مِمّا اعتدنا على قراءته في سَرديّات القَصص و الأدب، تعبير “سحرُ الشّرق”، هذا التعبير الاصطلاحي الذي يَحملُ في طيّاته مَفاهيم وصورَ نَمطيّة، وعَبق تاريخي مُتجسّد في كليشيهات تَمثيليّة تَكاد تُلامس مُخيلة وتصوّر القارئ كفيلم ثلاثي الأبعاد .. في هذه الاستعارة المَكنيّة، الشرق في مُخيّلتنا مَحصورٌ بمنطقة الشرق الأوسط والجَزيرة العربيّة و ضمنَ حقبة زمنيّة معينة أيضاً، مَكانٌ واحد وزمانٌ واحد، أشبه بنصّ مَسرحي كلاسيكي، فنشبّه الشرق بساحرٍ يَسحر عيون الناظرين، فَيُخيّل إليهم أنهم يَرونَ عَجائبَ الزّمان، وطالما ارتبط مفهوم السّحر في الاستعارات بالجَمالِ والعُذوبة والشّهوات، فأصبحَ تَعبيرُ سحرُ الشرق تجسيداً لكل الصور النمطيّة التي حملها لنا التاريخ من حدائق بابل المعلّقة، الى بستان هشام، بكل ما تَحمله هذه الصورة من نساء حِسان، وجواري وقيان، ونبيذٍ مَسكوب، وطلحٍ مَنضُود، وفواكه وأعناب، وقصائدَ مَكتوبة بماء الذّهب، وأمراء يَتبارزون، وصبيان يعزفون على الناي فترقص الأفاعي طرباً .. الى آخر هذه اللوحات العجيبة التي رسمها المستشرق جان ليون جيروم ..!
أمّا في طبقِ البَابا غنّوج، يَتلخّص ذلك الشرق كلّه وأكثر، فيُضافُ إليه الشرق الحَداثي، الذي لم يَعد يزُره الكثير من المُستشرقين الارستقراطيين والفنانين، إلا بعض النشطاءَ السياسيين “المُمانعين” من هنا وهناك، لتتلخّص أعمالهم بكتابةِ سيرة حياة زعيمٍ بائدٍ ما، يَتبوّل على قبره ألفُ كلبٍ كلّ يوم … البابا غنّوج طبقٌ يَصعبُ تفادي الكتابة عنه، خاصّة لو كنت لاجئاً في دولة أوروبية يُحاول أهلُها الظهور أمامك كسُيّاح مُستشرقين، فتبدو أنت كمستغرب.! بَدأت قصّتي مع البابا غنّوج عندما التقيتُ بأول فتاة فرنسيّة، كانت فنّانة فوتوغرافيّة قد عملت في فلسطين عاماً وأقامت مَعرضاً عنها، فحدّثتني طويلاً عن الطعام الفلسطيني وعشقها له، فقررتُ أن أدعوها على العشاء، فكرت بطبقٍ أضعُ فيه كلّ تلك النّكهات الشرقية التي إن أغمضت عينيك وتذوقتها، حملك الطعم الى بيت جدّتك، فلم أجد أكثر من البَابا غنّوج، طبقاً يَجمع واحداً من أكثر الخضارِ استخداماً في المَطبخ الشرقي، البَاذنجان المَشوي مع الثّوم المُنَعّم وعَصيرُ الليمون والفُليفلة الخضراء، ثم يُزيّن الطبق بالجوز المُجفف ودبس الرّمان، وبالطبع الكثير من زيتِ الزيتون .. الى جانبه طبقٌ من السّلطة الناعمَة البسيطة: الخِيارُ والطّماطم والخَس، والتي أضفتُ إليها ثمرت تفّاحٍ أخضر، كان “الأبّ باولو دالوليو” قد نَصحني بإضافتها للسلطة في أوّل مرّة زُرت فيها دَير “مَار موسى الحبشي”، حَيث رأيت الأب باولو يرمي للراهب بطرس، بَعض حبّات التفاح الأخضر، ليُضيفها على السلطة، التي سيقدّمُها للزوار مع قدرٍ ضخمٍ من “المُجدّرة” … كانت نَصيحة الأبّ باولو إضافة إيطالية لذيذة لطبق شرقي ..
