثل في قراراتها سلطة تشريعية من نوع ما، وعدم احترام ما تشرع به، قد يتساوى بما حدث ويحدث في أروقة مجلس الشعب السوري، بهرجه ومرجه وسرعة تغيير دساتيره.
يفتح ما قاله جمال سليمان في إمكانية ترشيح نفسه نافذة، لنسأل وبجدية عن استعداد المعارضة لمثل هذا الاستحقاق الذي لابد أن يأتي عاجلاً أم آجلاً، في ظل رغبة دولية، ولعلها مجرد حالة “سأم” من تعميم الفوضى والإرهاب إلى المنطقة والعالم، ويمكن أن يكون المبعوث الأميركي الخاص للشأن السوري جيمس جفري عبر عنها باسم المنظومة الدولية، أي باسم دولها الفاعلة عندما قال غير مرة “سنعمل على تنفيذ القرار 2254 القاضي بتحقيق الانتقال السياسي والعدالة الانتقالية في سوريا”، وأنه “يتوجب على كل السوريين بالداخل وفي بلاد اللجوء المشاركة في اختيار رئيس البلاد وبشفافية” ما يعني أن ما قاله “جمال سليمان” يجب أن يكون مقدمة لتواجه “المعارضة” نفسها حول مدى شعبيتها وقدرتها على تحقيق أي نتيجة إيجابية في اللحظة الحاسمة، تلك اللحظة التي ستكون بيد الشعب هذه المرة، وليس بيد الدول المانحة، والداعمة لشخصيات المعارضة المفروضة على السوريين، والانتخابات التي لن تكون تحت هيمنة النظام الأمني، هي أيضاً ليست على شاكلة انتخابات كيانات المعارضة “الوهمية” والمتحاصصة وفق رغبة الدول المصنعة لها.
نعم في ظل هذا السلوك لقيادات المعارضة في محاكاة النظام في القبض على المناصب والتمسك بها عنوة، قد تكون كل الوجوه الموجودة على الساحة “المعارضاتية” متساوية في الرفض الشعبي لها مع نظام بشار الأسد، وقد يكون ما فعله جمال سليمان برمي الحجر المبكر في بركة راكدة هو الحل، ليقظة المعارضة من سباتها على كراسيها بعيدة عن الشعب وبعيدة من خياراته، وهذا لا ينفي حق “جمال أن يكون رئيساً ” كما هو حق لكل من يستطيع ويتحمل!

*كاتبة سورية