فيلم “كفر ناحوم” هو ثالث فيلم روائي طويل من النوع الدرامي للمخرجة اللبنانية “نادين لبكي” بعد فيلميها (سكر نبات) و( هلأ لوين؟)، هذا فيما يتعلق بالفيلم الروائي لكن مسيرتها الفنية قصيرة زمنياً , نسبياً, فـ” نادين لبكي” من مواليد 1974، إلا أن مسيرتها الفنية غنية جداً ابداعياً، فقد مارست الاخراج والتمثيل والكتابة وخصوصا إخراج الأغاني والفيديو كليب، حيث تعاونت مع أشهر المغنيات العربيات مثل ماجدة الرومي ونانسي عجرم، كما أن لها تجارب في كتابة وإخراج الأفلام القصيرة فضلا عن التمثيل، وقد نالت جوائز محلية وعالمية عديدة عن العديد من أفلامها.
هذا وقد تم تصوير فيلم “كفر ناحوم” في مواقع وأماكن واقعية طبيعية (اللوكيشن )، رافقتها موسيقا هادئة من تأليف “خالد مزنر”، واعتمدت “نادين لبكي” الإضاءة الطبيعية في أكثر المشاهد وذلك يعتبر من عوامل تقليل تكاليف صناعة الفيلم وانتاجه، الذي بلغ حسب ما صرحت “نادين لبكي” حوالي ثلاثة ملايين والنصف من الدولارات،على مدار ستة شهور من التصوير بلغت ساعات التصوير الخام فيها 500 ساعة، اختصرت في غرفة المونتاج إلى 12ساعة تصوير، لتخرج إلى النور ساعتين وست دقائق من المتعة السينمائية.
في “كفر ناحوم”  يُلاحظ المُتلقي تصاعد الهاجس والشغف السينمائي والتوق نحو رؤية بصرية سينمائية أكثر واقعية للتفاصيل الحياتية اليومية للإنسان اللبناني أو العربي أو الإنسان عموما، وزيادة الوعي بضرورة التغيير وإثارة الأسئلة حول المشاكل الموجودة في محيطنا ومجتمعاتنا من حولنا، هذا الوعي  لدى “نادين لبكي” جعلها تتناول مجموعة قضايا ومحاور في حزمة واحدة كالمثل القائل ( يحمل كل بيضه في سلة واحدة).
وهذا ما أربك المشاهد وأربكت كاميرا “نادين لبكي” نفسها، فلم تستطع أن تتعمق في تفاصيل وجماليات الصورة لذا نلاحظ قلّة المشاهد واللقطات القريبة في الفيلم، وإنما اعتمدت المشاهد العامة واللقطات المتوسطة بوساطة كاميرات متحركة محمولة ومتنقلة وغابت المشاهد الثابتة؛ ربما  بسبب انتقالها من محور لأخر ولم يسعفها الوقت لتقول كل ما تريد.
فقد تناولت خلال الساعتين من عمر الفيلم قضية العشوائيات والسكن في المخيمات وعمالة الأطفال وأحزمة الفقر حول المدينة، ومن هناك تناولت قضية التحرش وتعاطي المخدرات وتجارتها، وقضية الإتجار بالبشر ومسألة الحد من الإنجاب وتحديد النسل، وقضية الهجرة غير الشرعية وقضية المواطنة، ومن لا يملكون الأوراق الثبوتية فضلا عن قضايا زواج القاصرات ونقص الخدمات الصحية، ولم تستطيع “نادين لبكي” توجيه الاتهامات حتى لو تلميحا للمسبب في كل تلك القضايا ولم تقم بإدانة المنظومة السياسية أو الحكومية المسؤولة.
أولاً وأخيراً عن كل تلك القضايا وفشل تلك الحكومات وقادتها سياسياً واقتصادياً وأخلاقياً، وإنما طرحت المشاكل وحاولت في الفيلم أن تُدين الضحايا وتجرمهم أنفسهم، كما اتضح في موقف والد ووالدة “زين” في المحكمة وردودهم أثناء الدفاع عن أنفسهم  وحملتهم الذنب في  كثرة الولادات، وبذلك أدانت المجتمع والطبقات المجتمعية المهمشة ولم تشر إلى الطبقات الحاكمة، بل أظهرت القضاء عادلا وأظهرت الشرطة كمؤسسة منفذة للعدالة وأظهرت دور الإعلام الإيجابي من خلال مشاركة “زين” واتصاله بإحدى البرامج التلفزيونية.