عندما تذوّقت صديقتي الفرنسية البابا غنوج أغمضت عينها وغطّت في عَملية مًضغٍ مُتأنٍّ، ثم انفرجت أساريرُها وصَرخت: هذا هو سحرُ الشرق .! أثّرت كلماتها فيّ كثيراً حتى رحتُ أطيلُ التفكير في مفهوم الشرق و سحر الشرق وعلاقته الوطيدة بصحن البَابا غنّوج. أُغرِمَت الفتاة بالطبق وأكثرت الثناء عليه وعليً حتى ظَننت أنني سَاحرٌ شرقيّ عظيم، وفكرت للحظة: آهٍ لو كان لدي نايٌ وأفعى في جرّة فخّار ..!
في دراستهِ لتحليل النّظرة الغربيّة للشرق، طوّر إدوارد سعيد أسلوباً نَقدياً فريداً للـ “الاستشراق”، فلم يَعد مَفهوم المستشرق في أذهاننا بعد هذا الكتاب، كما كان في السّابق، وأخذ المَفهوم بُعداً جَديداً عبّر عن أحاسيس حَملناها تجاه المُستشرقين ولم نَضع لها تَفسيراً صَريحاً، فَبلغ الكتابُ مَنزلةً عظيمّة لدى شريحة كبيرة في زمانه، حتى صار “منفيستو للشباب العربي” حسب تعبير إدوارد سعيد، الذي لم يَظن حتى هو أن يَبلغ تحليله ونقده لظاهرة الاستشراق هذه المبلغ. حَاول إدوارد سعيد طرحَ سُؤالٍ مُهم جداً في كتابه: لمَاذا يُصرّ الغربيّون على تَنميط الشرق كلّه في هَيئة واحدة، ففي منظورهم الشرق ثابتٌ لا يَتطوّر، ويُمكن لأي أديبٍ أوروبيّ الكتابة عن الشرق، حتى لو لم يَزره يَوماً، فقد كان الهنديُّ والمصريّ والسوري، هو ذاتهُ في نظر أي رحالة أوروبيّ في القرن التاسع عشر، حَسب تعبير ادوارد سعيد. إذاً فالفكرة ليست الاطلاع على الشرق ودراسته وفهمه على حَقيقته، بل تناوله كما نَراه في أذهاننا كصورةٍ مُركّزة ومُكثّفة في ثبَاتها الذي لا يَتطوّر.
لا أدري إن وجب عَليّ في كل مَرة تَصحيحُ مَفهوم الشرق في ذهنيّة بَعض الأوروبيين، الذين لا زال يظنّ الكثير منهم أن سوريا وجدت عُقبَ قيام “دولة إسرائيل”، وأننا كعرب شرقيين، لازلنا نَعيش مع الإبل في خيامٍ تكسوها الرّمَال وتَسفيها الرّيَاح، لكن وبَعد شرح بَسيط عن شرقنا وتَاريخهِ وحاضره الثائر، تجد هؤلاء هم من أصيبوا بِصدمة حضَاريّة، على عكس ما يتصوّر بعض الثقافويين العرب، عن اللاجئين المَشدوهين بحضارة الغرب. فهل نلومُ فرنسيّة على اختزالها للشرق بطبق بابا غنوج؟ لا أعرف حقاً هل هو الشرق الساحر الذي يُكرّس تلك الصورة النمطيّة في الذهنيّة الأوروبية عموماً، أم هو البابا غنوج الذي يَخلقُ صوراً استشراقية حديثة في مُخيلة هذا الغرب، لكن مَا هو أكيد، أن كلّ من تذوّق البَابا غَنّوج، لم تعد لا صُور الصّحراء و الرّمال والإبل، ولا طبق الحُمّص والفلافل كافية بالنسبة له كهويّة تعريفيّة عن الشرق وسحره، وحتى هذا البَابا غنّوج الذي سّلبنا هويتنا الشرقية بمذاقه، اذا بَحثت قليلاً ستجدهُ طبقٌ من المطبخ الإيراني والروسي والتركي والشركسي والأرمني .. ولا يُعرف له حقاً أصلٌ لا شرقيّ ولا استشراقي ..
كَرّرتُ تَجربة عشاء البَابا غنّوج مع كل فتاة أوروبيّة أردت أن أسحرها، وكان البَاذِنجَان هو سحري الأسود، وفعلا نَجحتُ بعد ذلك مع فتاة اسبانيّة وأخرى مكسيكيّة ثم إيطاليّة وبريطانيّة، كان لطبق البابا غنّوج مَفعول سحري يَجعلني أبدو أميراً أموياً في أعينهن، حتى أنّ إحداهُنّ بَعد تَناول الطّبق، راحت تَرقصُ على أنغامِ أنشودة “صليل الصوارم”، التي ظنتها مَوشحاً أندلسياً ..!