الصفحة الرئيسية رأي وتحليل اللاجئون السوريون.. بين مفهوم “حقوق الإنسان” و”الحماية الدولية”

اللاجئون السوريون.. بين مفهوم “حقوق الإنسان” و”الحماية الدولية”

1

 

لقد اكتسب مفهوم (حقوق الإنسان) (Human Rights)، كحق أصيل في الحكم الرشيد، اكتسب قبولًا على المستوى الأكاديمي والمستوى السياسي الدولي على حد سواء، فقد حاولت العديد من الأدبيات العربية إضفاء الصبغة الإسلامية على المفهوم، فبرزت كتابات تتحدث عن “حقوق الإنسان في الإسلام”، بل صدر بالفعل عن أحد المؤتمرات الإسلامية الدولية “بيان عالمي لحقوق الإنسان في الإسلام”، واحتفظ بنفس مفردات الميثاق العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة مع محاولة إثبات عدم تعارضه مع الإسلام بعرض الأدلة الشرعية التي تساند هذه الحقوق، وهو ما يجعل الإطار الغربي للمفهوم في التحليل الأخير هو المرجعية.

هو حَق الحُرية والكَرامة الانسانية، تستلهمُ مِنهُ أُسس التَقدُم في الحَياةِ، وإذَا تَرجمنَا هَذا المبَدَأ العَام إلىّ لُغة العَصر، فيُمكن لَنا أنْ نَقول إنه ردّ الاعتِبار للعقل حتى يسود ويقود الأمة نحو المستقبل، ينبغي أن يكون عملية جماعية، وجهدًا مشتركًا بين جميع مكوّنات الأمة، ومن منطلق الإيمان بأن كرامة الأمة في تقدمها وازدهارها، فهناك شبه إجماع بين مفكري الأمة على أن أبرز السمات الاستراتيجية للعقل المستقبلي هي: التقدم، الإبداع، التجذّر، التمثل، العقلانية، التنظيم والفعالية والاتقان، الحرية والمسؤولية والمشاركة، التكيّف.

بمعايير الحكم الرشيد فإن قضية اللاجئين السوريين اليوم يجب أن تحتل بالغ اهتمام النظام الدولي، لأنهم يعانون من وضعيات قانونية غير واضحة حرمتهم من حقهم الطبيعي في اللجوء، وأنتجت تضاربًا في المواقف مما زاد أوضاعهم الإنسانية والتعليمية والصحية سوءًا، وذلك نموذجًا فاضحًا لضياع الحكم الرشيد بالمعايير الدولية الحديثة.

بعد مرور سنوات من الثورة ما زالت قضية اللاجئين السوريين لا تتلقى الدعم الدولي الكافي، وبعض الدول المضيفة لا تلتزم بالقانون الدولي والقانون الإنساني، وهناك بعض الدول لا تلتزم بالقواعد العرفية الدولية الناظمة لحقوق اللاجئين في العالم (وحتى لو كانت غير منضمة الى اتفاقية الامم المتحدة لعام 1951 الخاصة باللاجئين) ولكن عدم انضمامها لا يعفيها من تجاهل احترام حقوق اللاجئين.

المطلوب هو احترام حقوق اللاجئين السوريين، التي تتلخص في توفير الحماية من الإعادة القسرية إلى سورية حيث سيتعرضون فيه لخطر الاضطهاد أو انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان. وهذا ما يعرف بمبدأ (عدم الإعادة القسرية) الذي يعتبر الأساس الذي بني عليه قانون اللاجئين. كما تتضمن حقوق اللاجئين الحماية من التمييز، والحق في العمل والسكن والتعليم، والحماية من العقوبة على دخول بلد بصورة غير مشروعة، والحق في حرية التنقل، والحق في الحصول على وثائق هوية ووثائق سفر.

اللاجئون ليسوا ملائكة، هم بشر لكن بلا بيت وسقف، وأمان، وشعور بالحماية. هؤلاء اللاجئون يحتاجون إلينا، لا لنقف ونأخذ معهم الصور للذكرى، ولا لنرثي حالهم، ونبكي عليهم، ونتسوّل باسهم الصّدقات، ونزورهم، وكأنّنا في رحلة للتسلية في مخيم صيفي. يريدون منّا المساعدة والدعم والاغاثة، إنهم يعيشون اغترابًا وحرمانًا وترحالًا وتخلخلًا اجتماعيًا في تجربة قاسية شديدة الصعوبة.

