أثارت الإجراءات الإدارية التركية إزاء اللاجئين السوريين في تركيا، ممن لا يملكون بطاقات حماية مؤقتة، والتي تضمنت بعض الممارسات التعسّفية بحقهم، عديد من الأسئلة بخصوص المداخلات التركية في المسألة السورية، في مختلف وجوهها وتحولاتها السياسية والعسكرية والإنسانية.

فمنذ اندلاع الثورة السورية (مارس 2011) اضطلعت تركيا بدور محوري في الصراع السوري، سيما بعد أن أضحت المداخلات الخارجية (العربية والإقليمية والدولية) الأكثر تأثيرا في مجريات ذلك الصراع، على حساب البعد الداخلي، أي التصارع بين النظام والشعب أو أغلبية الشعب، وهو ما حدث كتحصيل حاصل لحصر ذلك الصراع بالمواجهات المسلحة، إن بسبب انتهاج النظام الحل الأمني، وإقحامه الجيش والقوى الأمنية في محاولته وأد الثورة، أو كنتيجة للتشجيعات الخارجية، التي هدفت إلى التحكم بتلك الثورة، أي بمساراتها ومآلاتها، كما بخطاباتها وكياناتها.

على ذلك يمكننا وفي علاقة تركيا مع الثورة أو المعارضة السورية، وقضية السوريين يمكن طرح عدة ملاحظات، أولاها، أن دخول تركيا على خط الصراع، إلى جانب المعارضة، لم يرق إلى الدرجة التي وقفت فيها إيران مع النظام (إذا جاز لنا المقارنة)، إذ أن الثانية كانت بمثابة شريك للنظام بكل شيء، وتصرفت باعتبار أن الثورة تشكيل تهديدا لمكانتها ولنفوذها الإقليمي، فدعمته بالرجال والسلاح والمال وبالتغطية السياسية، في حين أن الدعم التركي، حتى العسكري، ظل محدودا ومحسوبا، ويقتصر على مناطق جغرافية دون غيرها. وثانيتها، أن الدعم التركي للمعارضة اتخذ وجهة معينة، مفادها دعم كيانات سياسية وعسكرية ذات خلفية أيدلوجية محددة، على حساب المقاصد الوطنية الديمقراطية للثورة، وهو ما أضر بصدقية ثورة السوريين، وبطابعها الديمقراطي المفترض، كما أضر بصورة تركيا. وثالثتها، أن تركيا، ومنذ الدخول الروسي على خط الصراع العسكري المباشر في سوريا (سبتمبر 2015)، باتت تحسب خطواتها على إيقاع علاقاتها التحالفية مع كل من روسيا وإيران، أي مع شريكي النظام، الأمر الذي تمثل بقيام التحالف الثلاثي (روسيا، إيران، تركيا)، وابتداع مفاوضات استانة ومؤتمر سوتشي (الأعوام 2017 ـ 2019)، وإلى التوافق على مناطق منخفضة التصعيد، وهي تطورات أدت إلى انحسار نفوذ المعارضة المسلحة، ومعاودة النظام سيطرته على معظم الأراضي السورية، وتراجع زخم مفاوضات جنيف. ورابعتها، أن تركيا تعاطت مع الملف الكردي السوري كأنه بمثابة امتداد للملف الكردي في تركيا، الأمر الذي كان يمكن تلافيه، بما يخدم مصالح الثورة السورية، ووحدة الشعب السوري. وخامستها، أن التعامل الرسمي التركي مع قضية اللاجئين السوريين كان يتّسم بعديد من المشكلات، رغم التقدير لاستضافة تركيا لحوالي أربعة ملايين لاجئ، الأمر الذي تمخض مؤخرا عن إجراءات إدارية، اتسمت بالتعسف، بالتعامل مع اللاجئين السوريين ممن لم يتمكنوا بعد من تنظيم قيودهم في دوائر الدولة المعنية، كما سبق أن ذكرنا.

على أية حال، وباعتبار أن مشكلة اللاجئين السوريين هي المشكلة الماثلة الآن، سواء بالنسبة لتركيا، أو بالنسبة للسوريين، فيمكن لنا هنا ملاحظة أن تركيا اشتغلت في هذا الملف على عدة مستويات، ضمنها المستوى الذي تعامل مع قضية اللاجئين كمشكلة إنسانية. والمستوى الذي تعاطى معها كوسيلة ضغط دولية، سيما على الدول الأوروبية لفرض مطالب معينة، مقابل الحد من هجرة اللاجئين اليها. كما على المستوى الأمني والإقليمي المتعلق بالحث على إيجاد منطقة أمنة في الشمال السوري، يمكن أن تستوعب إعادة مليون أو مليوني لاجئ إليها، والغرض هو إزاحة قوات “قسد”، التي تعتبرها امتدادا لحزب بي ك ك (الكردي التركي)، والذي تعتبره منظمة إرهابية، وتهدد امنها القومي. أما المستوى الاقتصادي فعلى الأرجح هو الملف الأقل إشكالية باعتبار أن السوريين يتدبرون أنفسهم عبر العمل، وكمساهمين في الدورة الاقتصادية في تركيا، عبر استئجار البيوت وعبر العمل في قطاعات الاقتصاد المختلفة، كما عبر إنشاء مشاريع خاصة لهم.

بيد أن كل ذلك يفيد بأن قضية اللاجئين السوريين في تركيا لا تثقل لا على الشعب التركي ولا على الحكومة التركية، ولا على الاتجاهات السياسية فيها، بغض النظر عن الخلافات الداخلية بين الأحزاب السياسية. فعند ياسين اقطاي، وهو من قياديي الحزب الحاكم، ومستشار لرئيس الحزب، فإن القوة التصويتية للعدالة التنمية لم تتأثر بسياسته إزاء السوريين، رغم محاولة البعض في المعارضة اللعب على هذه السياسة، ورغم خسارة بلدية إسطنبول لصالح مرشح معارض. وبحسب الإحصائيات، مثلا، فإن عدد اللاجئين السوريين في تركيا يتراوح بين 3 ـ 4 ملايين، لكن تركيا يدخلها حوالي 43 مليون سائح سنويا، ضمنهم 12 مليون سائح سنويا في إسطنبول لوحدها، أي ثمة أربعة ملايين سائح في تركيا شهريا، وثمة خمسة ملايين أجنبي يحملون بطاقات إقامة، في بلد يعد سكانه أزيد من 80 مليون نسمة، أي أن نسبة السوريين لا تتعدى 5 بالمئة من السكان وهو عدد مقبول. أيضا بحسب الإحصائيات الرسمية في تركيا، ثمة مليون أجنبي في إسطنبول نصفهم من السوريين، علما أن تلك المدينة يعيش فيها حوالي 18 مليون نسمة، والمشكلة تتعلق فقط بالسوريين الذين سجلوا في مدن أخرى لكنهم انتقلوا للعيش في إسطنبول، ببطاقات حماية أو من دون أية بطاقة منظمة.

الفكرة هنا أن الخلافات التركية الداخلية، وسياسة الحزب الحاكم، هي التي تنعكس سلبا على وضع اللاجئين السوريين، الذين يحاول كل طرف توظيفهم، لذا فإن الحل يكمن في نبد الإجراءات والقوانين التعسفية، وذلك عبر تنظيم الوجود السوري، وفي النأي به عن أية توظيفات سياسية داخلية، واعتماد المعايير الإنسانية والدولية في التعامل معهم كلاجئين أتوا في ظروف إنسانية قاهرة، ويعيشون ظروف مأساوية صعبة.