الصفحة الرئيسية رأي وتحليل المسؤولية عن الفراغ السياسي في الصراع السوري

المسؤولية عن الفراغ السياسي في الصراع السوري

منذ سنوات لم يعد الصراع السوري في بعده الداخلي، أي شعب (أو أكثريته) ضد النظام، هو الغالب، إذ بات البعد الخارجي، الدولي والإقليمي، في الصراع على سوريا، أو على شكلها في المستقبل، هو الأكثر حضوراً. هكذا، مثلا، بات احتجاز سفينة نفط إيرانية في مضيق جبل طارق، أو قيام المبعوث الدولي غير بيدرسون بزيارة موسكو، أو قيام إسرائيل بقصف مواقع إيرانية في سوريا، أو الحديث عن عقد قمة لرؤساء دول ثلاثي استانة، تتصدر المشهد، حتى بأكثر من مشاهد القصف الذي يتعرض له ريف إدلب من طائرات النظام والقوات الروسية.
في هذا السياق لا يبدو حضور، أو قتال، فصائل المعارضة المسلحة في الشمال السوري، أو هيمنة جبهة النصرة في إدلب وريفها، أو تحكم “قسد” في مناطق شرقي الفرات، إلا كتنويع أو كتفصيل على المشهد، إذ أنه لا يغيّر من معادلتها، فتركيا هي التي تتحكم بالفصائل المتواجدة في الشمال والشمال الغربي من سوريا، والولايات المتحدة هي التي تتحكم بمنطقة شرقي الفرات، أي الشرق والشمال الشرقي من سوريا. في المقابل فإن روسيا وإيران تتحكما بالمناطق التي يسيطر عليها النظام في الوسط، باستثناء جيوب مسيطر عليها خارجيا (في الجنوب)، مع الاعتراف بهيمنة القرار الروسي عسكريا وسياسيا واقتصاديا.
طبعا ثمة عوامل عديدة أسهمت في تكريس كل تلك اللوحة، ضمنها، أولاً، افتقاد السوريين لكيان سياسي موحد، رغم مرور سنوات على ثورتهم، وافتقاد الكيانات السياسية السائدة للمصداقية الكفاحية وللاستقلالية السياسية. ثانيا، هيمنة القوى الخارجية على فصائل المعارضة العسكرية (والسياسية) ما يجعلها تشتغل تبعا لذلك. ثالثا، تضاؤل البعد الشعبي في الصراع ضد النظام، كنتيجة بديهية لحصره بالعمل المسلح، وأيضا بحكم ما تبع ذلك من تشريد ملايين السوريين وتخريب عمرانهم. رابعا، خذلان القوى الخارجية للثورة السورية، والتلاعب بها، وتوظيفها بحسب أجنداتها الخاصة. خامسا، طول أمد الثورة، ما أدى إلى استنقاع وتفسخ كياناتها، وزيادة الفجوة بينها وبين شعبها، وزيادة ارتهانها على الخارج.
ثمة عدة مشكلات تنبع من هذا الوضع الصعب والمعقد والمختل، أولها، أن ثمة فراغ سياسي كبير في المعارضة السياسية، إذ لم يعد الائتلاف يعبر عن تلك المعارضة، لأسباب كثيره ضمنها عجزه وضعف مبناه التمثيلي وطريقة عمله، وارتهاناته، والأهم من ذلك أن ثمة فجوة كبيرة بين كل أطياف المعارضة، ومجتمعات السوريين في الداخل والخارج، يفاقم من كل ذلك غياب أو تعثر الخطوات، أو المحاولات، التي بذلت لتدارك هذا الواقع. وثانيتها، أن القوى الخارجية الفاعلة في الصراع السوري باتت كأنها بمثابة عامل داخلي في سوريا، بغض النظر عن تموضعها مع النظام أو ضده، وهذا ينطبق على إيران وتركيا وإسرائيل بشكل خاص كما ينطبق على روسيا أيضا، أما بالنسبة للولايات المتحدة فهي تعتبر أن مصالحها مؤمنة بأشكال مختلفة، علما أن ما يهمها، قبل أي اعتبار أخر، هو أمن واستقرار حليفتها إسرائيل. وثالثتها، أنه لا يوجد حتى الآن قرار دولي بشأن حل الصراع، أو وقفه، في سوريا، وهو الأمر الذي تتحمل مسؤوليته الولايات المتحدة الأمريكية، أكثر من أي طرف أخر، لأنها وحدها التي تملك القوة على طرح هذا الخيار، وفرض الاستقرار، وتاليا لذلك تلبية المطالب المتعلقة بعودة المشردين، وإعادة الإعمار.
