بحسب تصريح لمصطفى سيجري (الناطق الرسمي لما يسمى الجيش الوطني الحر) فإن “روسيا ستترحم على أيام أفغانستان، وأن الوضع في إدلب غيره في أمكنة أخرى، وأن القوى الثورية هي التي تحدد الزمان والمكان”.. (من تلفزيون سوريا 11/7). وفي الواقع لا أحد يمكنه أن يعرف مدى جدية أو عقلانية هذا التصريح، أو كأن الذي يتحدث على هذا النحو يظن أنه يمتلك ترسانة حربية تضاهي الجيش الروسي، أو أن سجله العسكري الحافل بالانتصارات يدفعه لإطلاق تفوهات مثل هذه.
عموما، فإن مسار الثورة السورية، بخاصة في مجال الصراع العسكري، شهد تصريحات مثل هذه، ومثلا، فمنذ دخول جماعات “الجيش الحر” إلى أجزاء من مدينة حلب (تموز 2012) ظلّ قادة الفصائل العسكرية يعلنون بأن الأسبوع القادم سيكون موعد السيطرة على حلب كلها، وهذا لم يحصل كما نعلم، بل فإننا شهدنا عكس ذلك، وهو انحسار وجود تلك الجماعات بطريقة دراماتيكية، دون تفسيرات مقنعة أو اعتذارات واجبة. وقد شهدنا رحيل فصائل حلب إلى معركة “درع الفرات”، رغم تهديدها النظام بما اسمي بشن معركة “ملحمة حلب الكبرى” (بحسب تعبير لقائد فصيل نور الدين زنكي وقتها)، تاركين المناطق التي كانت خاضعة لهم لمصيرها، كأنها أعيدت قصدا إلى سيطرة النظام (أواخر 2015). أيضا كنا سمعنا عن إعلانات لغزوات أو حملات في الجبهات الساحلية والجنوبية والوسطى، وحتى في غوطة دمشق، كنا سمعنا عدة مرات عن “ساعة الصفر” مرة تلو أخرى للهجوم على معاقل النظام، في مبالغات أقحمت ثورة السوريين في مغامرات لا طاقة لها بها، وقبل أوانها.
ضمن تلك الادعاءات المضرّة ثمة حوادث مريبة وأهمها مثلاً حادثة اغتيال أعضاء من “خلية إدارة الأزمة” (تموز 2012)، التي ضمت أبرز قادة في النظام السوري، وذهب ضحيتها كل من داود راجحة وآصف شوكت وحسن تركماني وهشام بختيار، إذ تم تمرير تبنّيها من قبل بعض المعارضة بطريقة ساذجة ومتسرّعة. وقد تبين فيما بعد أن هذه العملية تمت، على الأرجح، في إطار عمليات تصفية داخلية في النظام، لتأمين رأسه، وتحقيق السيطرة الإيرانية على القرار السوري، الأمر الذي فوّت على المعارضة، في حينه، توظيف العملية سياسيا في عزل النظام وتعظيم التناقضات بين صفوف الموالين له.
كما يأتي ضمن ذلك قصة سيطرة جماعات احتسبت على “الجيش الحر” على مخيم اليرموك ومحيطه، الأمر الذي أدى إلى تهجير أكثر من مليون من السوريين، ضمنهم حوالي مئتي ألف من الفلسطينيين، في منطقة كانت تعتبر حاضنة شعبية للثورة السورية، وحتى الآن لا أحد يعرف من أخذ هذا القرار، أو لصالح من اتخذه، علماً أن مثل ذلك حصل في مناطق أخرى، ولم يستفد من ذلك إلا النظام.
لا نشكك هنا بنوايا أصحاب مثل هذه التصريحات أو الادعاءات أو المواقف، فهذا شأن أخر، وإنما القصة تتعلق هنا بافتقاد أصحابها للتفكير العقلاني السليم، وغلبة الروح الرغبوية، كما تتعلق بمدى أهليتهم لخوض صراعات عسكرية تفترض معرفتهم بأنها تخاض بوسائل معينة، وليس بالأمنيات والعواطف، كونها تعتمد على قدر مناسب من تكافؤ ولو نسبي في السلاح والعتاد والإدارة وطول النفس والمعطيات السياسية المواتية للتوظيف، إذ ليس فقط تحولت المناطق التي تخضع لهذه الجماعات إلى مناطق محاصرة، وبمثابة حقل رماية لطائرات النظام ومدفعيته، وإنما باتت مناطق هجرها سكانها، أيضاً، ما أضعف المعارضة وأضعف البيئات الشعبية الحاضنة لها.
المشكلة أن المعارضة السورية، بكياناتها السياسية والعسكرية والمدنية، لم تقم ولا مرة بمراجعة هذه المواقف، والتبرؤ منها، ونقدها، ولاسيما وضع حد لها، كما ولم تقم ولا مرة بمساءلة أصحابها، عن ادعاءاتهم، الأمر الذي قوض صدقيتها، أمام شعبها، وأضعف التعاطف معها في الرأي العام عربيا ودولياً، ما سهّل على النظام وحلفائه تحويل القضية السورية من قضية سياسية إلى قضية إنسانية أو طائفية أو قضية صراع ضد الإرهاب.
باختصار تصريحات سيجري، وأمثاله، كما تصريحات سبقتها عن “ساعة الصفر” و”ملحمة حلب الكبرى، مع استعراضات الفصائل، أضرت بالثورة السورية، وبإجماعات السوريين، وقدمت خدمة كبيرة للنظام. أما فيما يخص ما يجري اليوم في إدلب وريفها وأرياف حلب وحماه وحمص، فهو، مع كل التقدير للتضحيات، لا يغير من المعادلات العسكرية شيئا، بل إنه يجري ضمن الخطوط المرسومة، وفي إطار الصراع على تثبيت خطوط النفوذ الدولية والإقليمية، بانتظار أية تسوية قادمة، أي أنه يجري في إطار صراع الأجندات الخارجية، بعد أن باتت تلك تتحكم بالصراع السوري، حتى ولو كان ذلك يجري بواسطة السوريين، وعلى حسابهم، وهذا ما يجب إدراكه، وتداركه، بدل تنمية الأوهام بتصريحات لا تفيد شيئا.

*كاتب فلسطيني