على مدى عشرات السنوات الماضية، كانت زراعة القمح المحور الرئيسي لاهتمام فلاحي محافظة حماة بمختلف أنحائها وخصوصاً سهل الغاب، الخزان الأكبر للقمح والسلة الغذائية الواسعة للمنطقة، بالإضافة لزراعة القمح في منطقة حوض العاصي (محيط مدينة حماة وجنوبها)، وكذلك في ريف سلمية الغربي (منطقة السطحيات وقرى خط العاصي) وغيرها. وتزيد مساحة الأراضي السهلية الخصبة في سهل الغاب عن 100 ألف هكتار، تتوزع بين ناحية قلعة المضيق التي تمثل مدخل سهل الغاب الجنوبي، وناحية الزيارة التي تمثل مخرج نهر العاصي ونهاية سهل الغاب شمالاً، وكلها أراضٍ سهلية شديدة الخصوبة تتخللها سواقي الري الطولية (شقة الألمان وشقة الطليان) الممتدة من الجنوب للشمال، بالإضافة لعدة سواقٍ عرضية أخرى تمتد بين الشرق والغرب.

“وتقدر مساحة الأراضي المزروعة بالقمح فيها بقرابة 90 ألف هكتار وهي تنتج عادةً ما يزيد عن 300 ألف طن من القمح فائق الجودة، بينما تغيب الإحصاءات الدقيقة لمساحة الأراضي المزروعة بالقمح في المناطق الأخرى وإن كانت تقدر أيضاً بآلاف الهكتارات” بحسب المهندس أنس أبو طربوش (من أبناء سهل الغاب).

مشاكل واجهت المزارعين 

بدأ العام الزراعي هذه السنة بأمانٍ وتطلعات إيجابية من المزارعين، لا سيما مع موسم هطول مطري بدأ مبكراً وبكميات مبشرة.

يقول المزارع محمد مازن وهو من أبناء ريف حماة: “تفاءلنا خيراً مع بداية العام الزراعي مع غزارة الأمطار التي هطلت، والتي بدأت مبكراً واستمرت حتى وقت متأخر من العام، ولذلك سارع الجميع إلى زراعة القمح طمعاً بموسم ناجح يعوض خيبات الموسم السابق”.

ويرى غازي الحمصي أن “الأمطار التي هطلت، وخصوصاً في شهر 12 من العام 2018 وفي الشهر الأول  من العام 2019، كانت نعمة كبيرة وأدت لنمو الزرع بشكل ممتاز، ولكن استمرار هطولها بلا انقطاع أدى لحالات غرق كبيرة في الأراضي لا سيما وأن الأرض ارتوت ولم تعد قادرة على الامتصاص بسبب الكميات الكبيرة من المياه، وقد تلفت مساحات واسعة من المحاصيل نتيجة تشكل بحيرات عائمة غطت الأرض لفترة طويلة. فانخفاض درجات الحرارة وغياب الشمس في أغلب الأوقات وقلة فترات الصحو، ساهم في انخفاض مستوى التبخر أو انعدامه كلياً، وبذلك بقيت تلك البحيرات جاثمة على صدر الحقول حوالي شهر كامل في بعض المناطق، وهو ما أدى لتلفها كلياً”.

وتسببت المعارك الدائرة في ريفي حماة الشمالي والغربي منذ مطلع شهر آذار 2019 ثم التقدم البري، بفقدان آلاف المزارعين لحقولهم التي سيطرت عليها قوات النظام وتركتها مرتعاً لشبيحة الأسد الذين قاموا بتعفيشها، وزادت مساحة الأراضي التي سيطرت عليها قوات النظام عن نصف المساحة المزروعة.

النار تلتهم الموسم

مع نهاية شهر نيسان وبداية أيار 2019، بدأت مشكلة الحرائق بالظهور، واحترقت مساحات شاسعة من الحقول في كل مناطق المحافظة، حيث شهد ريف سلمية عدة حرائق ومنها الحريق الهائل الذي اندلع يوم 17 أيار 2019 في محيط المدينة، قبل أن يمتد شرقاً تحت تأثير الرياح القوية ليصل إلى أراضي ناحية السعن، من دون أن يتمكن أحد من إيقافه بسبب فراغ أغلب القرى من أهلها. وتابع الحريق سيره شرقاً حتى وصل لقرى ناحية عقيربات وقرية إثريا، وتعدى الحدود الإدارية لمحافظة حماة ووصل إلى حدود الطبقة بريف الرقة الجنوبي وإلى قرب خناصر بريف حلب الجنوبي الشرقي. وشهد سهل الغاب اندلاع عدة حرائق كبيرة أيضاً، وخصوصاً في محيط بلدتي قسطون والزيارة.

