يقترب موعد حلول الذكرى الثالثة لتهجير النظام السوري لأهالي مدينة داريا بريف دمشق، والذي يتزامن مع استمرار النظام بإغلاق أبواب المدينة في وجه أهلها باستثناء أولئك الذين يحملون بطاقات “أمنية” استخرجوها لهذا الغرض..
الدخول بموافقة أمنية.. والمدينة فتحت أبوابها أمام الجميع لمرتين فقط
منذ تهجير سكان داريا في آب / أغسطس العام 2016، لم يفتح النظام أبواب المدينة أمام الجميع إلا في مناسبتين، أولهما في شهر آب من العام 2018، حيث كان الدخول وسط رفع علم النظام، وهتافات مؤيده له وبث أغاني تمجد قواته ورئيسه، بعد دعوى من “بلدية” المدينة التابعة للنظام التي نظمت احتفالا لم يعرف سببه حينها ، والثانية في آذار الفائت، لحضور احتفالية نظمتها أيضا البلدية ولكن هذه المرة للأطفال بعد انتهاء العام الدراسي.
ومنذ التهجير، كان “المكتب التنفيذي لبلدية داريا” يقول عبر صفحته في موقع “فيسبوك”، إن العمل لإزالة الأنقاض من المدينة وإعادة تأهيلها جاري على “قدم وساق”، وفي كل مرة يعد الأهالي باقتراب العودة إليها، ولكن دون حدوث ذلك.
وفي الأشهر الأخيرة من العام الماضي بدأ المكتب الحديث عن سياسة جديدة لدخول الأهالي، دعيا لمن يرغب بالدخول إلى منزله وتفقده بشكل دوري أو البدء بإعادة تأهيله تسجيل اسم العائلة لديه، للحصول على موافقة أمنية تخوله بالأمر، وفي أواخر الشهر الفائت (حزيران) أصدر إحصائية تقول إن عدد العائلات التي حصلت على موافقات أمنية وصل إلى 7000، ولكن الذين دخلوا المدينة ويعملون على ترميم منازلهم فقط .