الفكرة من كل ذلك أن العاملين الذاتي (النظام والمعارضة) والخارجي (الدولي والإقليمي) مازالا حتى الآن غير ناضجين للذهاب نحو وقف الصراع الدامي والمدمر، والتوجه نحو التغيير السياسي، عبر عملية دستورية وديمقراطية.
هكذا فإن النظام يعتبر أن استعادة سيطرته على كثير من المناطق، ولو بمساعدة عسكرية روسية (وإيرانية) هو بمثابة انتصار له وهزيمة للمعارضة، في حين فإن تلك المعارضة، الرسمية والشعبية، لا تقر للنظام بذلك، ولا تعتبر أنه انتصر عليها، بحكم هشاشة وضعه، واعتماديته على القوى الخارجية، وعندها فإن التشبث بمواقعها ومواقفها سيمنحها الفرصة لإضعاف النظام في فرص تالية قد تأتي، مع العلم أن مشكلتها هنا أنها لا تفعل شيئا ولا على أي صعيد لتحسين أوراقها، أو إعادة بناء أوضاعها.
وعلى الصعيد الإقليمي فإن تركيا لا ترغب بالتفريط بمناطق النفوذ التي باتت تحظى بها في الشمال والشمال الغربي من سوريا، في حين ترى إيران بأن حضورها في سوريا يمنحها أوراقا قوية للدفاع عن امنها القومي، وعن مصالحها في لبنان والعراق، وفي مفاوضة الولايات المتحدة. وبالنسبة لإسرائيل فإن كل ما يهمها الآن هو إخراج إيران من سوريا، أو تحجيم نفوذها فيها، بعد أن حصل كل ذلك الخراب، أو بعد أن انتظرت حصوله على يد إيران في سوريا (كما في العراق)، وهو ما تشتغل عليه بنفسها كما مع كل من روسيا والولايات المتحدة.
أما على الصعيد الدولي فإن روسيا وإن شعرت بأن الولايات المتحدة اعترفت بمكانتها في سوريا، إلا أنها مازالت تريد تحقيق المزيد من التنازلات لصالحها، علما أنها تتوجس من وجود إيران التي تنافسها على النفوذ في سوريا، وهي محتارة بين توظيف هذا الوجود أو القبول بإضعافه، بحسب التقديمات الأمريكية. ومعلوم في هذا السياق أن إسرائيل باتت تقف خلف تليين العلاقة الروسية ـ الأمريكية، بخصوص ملفات أوكرانيا، والدرع الصاروخية، وأسعار النفط والعقوبات الأمريكية، وكلها ملفات تحاول روسيا زحزحة الموقف الأمريكي فيها، معتبرة وجودها في سوريا، أحد أوراق المساومة بالنسبة لها.
باختصار فقد باتت سوريا بمثابة ورقة في الصراعات الإقليمية والدولية، أو ساحة لها، وذلك على حساب شعبها، ومستقبله، في حين مازالت المعارضة تشتغل بنفس المفاهيم ونفس الطريقة، وكأنه لم تمر كل تلك التجربة الصعبة والمعقدة، أو كل تلك السنوات والعذابات.