هم في الأغلب، مفجوعون هاربون من القتل والاعتقال والإبادة. يحملون صدماتهم ومشاكلهم واحتياجات كثيرة. بدءاً من الطعام والشراب والمأوى والملبس، إلى الأمان والحماية والاستقرار، وانتهاء بالتعليم والثقافة والتربية. والأهم إحساسهم بالخوف والحاجة الى الحماية. أنهم يحتاجون لدعم يومي كبير، خصوصا في وجود الجرحى والمصابين، وفي افتقارهم إلى الظروف السليمة للغذاء والصّحة. يتعرضون الى انتهاكات جسيمة لحقوق الانسان منذ البدء برحلة اللجوء حتى الوصول الى المخيم او المكان الذي يلجؤوا اليه، واهم ما يحتاجون اليه هو (الحماية)، وعندما تسأل بعضهم ماذا تقصدون بالحماية؟ تأتي إجابة صالحة (الحماية من الموت، الحماية من القتل والملاحقة، الحماية من الاعتقال، الحماية من التعذيب، الحماية من البرد والصقيع، الحماية من المرض، الحماية من الاستغلال!!!).

قد لا تكفيهم الصدقات والتبرعات. ولن تلبي مطالبهم زيارات الفرجة والتّعاطف. لابدّ من عمل ميداني مؤسّساتي يسعفهم ويلبي احتياجاتهم الكثيرة. العمل مع اللاجئين ليس ترفًا، بل واجبًا لأجل الوطن، ولأجل سوريا الغد، وهم الذين دفعوا الثمن الفادح في معركة تحرير سوريا، هجروا بيوتهم خوفًا من معركة الإبادة والمجازر وسياسة الأرض المحروقة. وعليه يحتاج اللاجئون الى المساعدات الانسانية والاغاثة ولكن، انهم يطالبون بحل دائم لقضيتهم وليس مجرد مساعدات واغاثة، ومن بين الحلول الدائمة تعتبر العودة إلى بلادهم وحدها حقًا للاجئ. وبموجب قانون مسؤولية الدول، فان جميع الأشخاص المهجرين نتيجة لانتهاكات جسيمة لقانون حقوق الإنسان أو جراء جرائم الحرب؛ يتمتعون بالحق في الإنصاف ونيل التعويض العادل.

عليه يجب مطالبة الدول والمنظمات الدولية بالقيام بالدور الفعال الذي يتناسب مع حجم مشكلة اللاجئين وتفاقمها والازدياد المطرد في عدد اللاجئين حول العالم، واتخاذ التدابير اللازمة سواء على المستوى الدولي أو على المستوى الداخلي للدول، للحد من الأسباب المؤدية إلى اللجوء، كمحاربة ومنع الاضطهاد والعنف الخوف وغيرها من الأسباب المؤدية للجوء. مع زيادة الوعي بمشكلة اللاجئين، لدى كافة شرائح المجتمع الدولي والإقليمي سواء منظمات أو دول، عن طريق عقد المؤتمرات وإبرام الاتفاقيات التي تعزز حقوق اللاجئين، وإبراز أهمية تكاتف أعضاء المجتمع الدولي من اجل حل هذه المشكلة والتيسير على اللاجئين وتمتعهم بحقوقهم التي كفلها لهم القانون الدولي والقانون الإنساني.

يجب النص على جزاءات صارمة يتم توقيعها على الدول التي تمتنع عن منح اللجوء للأشخاص الذين يتوفر في حقهم شروط منح اللجوء وفق قواعد القانون الدولي والتي تضمنتها التعريفات المختلفة للاجئ والتي وردت باتفاقيات مختلفة، كتعريف اللاجئ الوارد في اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1951 بشان اللاجئين وتعريف اللاجئ الوارد باتفاقية منظمة الوحدة الأفريقية لعام 1967 بشأن اللاجئين. مع المطالبة بتمتع طالب اللجوء بالمركز القانوني الذي يتمع به اللاجئ لحين البت في طلب لجوءه من قبل الدولة المقدم إليها طلب اللجوء وذلك حتى لا نزيد من معاناة طالب اللجوء أو تعرضه للخطر والإضطهاد إذا ثبت توافر شروط منح اللجوء في حقه.

مع استمرار الحرب في سورية، يتعيّن على الجهات الفاعلة التي تستجيب لأزمة اللاجئين السوريين، على أن تغيّر استجاباتها على مستوى السياسات، من كونها استجابات طارئة إلى نهج مستدام على المدى الطويل. هذا الواقع يحمل انعكاسات مهمّة على سياسات المجتمع الدولي والدول المانحة.. وبناء على كل ما تقدم نوصي بضرورة بلورة رؤية مشتركة من مختلف أنحاء العالم نحو تطبيق لبعض مفهوم “حقوق الانسان” و”الحماية الدولية”.

guest
1 تعليق
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
trackback

[…] مقاعد الدراسة, هذا ما قاله أطفال إدلب لشعوب العالم في اليوم الدولي للتعليم, حيث اشتكى بعضهم من تدمير مدرسته وحرمان بعضهم من […]