200 عائلة.
وتقول “أم سامي” التي حصل زوجها على موافقة أمنية، إنهم استخرجوا الموافقة ولكن زوجها لا يرغب بدخول المدينة أو البدء بالعمل على ترميم منزله، فهو ينتظر إلى حين السماح للجميع بدخول المدينة وفتح أبوابها بشكل دائم.
أما “أم وائل” فزوجها يدخل بين الحين والآخر للمدينة ويتفقد منزله، الذي سرق النظام كل محتوياته، سواء من مواد الإكساء أو المفروشات التي كانت به، وصولا إلى التمديدات الكهربائية وغيرها التي كانت في الجدران.
وتضيف: “صحيح أن أقربائي استخرجوا بطاقات، ولكن لا يدخلون إلى المدينة باستمرار، دخلوا مرتين أو ثلاثة لتفقد منازلهم، إلى أين سيدخلون؟ إلى منازل مدمرة ومدينة خاوية على عروشها تفتقر لأدنى مقومات الحياة؟”.
وتتابع: “البعض فعلا بدأوا بترميم منازلهم ولكن بشكل بطيء جدا، وليس الجميع قادرون على ذلك فالأمر يحتاج لأموال كثيرة والوضع الاقتصادي لأغلب العائلات سيئة”، وتابعت متسائلة “لماذا لم يرمم النظام المنازل؟ لماذا لم يخصص مساعدات لهذا الأمر، أين روسيا التي رعت عمليات التهجير، وتقول إنها ستعيد إعمار سوريا؟، لتتفضل إذا”.
من جانبه قال مسؤول محلي سابق بالمدينة فضل عدم كشف اسمه ( لأسباب شخصية)، إن النظام لم يفتح باب الدخول إلى المدينة لعدة أسباب، أولها أنها بحاجة بنية تحتية كبيرة لتصبح صالحة للسكن، وثانيا أنه في حال سمح بعودة الأهالي لن يكون قادر على ضبط الأمن داخلها، وتأمين مطار المزة العسكري الملاصق لها والقطع العسكرية المحيطة بها، وثالثا لوجود مشروع تغير سكاني عند النظام، وبالتالي لا يرغب بعودة الجميع، يريد عودة نسبة معينة وجلب ناس من مناطق أخرى لضمان بأن الحزام المحيط بدمشق أصبح أمنا.
دمار هائل.. والنظام يماطل في تأهيل المدينة
تفاجأ الأهالي الذين دخلوا لمدينة داريا من حجم الدمار الهائل الذي خلفه قصف النظام المكثف خلال سيطرة الجيش السوري الحر عليها، فيما رأي مسؤول محلي سابق في المدينة، أن النظام يماطل في تأهيلها ولا رغبة لديه في تسريع الأمر.
لم تستطع “أم سامي”، وصف مشهد الدمار الذي رأته عند دخولها للمرة الأولى إلى داريا، فقد دخلت في حالة صدمة ودهشة، كما حدثتنا.
وتابعت: “أنا لم أر مدينتي التي ترعرعت فيها، لم أتعرف على هويتها، غابت ملامح أحياء بالكامل، وبت أسأل من كان برفقتي، منزل من كان هنا؟ (..) وعندما دخلت إلى منزلي زادت دهشتي نصفه مدمر والنصف الأخر لا يوجد فيه شيء، سرق كل شيء كان بداخله حتى بلاط الأرضيات تم اقتلاعه”.
من جانبه قدّر المسؤول المحلي، نسبة الدمار في المناطق التي كانت تحت سيطرة الجيش السوري الحر بـ 80 بالمئة نتيجة القصف المكثف لقوات النظام السوري بشتى أنواع الأسلحة، ففي بعض الأيام كان النظام يلقي أكثر من 80 برميلاً على المدينة خلال اليوم الواحد، مضيفا أن نسبة الدمار في المناطق التي كانت تحت سيطرة النظام كانت بين 30 و40 بالمئة.
ورأى المسؤول أن السنوات الثلاثة الماضية “كانت كافية لإعادة تأهيل المدينة على الأقل فيما لو كان النظام لديه الإرادة لذلك، والإمكانيات المادية، ولكن الأمرين غير متوفرين حاليا”.
ورغم نسبة الدمار الهائلة تلك، وبعد مرور أكثر من  سنتين ونصف، تفاجأ الأهالي في منتصف الشهر الجاري بإطلاق “المكتب التنفيذي لبلدية درايا” حملة تطوعية دعا فيها الأهالي من أجل المساهمة في إعادة تأهيل المدينة، لتسريع العودة إليها، ولاقى الأمر استهجان من كثيرين، وعلق البعض قائلاً: ” إلى هذه الدرجة وصل الإفلاس؟ بعد تلك السنوات تلجؤون للمدنيين لتنظيف المدينة وترحيل الأنقاض، أين النظام من الأمر؟ “.
النظام يتحدث عن فتح المدينة قريبا.. والموعد مجهول
قال “المكتب التنفيذي” في أواخر شهر أيار أن العمل مستمر لفتح أبواب المدينة، وقدم آلية للجهات المعنية في النظام لفتح مداخلها من منطقة الفصول الأربعة وشارع صحنايا – داريا، وطريق الدحاديل وطريق المعضمية، ولكن الموافقة على الأمر سيكون بحسب رؤية وتقديرات الجهات الأمنية.
وتحدث أيضا عن نقل مقر “البلدية” إلى داخلها، والعمل على مشاريع تمديد الكهرباء والماء، وتسوير المقابر وتأهيلها، والسعي لإلغاء العمل بالبطاقة الأمنية.
وبعد فترة من الزمن، أعلن عن البدء بتجهيز مقر البلدية فعلا، وافتتاح مسجد “الحسن والحسين” على أطرافها، الأمر الذي لم يلاقي استحسان عن عدد كبير من أهالي داريا، والذين طالبوا المجلس بالعمل على فتح الطرقات وتأهيل المنازل، وكتب أحدهم” قبل تأهيل المسجد، افتحوا أبواب المدينة وساعدوا في ترميم المنازل، ليعود أهلها ويصلون فيها”.
وفي الثاني والعشرين من الشهر الفائت، أصدر تعميم قال فيه “على جميع سائقي الميكرو باصات المسجلين في خط ميكرو داريا مراجعة البلدية اعتبارا من الغد ولغاية نهاية الأسبوع لتفعيل خط السرفيس لتخديم أهالينا الكرام”، وبعدها بأيام توجه للأهالي قائلا ” يمكن لأهالينا الكرام تسجيل أبناءهم في مدارس داريا المؤهلة الحكمة والمحدثة والتاسعة والعاشرة”.
والجدير بالذكر أن هذه المدارس تقع في القسم الذي كان يسيطر عليه النظام ولم تتعرض للقصف والدمار مثل بقية المناطق التي كانت تحت سيطرة الجيش السوري الحر.
ورغم إعلانات المكتب التنفيذي التي توحي بالعمل، إلا أن الأهالي الذين التقينا معهم لم يبدوا أي تفاؤل بالعودة القريبة للمدينة، وبعضهم قال “تعودنا على الأمر وربما فتح المدارس سيكون فقط أمام الطلاب والوصول لها عبر باصات خاصة”.
ويقطن الآلاف من أهالي داريا في البساتين المحيطة التي تعرف بمنطقة “شواقة”، وآخرون في المدن والبلدات المجاورة لها، ويعيشون أوضاع إنسانية صعبة، في ظل انقطاع متكرر للتيار الكهربائي وعدم توفر جميع الخدمات وتردي الأوضاع الاقتصادية.

guest
2 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
trackback

[…] قوات النظام السوري أهالي مدينة داريا غرب العاصمة السورية دمشق، من إعادة ترميم منازلهم […]

trackback

[…] شمالي إدلب، ويبلغ من العمر ٩ سنوات، حيث أجبر على التهجير من منزله بعدما شنت قوات النظام مدعومة بالطائرات […]