يقول المزارع مثنى الحموي: “نتجت غالبية الحرائق عن قصف قوات النظام للأراضي بالذخائر المتفجرة والحارقة، والتي تفاعلت بشكل كبير مع المحاصيل الزراعية التي كانت قد اقتربت من الحصاد، بالإضافة لوجود الحشائش النامية بجوار الحقول وحواف الطرقات بشكل كبير بسبب الأمطار الغزيرة التي هطلت شتاءً، وأدت إلى تضخم تلك الحشائش بشكل كبير جداً. ومع انكشاف المنطقة على الحواجز العسكرية لقوات النظام، كانت عمليات إخماد الحرائق محفوفة بالمخاطر، وباستثناء تلك القريبة من قرانا والتي تشارك الأهالي والدفاع المدني في إخمادها، فإنه لم يكن بالإمكان الوصول إلى الكثير من الحرائق الأخرى خشية الاستهداف”.

وقدر المهندس غسان عبود (من مديرية الزراعة بحماة) مساحة الأراضي التي تأثرت هذا العام بفعل الحرائق في منطقة سهل الغاب بنحو 30% من إجمالي المساحات المزروعة، غالبيتها أراض مزروعة بالقمح. 

الحصاد وتسويق الإنتاج

شهد العام الماضي ما تصح تسميته “انهياراً” في كمية إنتاج سوريا من القمح، حيث لم تتجاوز الكمية 1.3 مليون طن بحسب تقرير أصدرته منظمة الأغذية العالمية “الفاو”، والتي قدرت مسبقاً احتياجات سوريا من القمح بما يتراوح بين 2 و 2.5 مليون طن سنوياً. أي أن الكمية المنتجة تمثل 60% تقريباً من الاحتياجات المحلية، وبالتالي كان لا بد من زيادة الإنتاج لتخفيف الحاجة للاستيراد باهظ الثمن. وككل عام، يشهد موسم القمح تنافساً بين الجهات المختلفة لشراء المحصول من المزارعين، حيث حددت وزارة الزراعة في حكومة الإنقاذ السورية سعر 130 ليرة/كغ لاستلام المحصول، وهو سعر أقل بكثير من سعر 185 ليرة/كغ الذي حددته حكومة النظام في خطوة مشابهة لما فعلته في العام الماضي، بهدف استقطاب أكبر عدد ممكن من المسوقين.

يقول علاء إبراهيم وهو مزارع من ريف حماة: “بسبب إغلاق المعابر بين مناطق النظام والمناطق المحررة هذا العام، لم يكن أمام المزارع خيارات كثيرة، فإما البيع لحكومة الإنقاذ بسعر 130 أو للتجار المحليين بسعر أقل، وهذا ما تسبب بنوع من الدلال أبداه عدد كبير من تجار الحبوب الذين قدموا عروضاً منخفضة جداً”، مشيراً إلى أنه باع القمح بـ 120 ليرة، وهو رقم قليل جداً ولا يتناسب مع تكاليف الإنتاج التي تصل لنحو 100 ليرة/كغ أو تزيد”.

ما حدث هذا العام من صعوبات كبيرة واجهت المزارعين، جعلت الكثيرين منهم يعيدون النظر في زراعة القمح كزراعة استثمارية، بسبب ارتفاع التكاليف المتعلق بغلاء أسعار البذار والمحروقات والأدوية من جهة، والقصف والحرائق والمعارك ثم النزوح من جهة أخرى، والسعر الذي لا يتناسب مطلقاً مع التكاليف المدفوعة والجهود المبذولة والمخاطر الهائلة التي يعمل بها المزارع، إن سَلِم محصوله. لذا فإن انعدام الجدوى الاقتصادية لزراعة القمح قد تدفع بهذه الزراعة نحو الهاوية، ما قد يتسبب بكارثة غذائية على مستوى “الشمال السوري المحرر” عموماً. فالاعتماد على استيراد الطحين بالعملات الأجنبية لا يعد خياراً ذكياً، لأن التذبذب بأسعار صرف الليرة السورية أمام الدولار قد يدفع بربطة الخبز التي يبلغ سعرها حالياً نحو 200 ليرة/900غ إلى التحليق عالياً، ولتصبح لقمة العيش الأساسية في المجتمع السوري بعيدة المنال عن شرائح واسعة من الناس.

 

guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments