لم يأت الخيار التفاوضي في الصراع السوري، وفي أوساط المعارضة السورية، نتاجا لإدراكات سياسية معينة، سواء تتعلق بمحدودية الإمكانيات، أو بالمعطيات الدولية والإقليمية التي تفرض ذلك، أو باعتبارها شكلاً من أشكال الصراع، وإنما أتت من خارج كل ذلك، أي من الخارج، وبفرض أو بضغط من القوى الدولية والإقليمية والعربية المعنية سيما منها تلك المتدخلة في الشأن السوري، وعلى الجهتين.
عموما فقد شهدنا، عبر التجربة، أن القوى المتصدرة للمعارضة اختلفت فيما بينها بخصوص الموقف من بيان جنيف 1 (2012)، في حينه، وكذلك بخصوص المشاركة في الجولة الثانية من مفاوضات جنيف (2014)، الذي عادت بعدها وقبلت بأقل من البيان المذكور، بل إن الجهات التي رفضت بشدة ذلك البيان وتلك المفاوضات (جنيف)، وأدانت المشاركين فيها، هي ذاتها التي تحمست لذلك البيان في بعد، بل وحتى أنها تحمست لمسار المفاوضات البديل في أستانا (2017 ـ 2019)، الذي انبنى على رفض مرجعية بيان جنيف، وحصر الدول المعنية بالمفاوضات بكل من روسيا وايران (حليفي النظام) وتركيا (حليفة المعارضة).
طبعا لم تتوقف المسألة عند تلك الحيرة أو ذلك الاضطراب وإنما شمل ذلك تشكيلة الوفد التفاوضي للمعارضة، الذي ظهر أكثر عددا مما هو مطلوب، وبدا غير متفق فيما بينه على الأساسيات، ناهيك عن تغيير تركيبته بين فترة وأخرى، في حين بقي وفد النظام اقل عددا وأكثر تماسكا واستمرارية، وذلك يشمل مسار مفاوضات استانا أيضا.
الآن، ورغم مرور أكثر من ثمانية أعوام على اندلاع الثورة السورية، مع كل الاختبارات التي مرّت بها والأفكار التي حرّضت عليها والخبرات التي اختزنتها والأثمان الباهظة المدفوعة فيها، لا يبدو أن ثمة ما يتلاءم مع ذلك من نهوض أو نضج أو حراك في التجربة السياسية الجمعية للسوريين، وضمنها تجربة المفاوضة، على كلي المسارين. فللأسف، لم يحدث بعد، لا على صعيد الخطابات ولا على صعيد بناء الكيانات السياسية ولا حتى على صعيد محاولات صوغ الهوية أو الروح السورية، عند السوريين، إلا ما يبدد تضحياتهم ويقيد أو يحد من قدرتهم على مصارعة النظام، أو استثمار هذا الصراع في مكاسب سياسية ملموسة، وضمنها في طاولة المفاوضات.
هكذا، ففي التجربة التفاوضية، وعلى أبواب الجولة 13 من المفاوضات على مسار أستانا، تتناسى بعض أوساط المعارضة الحقائق الدامغة، التي أهمها:
أولاً، أنه ليس ثمة مفاوضات أساسا بين النظام والمعارضة، لا في جنيف ولا في أستانا، إذ أن الوفدين لم يجلسا على طاولة التفاوض البتة، اللهم إلا لزوم البروتوكول والصور، في جلسة افتتاحية، إذ تجري المفاوضات عملياً بين الأطراف الدولية والإقليمية الفاعلة في الصراع السوري، وخاصة الولايات المتحدة وروسيا وإيران وتركيا، مع أدوار أقل لأطراف أخرى (سيما إسرائيل كما ظهر في الاجتماع الثلاثي في يونيو الماضي في القدس بين مستشاري الأمن القومي الأمريكي والروسي والإسرائيلي).
ثانيا إن المعارضة ذاتها لا توجد لديها رؤية واضحة حول ما تريد، فهي بذاتها غير موحدة، ولا تعبر عن كيانات سياسية ذات تمثيلات مجتمعية وازنة، وقدراتها محدودة، وفوق كل ما تقدم فهي لا تملك ما يمكنها من السيطرة على الصراع الجاري بين فصائل المعارضة العسكرية، التي لا تسيطر عليها، والتي لا تشكل مرجعية سياسية لها.
ثالثا، تراجع دور الفصائل العسكرية المعارضة، بعد تآكل المناطق التي تسيطر عليها، وفي هذا الوضع باتت معظم تلك الفصائل مرتهنة، أو تخضع لأجندات الداعمين، أو لتوجيهات سياسية وعسكرية خارجية، تبدو متضاربة أو مختلفة، الأمر الذي يضر بصدقية الثورة السورية.
رابعا، إن فاعلية المعارضة لا تقاس من الناحية العملية بدلالة الشعارات والمواقف، وإنما تقاس بالقدرات والإمكانات والمؤهلات الذاتية، وضمن ذلك توفير الشروط التي تسمح باستثمار ما يمكن من مواقف دولية وإقليمية وعربية للتعويض عن ضعف القدرات الذاتية، لا العمل عكس ذلك بدعوى المبدئية والثورية. ومشكلة المعارضة إنها ليست ضعيفة إزاء الخارج، وإنما هي ضعيفة إزاء الداخل أيضا، أي في صورتها وصدقيتها إزاء شعبها، لضعف بناها، وتخبط إدارتها لأحوالها، وتآكل مصداقيتها.
خامسا، لا يمكن الحديث عن عملية تفاوضية حقيقية بدون حسم القوى الدولية، وبخاصة الولايات المتحدة لأمرها بخصوص وقف الصراع السوري، بدلا من تركه مفتوحا على مصراعيه. ومعلوم أن الولايات المتحدة مرتاحة لهذا الاستنزاف للقوى الخارجية في سوريا، من روسيا إلى إيران وصولا إلى تركيا، سيما أن الأمن الإسرائيلي بات متحققا. ولعل أعضاء وفدي التفاوض إلى جنيف واستانا هم أكثر من يدرك ذلك، وأكثر من يدرك أنه لا يوجد عملية تفاوضية ولا مفاوضات ولا مناخات تفاوضية، فقط هي لعبة علاقات عامة.
يستنتج من ذلك أن على المعارضة، بكل أطيافها ومكوناتها وشخصياتها، مصارحة الشعب بالحقيقة، بدلا من الاستمرار بهذه اللعبة العبثية غير المجدية، كما عليها ابداء المسؤولية إزاء إعادة بناء الكيان السياسي للمعارضة على أسس جديدة وصحيحة، وهذا أضعف الإيمان بعد كل الكوارث الحاصلة.