أرخت الأزمات الأخيرة والتجاذبات السياسية والتي تقع في بلدان الجوار السوري والتي يتركز بها اللاجئين السوريين وخصوصاً تركيا ولبنان على واقعهم، خصوصاً بعد اتخاذ بعض الأحزاب السياسية في كلا البلدين إياهم كورقة ضغط على باقي الأحزاب والكتل الأخرى، وهذا ما تجلى في الأشهر القليلة الماضية خلال الانتخاب البلدية التركية وبالتحديد فيما حدث في انتخابات بلدية إسطنبول واعتبار السوريين في لبنان بكليتهم الحامل لكل المشاكل الداخلية الخاصة بلبنان.
ولهذا لم يكن أمام السوريين وفئة الشباب منهم خصوصاً إلا التفكير في الهجرة (الشرعية وغير الشرعية) أو اللجوء إلى بلدان أخرى هرباً من الواقع الصعب في بعض الأحيان وهرباً من الترحيل إلى الأراضي السورية التي لا زالت لحد اللحظة تشهد عمليات عسكرية مكثفة بالإضافة للفلتان الأمني الشديد في معظم المناطق السورية ناهيك عن تدمير البنية التحتية والمنازل والأشغال التي يقتات عليها الآلاف منهم وصعوبة المعيشة والحياة في سوريا.
بين وعود إعادة التوطين ومحاولات اللجوء عبر السفارات
يروي “عبد الكريم” وهو شاب سوري مقيم في محافظة جبل لبنان لـ بوابة سوريا “إن السفر والهجرة هي الشغل الشاغل لمعظم الشباب السوري المقيم في لبنان خصوصاً بعد الضغوطات التي كثرت في الفترة الماضية فيما يتعلق بخطة وزارة العمل اللبنانية إضافة لقانون الترحيل الجديد الذي صدر بحق جميع الداخلين خلسة إلى لبنان بعد تاريخ 29 نيسان من العام 2019”.
مضيفاً بأن “كل القوانين والخطط والإجراءات الجديدة التي حصلت في لبنان هدفها التضييق على حياة السوريين هنا وخصوصاً اللاجئين منهم، ما جعلنا نفكر جدياً في السفر والهجرة إلى بلاد أخرى فنحن لا يمكننا العودة إلى سوريا فهناك حلان يتشابهان في النهاية إما الاعتقال والموت أو السجن لسنوات طويلة في أحسن الأحوال والحل الثاني هو الاقتياد إلى الخدمة الإلزامية وجبهات القتال والموت فيها”.
ويتابع حديثه بالقول: “أنا على المستوى الشخصي حجزت في السفارة البرازيلية في بيروت وأجهز أوراقي للهجرة إليها بحثاً عن الاستقرار فيها أو متابعة رحلتي إلى إقليم (غوايانا الفرنسية) وتقديم اللجوء هناك لدى السلطات الفرنسية، وهذا أحد الحلول الموجودة لدى الشباب السوري في لبنان فيما تتواجد حلول شرعية أكثر صعوبة وتكلفة مثل طلب اللجوء عبر السفارة الفرنسية أو الكندية أو الأسترالية وفي العموم الرفض هو الرد السريع من قبلهم”.
وتنقل “ريم” وهي أم لـ 3 أطفال بأنه بعد الاختفاء القصري لزوجها في سوريا قامت هي وأطفالها باللجوء إلى لبنان مع عائلتها وعند وصولها إلى لبنان التجأت إلى أحد مراكز (المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين) وقامت بمقابلات عديدة مع موظفين تابعين لها وبعد سنوات من الانتظار لا زال لم يبت في أمر ملفها والذي يعتبر من الملفات المستعجلة بسبب وجود 3 أطفال وزوج متوفي.
وتقول ريم: “إن الوضع المادي والمعيشي سيء للغاية في مكان إقامتي ولا أمل في أي تحسن ورغم كل شيء أعيشه لا زلت خارج عطف ورأفة الهيئات الدولية، لا أعلم ما هي الحالات الأكثر سوءاً مما أعيشه أنا أعمل لأكثر من 12 ساعة ولدي طفل يعمل وهو أقل من 15 عاماً وطفل آخر قمت بإخراجه من التعليم بسبب سوء الوضع المادي وفتاة لا زالت في التعليم وجميعاً نعيش في غرفة صغيرة في بيت والديّ”.
وتتساءل ريم “لماذا لا تهتم الدول المعنية بمساعدة اللاجئين بدعم ملف إعادة التوطين بدلاً من قبول الهجرة الغير شرعية ؟، فلو امتلكت المال اللازم للجوء عبر الطرق الغير شرعية -مثلما فعل الآلاف من السوريين الذين يملكون المال ونسبة ليست بالقليلة منهم ليست تحت خطر الموت أو الجوع مثلما أعيش أنا وأطفالي سواء ببقاءي في لبنان أو بعودتي المليئة بالمجازفة والمخاطر في سوريا- لما انتظرت قبول طلبي لإعادة التوطين عبر الهيئات الدولية”.
التهريب حل سريع أم حل مميت
وفي حديث لـ بوابة سوريا يقول هشام وهو اسم مستعار لشخص رفض الإدلاء باسمه يعمل في تسهيل الهجرة الغير شرعية إلى أوروبا إن “الأمور تصبح أصعب وأصعب كلما مر الوقت، فخلال سنوات خلت كان التهريب إلى الدول الأوروبية عبر تركيا أمراً سهلاً وأٌقل تكلفة ولكن الأمر الآن أصبح صعب للغاية ويكلف من المال الكثير”.
