أدوات منزلية ذات قيمة كبيرة وأثاث بيوتٍ مركون على أرصفة دكاكين ومحلات بيع القطع المستعملة. لم تعد تلك الأدوات ذات قيمة كبيرة خاصة في المناطق الخاضعة لسيطرة “الجيش السوري الحر”، بل بات الحصول عليها شيئا من الرفاهية أو الحاجة وأصبحت أسعارها متدنية لدرجة النصف أو أكثر، مقابل شرائها من قبل المارة الذين يكتفون بالنظر إليها في معظم الأوقات.

ألعاب أطفال وأباريق شاي وأوانٍ معدنية وأخرى زجاج، إضافة لبرادات أو حتى غسالات حديثة استغنى أصحابها عنها نتيجة النزوح وحاجتهم لتأمين الطعام وأساسيات الحياة، إضافة إلى أن انقطاع التيار الكهربائي كان له دور كبير في انتشارها، فكافة القطع التي تحتاج إلى مصروف كهربائي كبير تم طرحها في الأسواق لبيعها، نتيجة لعدم قدرة الفرد على إعادة تشغيلها من جديد على كهرباء “الأمبير” ومولدات الطاقة، ما انعكس سلباً على الحالة المعيشية للأهالي.

 أمام المحلات وأرصفة الشوارع

أدت هجرة مئات آلاف السكان والأهالي من بيوتهم ومناطقهم، إلى بيع أغلى ما يملكون من أثاث منازلهم وبأقل الأسعار أحيانا، كل ذلك بهدف تأمين لقمة العيش في مكان النزوح الذي فرضته عليهم ظروف الحرب، عوضاً عن تنامي حالة الفقر لدى أغلب النازحين. وانطلاقاً من مقولة “مصائب قوم عند قوم فوائد”، فقد أدت عمليات البيع تلك إلى انتشار محلات مخصصة لبيعها وشراء القطع المستعملة من وإلى الأهالي.

الشيخ أحمد أحد المختصين ببيع الأدوات المستعملة لأكثر من 9 سنوات، يروي لـ”بوابة سوريا” عن تلك المهنة ومدى انتشارها فيقول: “كانت هذه المهنة يطلق عليها قديماً اسم “قصب البيع”، كما كان يكثر بيع القطع المستعملة في الأحياء الغنية من مدينة حلب كـالسليمانية والعزيزية والجديدة، حيث كان الأغنياء يستبدلون أثاث منزلهم القديم بجديد، ليتم طرح القديم في سوق الخميس المتواجد في حي باب جنين وسوق الجمعة في المدينة، المعروفين والمخصصين لبيع الأدوات المستعملة في مدينة حلب وريفها بالكامل، فكانا المصدر الرئيسي لبيع الأدوات والقطع المستعملة، بدورهم كان أصحاب الطبقة الوسطى من أهالي الريف يقصدون سوقي الخميس والجمعة لشراء ما يحتاجون وبأسعار منخفضة”.

وأضاف: “مع بدء الأحداث وكثرة عمليات التهجير والنزوح في مختلف مناطق سوريا، زاد تداول وبيع القطع المستعملة نتيجة لتلك الظروف، فبدأت محلات بيعها تنتشر في المناطق المحررة بكثرة خاصة المدن، لدرجة وجود أكثر من ثلاثة محلات بيع وشراء لها في المنطقة الواحدة، كما أصبح شراؤها حكراً على الطبقة تحت المتوسطة والضعيفة، فمن يبيع أثاث منزله يفعل ذلك نتيجة القهر والفقر الذي حل بمعظم العائلات، كما يوجد بين بعض أصحاب المحلات من يأخذ القطع بسعر بخس جداً”.

ولفت الشيخ أحمد إلى أن بعض الأهالي عمدوا إلى شحن أثاث بيوتهم إلى مناطق سيطرة النظام السوري، بهدف بيعها بأسعار أعلى كونها متداولة بشكل أكبر في تلك المناطق وربما فاقت الضعف والضعفين.

