الصفحة الرئيسية رأي وتحليل اللجنة الدستورية المعطلة وأوهام الحل السياسي في سوريا

اللجنة الدستورية المعطلة وأوهام الحل السياسي في سوريا

 

جاداً كان وزير خارجية نظام الأسد “وليد المعلم” عندما قال “سنغرقهم في التفاصيل” في معرض حديثه عن المفاوضات مع المعارضة السورية قبيل إنطلاق جولات التفاوض في “جنيف”، الأمر الذي انسحب على مفاوضات “أستانة” و “سوتشي” التي اتفق فيها مطلع عام 2018 على تشكيل لجنة لتعديل الدستور من ممثلين عن نظام الأسد وأطياف المعارضة السورية ومستقلين من المجتمع المدني تقوم الأمم المتحدة باختيارهم.
أشهر من التعطيل مضت على موعد إشهار اللجنة الدستورية المقرر مطلع عام 2019، لكن اللجنة لم ترى النور بسبب تعنت النظام السوري من خلال إصراره على حشر أسماء شخصيات محسوبة عليه ومقربة من مخابراته في قائمة المستقلين، وهو الأمر الذي ترفضه الأمم المتحدة وتركيا والمعارضة السورية الممثلة بهيئة التفاوض العليا، التي أعلنت على لسان رئيسها “نصر الحريري” توقف العملية السياسية قائلاً خلال مؤتمر صحفي عقده في الرياض قبل أيام قليلة : “دائما نحن نصطدم بحاجز رفض النظام لأي مبادرة ولأي فكرة ولأي طريق ولأي خطوة قد تؤدي إلى الحل السياسي في سوريا” ، معتبراً أن النظام يعرقل تشكيل اللجنة الدستورية بالكلية فهو لا يقبل بالقواعد الإجرائية ولا بتركيبة اللجنة.
إعلان “الحريري” جاء بعد أيام قليلة من مزاعم الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” خلال قمة منظمة شنغهاي، قال فيها :  إن العملية السياسية في تقدم والعمل جار لتشكيل اللجنة الدستورية، تبعه تصريح لوزير الخارجية التركي بيّن فيه أن هنالك مشكلة في 6 أشخاص عن لائحة المجتمع المدني لأنهم لا يمثلون المجتمع المدني، من بينهم شخصيات رئيس سابق للبنك المركزي لدى نظام الأسد، ورئيس حزب، ونائب عام، مبيناً أن الأمم المتحدة وتركيا تعترضان على أسماء هؤلاء.
تدخل النظام في قائمة المستقلين ومن قبله التعطيل الدائم لأي مسار يؤدي لحل في سوريا ليس السبب الوحيد الذي يدفع لتوقف العملية السياسية، وجعلها سراباً يحسبه الشعب السوري (المتطلع للاستقرار ولأبسط مقومات الحياة) ماءاً، بعد أن عاش سنوات عجاف في قيعة، ولكنه كلما اقترب من ذلك السراب لم يجده سوى وهم أو ضرب من الخيال، فإصرار النظام وحلفائه على الحل العسكري والتصعيد والقصف على آخر مناطق خفض التصعيد في إدلب وحماة واللاذقية وحلب التي باتت الملاذ الوحيد لرافضي المصالحات مع النظام، والتي كان من المقرر إبقاؤها آمنة لتوفير مناخ مناسب للسير في العملية السياسية حسب ما اتفق عليه الضامنون لاتفاق خفض التصعيد، وهو ما يرسم صورة واضحة عن منهجية ليست جديدة تقوم على المراوغة لتمرير الحل العسكري تحت مظلة دولية رعت خلال الأعوام السابقة عشرات من عمليات التغيير الديموغرافي لصالح مشاريع النظام ومن خلفه إيران.
وتساهم الأطراف المعنية بالشأن السوري والمنخرطة في رعاية ومراقبة وضمانة العملية السياسية في جعلها مستحيلة على الأقل في المدى القريب، فهي لم تتفق على رؤية موحدة لشكل وطبيعة الحل وآليات الوصول إليه حتى الآن، ولا يبدو مثل هذا الاتفاق قريباً، فرغم وصول الولايات المتحدة وروسيا إلى بعض التفاهمات أدت إلى إنهاء الفصائل الثورية العسكرية المؤثرة والحد من نفوذها، وإضعاف المعارضة بل إنهاك الثورة سياسياً وعسكرياً، إلا أن هناك الكثير من الملفات العالقة بين الطرفين الأكثر تأثيراً في الملف السوري، منها شكل النظام المستقبلي ودور المنظمات الكردية التي تسيطر على أجزاء من شمال وشرق سوريا.
وفي السياق برزت على السطح تسريبات من أروقة المعارضة عن دعوة المملكة العربية السعودية هيئة التفاوض العليا للاستعداد لعقد مؤتمر في الرياض، يتم خلاله إدخال ممثلين عن قوات سوريا الديمقراطية، بالتزامن مع زيارات قام بها مسؤولون سعوديون وإماراتيون إلى مناطق شرق الفرات ، وطلب تشكيل مجلسين عسكريين في المنطقة، الأمر الذي سيهدد بمزيد من التصعيد الإقليمي وربما يودي بهيئة التفاوض إلى الموت السريري، أو زيادة الشروخ والانقسامات داخلها، والعودة إلى نقطة الصفر التي بالكاد تجاوزتها العملية السياسية الدائرة في حلقة مفرغة، وما يعني بالضرورة إطالة أمد الوصول إلى الحل سياسي حتى استكمال فرض الحل العسكري، الذي تقوده روسيا وعمليات التغيير الديموغرافي وتحويل سوريا لدولة أقليات حسب المخططات الإيرانية المرحلية، واستمرار حكم النظام بالحديد والنار مع استنزاف كل مقدرات الوطن وتوزيعها على النافذين.
يثبت نظام الأسد يوماً بعد يوم أنه عصي على الإصلاح أو التحول إلى نظام يمتنع عن ظلم السوريين وقتلهم وسلبهم حتى أقل مقومات الحياة، علاوة عن أن يحفظ حقوقهم أو يمنحهم بعضها، وليس ما يجري في إدلب وحماة من قتل وتشريد بخافٍ على أحد، ولا التضييق على المدنيين في مناطق سيطرة النظام، ووفق المعطيات السابقة والوقائع على الأرض لا ضوء في آخر النفق المؤدي إلى الحل السياسي الذي ولد ميتاً ، أو بتعبير أدق تعسرت ولادته ولم يخرج إلى الحياة في مخاض متعسر مستمر منذ ست سنوات لا يتوقع منه خروج مولود حي.

*صحفي سوري