ويشرح هشام أن “تفاصيل وتعقيدات التهريب إلى أوروبا زادت كثيراً بداية بخط التهريب من لبنان إلى تركيا والذي اتخذ طريقاً أطول من لبنان إلى أربيل في العراق ثم من أربيل إلى تركيا أو الخط البحري الخطير والمكلف جداً وكل ذلك في ظل التدقيق الشديد من قبل السلطات التركية على المراكز الحدودية والمطارات والسواحل المتوسطية والقريبة من الجزر اليونانية، أما الطريق الأكثر رواجاً في الوقت الحالي هو من تركيا وهو طريق بري إلى اليونان ثم الدخول إلى الدول الأوروبية عبر جوازات سفر مزورة وذلك عبر المطارات اليونانية”.
وخلال الحديث عن الخطورة يقول هشام “إن الخطورة في مثل هذه العمليات هو أمر كبير فمن الممكن جداً أن يتم القبض على الشخص الذي يحاول الهرب إلى أوروبا في أي من النقاط والبلدان التي ذكرتها سابقاً ولا حماية دولية أو قانونية لهم فبعضم سيتم سجنه لسنة أو اثنين ودفع غرامات كبيرة إضافة لمعاملة سيئة يتخللها ضرب من قبل قوى الأمن هذه الدول للأشخاص الملقى القبض عليهم ولكن رغم ذلك الشباب يخاطر فلا سبيل آخر متوافر”.
ويختم حديثه بالقول إن “الشباب يخاطر بالدخول في مثل هذه التعقيدات والمشاكل بسبب عدم وجود بدائل معقولة وممكنة للجوء أو الهجرة فالأوضاع المزرية للشباب السوري في معظم دول الجوار بالإضافة للداخل السوري جعل اللجوء بشكل شرعي أو عبر التهريب هو الحل الوحيد بالنسبة له” وأضاف حسب وصفه “أنه كشخص يعمل بالتهريب أو كما يسميها القانون الدولي تسهيل الهجرة الغير شرعية لا يشعر بأن يرتكب أي جريمة بل هو يساعد شباب بلده بالوصول إلى بلاد آمنة وأفضل حالاً” ووفقاً لما قال “حتى هي فيها خيار وفقوس الشخص اللي معو بسافر وبصير لاجئ ويلي ما معو بضل محل ما هوي”.
حماية القانون الدولي للاجئين وحقهم في اللجوء:
وفي حديث لـ “محمد حسن” مدير مركز “وصول” لحقوق الإنسان مع “بوابة سوريا” حول الوضع القانوني وحماية حقوق اللاجئين قال: “نحن نعمل على قضايا حقوق الإنسان للاجئين السوريين في لبنان، ونرى أن اللاجئين يتعرضون لضغوطات غير مباشرة منذ أواخر عام 2015 تزامناً مع إعادة بسط سيطرة السلطات السورية على معظم المناطق في سوريا التي كانت خارج سيطرتها آنذاك”.
مضيفاً “أنه ومع الأسف فالسلطات اللبنانية تعيد قوننة تلك الانتهاكات، كـ حوادث الترحيل التي تقوم بها بعض الأجهزة الأمنية للاجئين العائدين إلى لبنان وسبق أن وضع لهم اشارة منع دخول إلى لبنان، فهذا ينافي التزام لبنان بالقوانين والاتفاقيات الدولية وخصوصاً اتفاقية مناهضة التعذيب المادة الثالثة التي تنص ” لا يجوز لأية دولة طرف أن تطرد أي شخص أو أن تعيده (“أن ترده “) أو أن تسلمه إلى دولة أخرى، إذا توافرت لديها أسباب حقيقية تدعو. إلى الاعتقاد بأنه سيكون في خطر التعرض للتعذيب”.
ويؤكد “أن المنظمات الدولية والمحلية المعنية بحقوق الإنسان تضع كل جهودها من أجل تسليط الضوء على الانتهاكات في لبنان، من أجل الحد منها، ونحن نذكر بجميع بياناتنا وتصريحاتنا بالقوانين التي يلتزم بها لبنان بعدم إعادة اللاجئين السوريين إذا كانت هناك أسباب حقيقة تدعو إلى الاعتقاد بأنهم سيكونون في خطر، وقد وثّق المركز 8 حالات ترحيل قسري للاجئين قد تم تسليمهم إلى السلطات السوري عبر معبري المصنع والعبودية الحدودي مع سوريا”.
وفي ظل جميع الضغوط التي يتعرض لها اللاجئ السوري في لبنان بداية بضغوط النظام السوري الأمنية والعسكرية مروراً بالضغوط التي يتعرض لها في لبنان من قبل بعض الكتل السياسية والأجهزة الأمنية والعسكرية اللبنانية.
فيبقى السؤال الأهم أليس الحري بالمجتمع الدولي والهيئات الدولية البحث عن حل لهؤلاء اللاجئين والذين لم يكن في يوم من الأيام لجوئهم خارج سوريا سوى خياراً حتمياً نتيجة للحرب الطاحنة والموت الذي يلاحقهم.

*صحفي سوري