تندرج التهديدات التركية الأخيرة بعملية عسكرية في شرق الفرات ضمن سلسلة التهديدات الممتدة منذ أكثر من عام ضد القوات الكردية التي تصنفها تركيا بالإرهابية، والتي أعقبت اطمئنانه لتحالفاته مع المحور الروسي- الإيراني في سوتشي حول إدلب، 2018، ولعل ما يلفت الانتباه هو تزامن التهديد بعملية عسكرية ضد القوات الحليفة للولايات المتحدة الأميركية مع اشتداد القصف الروسي على إدلب، سواء في توقيته الحالي، أو في العودة إلى ذات التهديد في أكتوبر من العام الماضي، والذي أعقب اللقاء الثنائي الروسي التركي الذي ترجم بما يسمى اتفاق إدلب لوقف القصف الهمجي على مناطق ادعت روسيا أن جبهة النصرة الإرهابية تفرض كامل سيطرتها عليها، ما استدعى اتفاق 17/9/2018، وأسهمت تغريدات الرئيس الأميركي حول ضرورة وقف الهجوم الروسي آنذاك إلى تعزيز الموقف التركي، واستعادة الرئيس رجب طيب أردوغان مكانته التفاوضية الندية مع الرئيس فلاديمير بوتن.
وعليه فإن العودة اليوم إلى ذات الحديث عن عملية عسكرية ضد الأكراد بعد تفاوت في لهجة التصريحات حول نتائج التفاوض الأميركي- التركي حول المنطقة الآمنة على الحدود السورية التركية بما يتعلق بثلاث نقاط رئيسة هي: عمق المنطقة، وتبعيتها، وإخراج وحدات حماية الشعب الكردية منها، حيث تقر تركيا بعدم التوصل إلى أي جديد فيها، بينما تأتي التصريحات الأميركية أكثر مرونة بقولها أن المفاوضات مستمرة، وأن واشنطن تراعي المخاوف المشروعة لتركيا، أي أنه لايزال الموقف الأميركي غائما تجاه حلفائهم الكرد، وهو في ذات الوقت يمنح تركيا فسحة زمنية لتعيد ترتيب أولوياتها بين المساندة الأميركية لها في معركة التفاوض مع روسيا على ادلب، أو الدخول في معركة انشاء المنطقة الآمنة من طرف واحد، كما توحي التهديدات التركية التي تعود إلى أعوام سابقة، وهو ما يؤكد أن الإدارة الأميركية مستمرة في دفع مزيد من القوى للتورط أكثر داخل الأرض السورية وعليها.
ومن جهتها تركيا فإنها تراهن على ما يمكن أن تنتجه تهديداتها بحرب قادمة “سحق الإرهابيين شرق الفرات” حسب تصريح “أردوغان”، فهل تنتج هذه التصريحات تغييراً جديداً في الدور التركي وحجمه في الملف السوري، أم أنها تضع النقاط على الحروف فتظهر حقيقة التفاهمات الدولية الروسية – الأميركية التي تتحكم بانزياحات الأدوار الإقليمية سواء لتركيا أم لإيران، ومن هنا لابد من العودة إلى تطور الدور التركي منذ انطلاقة الاحتجاجات في سوريا حيث لعبت تركيا دوراً محورياً وأساسياً، سواء على الصعيد الإعلامي التعبوي في مناصرة المتظاهرين ضد نظام الأسد، أو السياسي الدولي أو حتى تشكيل كيانات المعارضة بشقيها السياسي والفصائلي العسكري، وأيضاً في مجال العمل المدني والخدمي، إضافة إلى فتح حدودها أمام موجات اللاجئين السوريين بقصد الاستقرار فيها أو العبور منها إلى أوروبا والعالم، إلا أن هذا الدور ازداد فاعلية وتأثيراً مباشراً من خلال دخولها الحرب السورية بشكل علني ومباشر وتواجد لقواتها العسكرية تحت علمها وقيادتها عبر:
أولاً،  عملية “درع الفرات” التي بدأتها أواخر العام (2016)، ما سهل على النظام وحلفائه الاستفراد بمواقع المعارضة في حلب واسقاطها، ثم بشنها عملية “غصن الزيتون” (مارس 2018) للتخلص من قوات البي يي دي في المنطقة، وأخيرا بدخولها ادلب وريفها (اكتوبر 2018) لترسيخ منطقة خفض التصعيد، ولتأكيد نفوذها في الشمال السوري، وهي تسعى من خلال “معركتها المفترضة” إلى أن يمتد  إلى شرقي الفرات، بحيث تصبح المناطق السورية المحاذية لحدودها، في الشمال السوري، تحت سيطرتها المباشرة تماما.
ثانياً، تبيّن أن الهدف الأساسي لتركيا هو تعزيز نفوذها الإقليمي والمشاركة بتقرير شكل سوريا المستقبل المحاذية لحدودها، إضافة إلى ما يمكن اعتباره هدفاً استراتيجياً وأمنيا لها وهو الحؤول دون قيام منطقة حكم ذاتي كردية غرب الفرات، وهو الهدف المعلن رسمياً من العملية المذكورة، وتالياً منع التواصل بين المناطق الكردية في شرق الفرات ومنطقة عفرين في الشمال الغربي لسوريا. أي تنفيذ تهديدها بهدم الممر الواصل بين غرب الفرات وشرقه.
ثالثاً، تجلّى كل ذلك في انخراط تركيا في توافقات سياسية مع كل من روسيا وإيران، وهو ما تمثل في مسار استانة التفاوضي (الذي انتهجته عام 2017)، ومن ثم في مؤتمر سوتشي (أوائل 2018)، الأمر الذي خصص له اجتماع قمة في هذه المدينة بالذات لرؤساء الدول الثلاث، بوتين وأردوغان وروحاني، ثم اجتماع قمة أخر في تركيا، وبعده اجتماعا ثالثاً في طهران ( سبتمبر 2018)، وبعد ذلك اتفاق إدلب بين الرئيسين الروسي والتركي في سوتشي في ذات الشهر (17 سبتمبر 2018) ومن ثم اجتماع ثلاثي آستانة في سوتشي (فبراير 2019) . وفي كل هذه التطورات باتت تركيا طرفا فاعلا ومقبولاً دولياً في الصراع السوري، بيد أن محاربة قوات البي واي دي على امتداد حدودها الجنوبية بات هدفاً أساسياً للقوات التركية ومن تدعمهم من الفصائل المسلحة السورية المعارضة، وبدت في ذلك كأنها أكثر تساوقا مع السياسة الروسية منها مع السياسة الأمريكية، بحكم دعم الولايات المتحدة للقوات الكردية التي تريد تركيا اليوم توجيه الأنظار إلى معركتها معها، في وقت تتزايد فيه إجراءاتها التعسفية ضد اللاجئين السوريين في استنبول، والتي تتساوق مع الرغبة الروسية في التضييق على السوريين وخاصة من فئة “الشباب” في بلاد اللجوء للإسهام في إعادتهم إلى سوريا، ما يجعل من ترحيلهم إلى إدلب في وقت تنهمر فيه براميل الموت فوق رؤوس سكان إدلب من حليفها الروسي، يثير التساؤلات التي تصر المعارضة المحسوبة على تركيا في “اخراسها” وليس اسكاتها فقط.

*كاتبة سورية