قصة الفيلم :
تدور قصة الفيلم حول الطفل “زين” وتقديمه شكوى ضد أهله؛ لأنهم أنجبوه وهم غير قادرين على العناية به، كما يوضح ذلك في المحكمة وطلبه من أمه من خلال  القاضي أن تجهض أمه حملها ( تنزل الولد ) وأن لا تكرر تجربة الولادة.
قصة “زين” والتي تناولتها المخرجة “نادين لبكي” بطريقة الفلاش باك ( الخطف خلفا) لتعيدنا إلى البدايات ونشاهد معها وتيرة تصاعد الأحداث مع بطل فيلمها “زين”، الذي يسكن مع عائلته الكبيرة في منزل صغير متواجد في إحدى العشوائيات السكنية أو المخيمات المزدحمة بالسكان والقصص المؤلمة، وتبدأ قصة “زين” من رغبته في الالتحاق بالمدرسة إلا أنه يعمل في محل أو متجر صغير لمساعدة أهله، وهنا تبدأ المخرجة “نادين لبكي” برسم ملامح شخصيته فهو يرفض الهدايا الرخيصة التي يرسلها ( صاحب المتجر ) الذي يعمل زين عنده إلى أخته القاصر “سحر”  (11 عاما) ويرميها في حاوية القمامة، بينما لا يتوانى هو عن سرقة أكياس الاندومي لها، وتتطور الأحداث وتتصاعد الحبكة الدرامية، وتلتقي الشخوص وتتقاطع محاور الفيلم القصصية برفض “زين” زواج أخته القاصر من معلمه في العمل، فيقرر الهرب من المنزل لوحده بعد فشله في تهريب أخته فيلتقي في مدينة الألعاب براحيل المرأة الأثيوبية التي تربي وتعتني بابنها (يوناس) لوحدها، بعد إنكار الأب للطفل القادم نتيجة علاقة حب وليس زواج شرعي، مما يجعل سيدة المنزل اللبنانية التي تعمل راحيل عندها إلى طردها من العمل، فتلجأ إلى العمل في حمامات مدينة الألعاب  مستخدمة أوراق ثبوتية مزورة فتتفق مع زين على رعاية ابنها أثناء غيابها عن المنزل مقابل توفير الطعام والمأوى له، إلا أنها وأثناء اتصالها من محل انترنيت مع عائلتها يلقى الدرك أو الشرطة اللبنانية القبض عليها كونها لا تملك أوراق إقامة نظامية، وتلقى في سجن رومية ليتكفل “زين” برعاية ابنها الصغير(يوناس)، الذي ما زال يرضع الحليب وفي تطور لاحق يتخلى “زين” مجبراً عن الطفل ويبيعه لتاجر يمارس مع عمله كبائع في أحد المحلات تجارة البشر وتهريبهم إلى أوروبا  عن طريق الهجرة غير الشرعية.
ولعل قصة زين لوحدها أو قصته مع راحيل كانت كافية لبناء فيلم يشد المتلقي على مدار ساعتين من الفيلم، إلا أنها أي المخرجة “نادين لبكي” أقحمت قصص أخرى في الفيلم، وعلى أهمية تلك القصص والقضايا مثل قصة الطفلة السورية “ميسون” التي تنتمي إلى عالم اللاجئين السوريين، والتي اقترحت على “زين” الهجرة إلى السويد بطريقة غير شرعية كما ستفعل هي وعائلتها مما يجعل “زين” يجد في ذلك خلاص له، فيعود على أثر تلك المحادثة للمنزل ليبحث عن أوراق  تثبت وجوده كإنسان له اسم وهوية وعنوان، لكنه يلقى صدمة قاسية بوفاة أخته “سحر” التي ماتت نتيجة نزيف حاد للدم كونها كانت حامل وهي في سن صغيرة، ورفض المشفى استقبالها وتقديم العلاج والرعاية لها؛ لأنها أيضا غير موجودة على أي سجل رسمي مما يشكل صدمة لدى “زين”، الذي يحمل سكينا يطعن بها زوج أخته ويدخل سجن رومية للأحداث، وهناك يقدم شكوى والتي هي تشكل  ثيمة الفيلم الرئيسية ضد أهله.
وعندما يسأله القاضي : هل تعلم لماذا أنت في السجن؟

يقول : نعم لأنني طعنت واحد ابن كلب بالسكين.

ويسأله القاضي: لماذا انت في المحكمة؟

يقول زين: لكي أقدم شكوى ضد أهلي.

فيقول القاضي: لماذا ؟

يرد زين : لأنهم خلفوني …؟!!

وتتزاحم الشخصيات التي أخذت الكثير من مدة الفيلم مثل قصة الشخصيتين (صرصور مان وزوجته) اللتين تعملان في مدينة الألعاب، والتي بكل بساطة يمكن القول أن حذف تلك القصص ما كان سيؤثر على البناء الدرامي للفيلم، وربما كان سيعطي فرصة أكبر لـ” نادين لبكي” لتقديم جوانب سينمائية أكثر إشراقا في حياة زين وأكثر تفاؤلا خصوصاً أنها استطاعت أن تدير الممثلين “زين” و “راحيل” بحرفية عالية، تُذكرنا بالسينما الإيرانية التي تعتمد على أناس عاديين للعب دور البطولة ولا تعتمد على ممثلين محترفين، كما فعلت “نادين لبكي” نفسها في الفيلم، إلا انها اعتمدت في الحوار بين الشخصيات لغة قاسية مليئة بالكلمات النابية المباشرة والشتائم.
والمقاربة الأخرى هي توجيه عدسة كاميرتها السينمائية نحو عوالم المهمشين وتسليط الضوء على أسلوب حياتهم ومعاناتهم وكفاحهم اليومي، في مشهديه سينمائية وإن كانت سوداوية ومعتمة وتراقب كيف يتشيء ( التشيؤ ) الإنسان مثل العامل في مدينة الألعاب والذي يصف نفسه بأنه (صرصور مان)، وهنا هي تقترب تحديداً من سينما “سميرة مخملباف” المخرجة الإيرانية في فيلمها (الحصان ذي الحدوتين)، وأن بفلسفة وأسلوب أبسط كثيراً من مجمل أعمال “سميرة مخملباف” أو والدها “محسن مخملباف”. وتلك  السطحية في التناول ربما عائدة كون البيئة التي جاءت منها “نادين لبكي” أخف وطأة وأقل قساوة من بيئة “سميرة مخملباف”، وثانياً كون “سميرة مخملباف” من وسط سينمائي له باع طويل في تناول القضايا المجتمعية والسياسية بينما يُعد فيلم “كفر ناحوم” التجربة الأولى لنادين لبكي بعد فيلمين تناولت فيهما قضايا أقل تعقيداً، إلا أن “نادين لبكي” في هذا الفيلم فتحت الباب على مصراعيه لتناول القضايا الكبرى وربما في أفلامها القادمة نجد ما يعبر عن ذلك، خصوصا وإنها صرحت في الكثير من لقاءاتها الإعلامية أنها تصبو نحو ثورة هادئة تسعى من خلالها لتغيير الواقع المعتم والبحث عن العدالة الاجتماعية، في تماه كامل مع اطروحات “محسن مخملباف”، وإن كانت من زاوية ومن بقعة جغرافية وبيئية مختلفة وهذا ما لم تنجح به “نادين لبكي” في فيلمها “كفر ناحوم”، إلا أنها فتحت الباب على مصراعيه ودقت جرس الإنذار في تنبيه الحكومات والمنظمات والمؤسسات الأممية لما يجري في قاع المدن والمجتمعات، كما أنها فتحت عوالم سينمائية مدهشة وإن كانت غارقة بالسوداوية لصناع الأفلام العرب وهذا ما يسجل لها بكل تأكيد.

بطاقة الفيلم :

كفرناحوم

اخراج :

  • نادين لبكي

سيناريو :

  • نادين لبكي
  • خالد مزنر
  • جورج خباز
  • ميشيل كسرواني
  • جهاد حجيلي

تصوير :

  • كريستوفر أيون

مونتاج :

  • قسطنتين بوك

انتاج :

  • خالد مزنر
  • ميشيل ميركيت

ديكور :  

  • حسن بيضون

تمثيل :

  • زين الرفاعي في دور زين
  • نادين لبكي في دور المحامية نادين
  • يوردانو شيفيرو  في دور  راحيل
  • فادي يوسف في دور سليم
  • كوثر حداد في دور سعاد
  • بولوو اتيف تريجر  في دور يوناس
  • نور الحسيني في دور الأسد
  • سيدرا عزام في دور سحر

الجوائز :

  • حاز الفيلم على جائزة لجنة التحكيم من مهرجان “كان” عام 2018
  • ثاني فيلم لبناني يصل للترشيحات النهائية لجائزة اﻷوسكار 2019 ﻷفضل فيلم أجنبي للسنة الثانية على التوالي بعد فيلم (القضية رقم 23) اللبناني .
  • حاز على العديد من الجوائز والترشيحات لمهرجانات عالمية.
  • وحقق فيلم كفرناحوم نسبة إقبال عالية على شباك التذاكر وزادت إيراداته في الصين وحدها عن 43 مليون دولار.