“باب معيشة ورزق فيه كد وتعب، كما أن دخله ليس بالكبير أبداً ولا يحسد العامل بتلك المهنة على شيء، فربحه قليل، وقد تبقى أي قطعة عنده لمدة زمنية طويلة ولا أحد يقصدها للشراء، هذا بالنسبة لأصحاب المحال المتواضعة، أما التجار الكبار فربحهم أكيد وبمبالغ كبيرة، كما يعد الوقت الأفضل لتداولها في فصل الصيف لكثرة بيع وشراء البرادات وقطع التكييف المختلفة. أيضاً ينشط العمل في بداية فصل الشتاء وبيع السجاد والمدافئ المستعملة، وفي بعض الأوقات تمر أسابيع ولا يتم بيع أي قطعة، فهي بالنهاية عمل من لا عمل له وباب من أبواب التجارة الصغيرة ذات الربح الضئيل” بحسب الشيخ.

تيسير حال الناس ومعاملتهم

“اختلفت نظرة الناس لهذه المهنة بين الماضي والحاضر، فسابقاً كانت نظرتهم إليها ولأسواقها باحتقار لاعتقاد البعض أنه لا يوجد فيها إلا السيء وغير معروف المصدر، أما اليوم فقد تغيرت تلك النظرة لتكون إيجابية وموفرة لمبالغ مالية كبيرة مقارنة بشراء القطع الجديدة، حيث يُعتبر انخفاض أسعار القطع المستعملة سبباً رئيسيا لإقبال الناس على شرائها، فقد وصل سعر الغسالة الجديدة من النوع والماركة الممتازة إلى 300 دولار، بينما لا يتجاوز سعرها مستعملة من نفس الماركة والشركة المصنعة 100 دولار أمريكي” بحسب كلام فاطمة “أم محمد”، التي أقدمت على شراء كامل أثاث منزلها من القطع المستعملة بعد أن دمرت طائرات النظام بيتها في أحياء مدينة حلب الشرقية.

وتشير “أم محمد” إلى أن ما دفعها لشراء أثاث بيتها المستعمل، رخص ثمن القطع المتداولة والمنتشرة على أرصفة الطرقات وأمام المحال، فهي غير قادرة على شراء الجديد، كما تعتبر هذا الحل الأمثل لغيرها من العائلات النازحة في تجنب مصاريف شراء القطع الجديدة، حيث بات الكثيرون عاجزين عن شراء الأدوات والقطع الجديدة.

“مهنة يصعب فيها التعامل مع الناس لدرجة كبيرة جدا وفيها تعب من المناقشة وكسر الأسعار، حيث يأتي أحد الأشخاص ليناقش أكثر من نصف ساعة على ثمن قطعة بغية تخفيض ثمنها بنسبة أكبر، كما تعد النساء الأكثر مجادلة، ربما ذلك ناتج عن القلة والفقر الذي أصاب الناس وربما هو طبع سيء بالشخص” بحسب فاضل أبو علي، وهو صاحب محل متواضع لبيع القطع المستعملة.

هنا يندب المواطن السوري حظه إلى ما آل إليه وضعه، فبين شراء الترفيه وشراء الحاجة مضت ثمان سنوات من الحرب كان فيها الشخص يشتري القطعة المستعملة لتكون كمالية في بيته ونسبة استفادته منها لا تفوق 20%، أما الآن فقد تكون من صلب حياته اليومية ولسد الحاجة الماسة إلى أي قطعة مستعملة فتكون نسبة الاستفادة منها أكثر من 80%، كما أن كثرة العرض وقلة الطلب أدت لبيع تلك القطع بأبخس الأثمان، لا سيما وأن أسعارها الحقيقية تكون أضعافاً مضاعفة، لكن ظروف الحرب أجبرت الكثير لبيع ما أفنى عمره لتأمينه بشق الأنفس.