أفسحت ظروف الحياة الجديدة المجال أمام المرأة السورية لتتواجد في قطاعات عمل لم تجربها سابقاً، أو كانت محظورة على الكثيرين قبل سنوات الثورة، كالعمل في مجال الإعلام. وكان لانتشار المنظمات النسائية ومراكز تمكين المرأة في الشمال السوري دور في ذلك، بعد أن ظهر الإعلام بفروعه المتعددة. وتوجهت الكثير من الفئات العمرية الشابة نحو رصد جرائم النظام وتعريف العالم بهذه الجرائم، إلا أن بعض النساء كنّ يتعرضن خلال عملهنّ لانتهاكات وصعوبات قد تحد من عملهنّ.

تقول الإعلامية نادية من ريف إدلب: “الوضع الذي نعيشه كسوريين فرض علينا أن يعمل كل منا كإعلامي في منطقته، وذلك بسبب كثرة الاحداث وتسارعها في كافة المناطق المحررة، وكان لا بد لي من نقل ما يجري أمامي من أحداث، حتى لا تختفي الكثير من الأحداث وجرائم النظام بحقنا. ومن جهة أخرى، وباعتباري امرأة، لاحظت أن النساء والأطفال هم من الفئات المهمشة فعلياً في مجتمعنا، لذلك اتجهت لهذا المجال لإيصال صوت هذه الفئات التي لا تستطيع أن تطالب بحقوقها، وتتعرض في بعض الأحيان لأنواع من العنف وخاصة ذلك القائم على النوع الاجتماعي”.

وتتابع: “النساء بشكل عام معرضات للتحرش والاستغلال والإساءة في أي مجال يعملن به، لكن العمل في مجال الإعلام قد يجعل المرأة أكثر عرضة لذلك لأنها مهنة جديدة على المجتمع. قد يقتصر التحرش على التحرش الالكتروني، ففي كثير من الأحيان أتعرض لتحرشات كتابية على الماسنجر والواتس أب، خاصة بعد أن أصبح اسمي معروفاً، ويمكن أن تكون الإساءة من أشخاص تابعين لنظام الأسد، ويمكن أن تكون من أشخاص مناهضين لعمل المرأة وخاصة في مجال الإعلام، وهناك فئة ثالثة تكون هوايتها التحرش، وتختلق حسابات وهمية للتحرش فقط، فنحن معرضات للتحرش على وسائل التواصل الاجتماعي أكثر من الواقع بسبب معرفة حسابي الشخصي الذي أعمل به ووصفه لعملي، كما تعرضت لعدة إساءات من العاملين في بعض المنظمات العاملة في الشمال السوري، وكان سكوتي ناتجاً عن قلة وعي بالرد وفضح المسيء، وضعف في شخصيتي”.

تجارب متشابهة وآراء مختلفة

هي النظرة السلبية الواحدة من المجتمع المحيط بالمرأة تجاه عملها، والمواقف المتشابهة التي تتعرض لها الإعلاميات أينما حللن، لكنها تختلف في المخيمات وتغطية أحداثها.

وحول ذلك تشرح الإعلامية صفاء: “طبيعة عملي تفرض علي التنقل بين المدن والقرى في الشمال، وهذه الحركة الكثيرة تجعلني عرضة للاستغلال والإساءة، فنظرة المجتمع للمرأة التي تحمل كاميرا وتجول القرى ما زالت سلبية ومرفوضة من قبل الكثيرين، كما أنها تجعلها عرضة للإساءة أكثر من غيرها، بسبب النظرة المسبقة والأحكام القديمة عليها، فهناك من يعتقد أن من تعمل بالإعلام وتحمل كاميرا تتنازل عن أخلاقها ومبادئها، ويمكن لأي شخص أن يكلمها ويطلب رقم جوالها، ويستطيع الإتصال بها بأي وقت”.

وتتابع حديثها لــ “بوابة سوريا”: “هذا ما عانيته أثناء تغطيتي للقصص الإنسانية في المخيمات، وما زاد من معاناتي ذلك المزيج الثقافي المتنوع والكبير الموجود هناك، ففي إحدى المرات كنت قد حصلت على تصريح من والد طفل لتصوير قصته، وكنت أقوم بالتقاط الصور، وإذا بعمّ الطفل يطلب مني أن أتوقف عن التصوير، بحجة أنه لا يمكن ان أصور الطفل حتى يحصل على عنواني ورقم جوالي لأرسل له الفيديو بعد أن يجهز، لكن طريقة حديثه وأسلوبه لم تكن تدل على هذا السبب، مما دفعني لترك التصوير والعودة”.

وتختم حديثها بالقول: “تختلف المواقف باختلاف الأشخاص ونظرتهم للمرأة، لكن ومهما كان الموقف لا يمكننا الحديث عنه أمام أحد، فمن سوف نخبرهم بالاستغلال الذي نتعرض له.. سيردون بدعوتنا إلى التزام منازلنا والتنازل عن العمل”.

تأثير الظروف على العمل والاستمرار 

تختار بعض النساء العمل في الإعلام نتيجة ظروفهن، منهنّ من اختارته لأنه عمل يناسب طبيعتها كأنثى، وهناك من اختارته كوظيفة لخدمة النساء وإيصال صوتهنّ للعالم.

ميساء امرأة مطلقة وأم لأربعة أطفال، تروي قصتها قائلة: “استطعت ان أحقق الهدف من عملي ولكن بعد صعوبات كثيرة، وأكثر تلك الصعوبات كان التحرش اللفظي بسبب وضعي كامرأة مطلقة لديها أطفال، فنظرة البعض لي كانت نظرة استغلال لوضعي، كإعلامية ومطلقة، وكأنني فريسة لهم”.

وتكمل شرح معاناتها على هذا الصعيد: “أحد الأشخاص طلب رقمي الخاص بحجة الاتصال بي ليخبرني بالحالات التي تحتاج للتصوير، وفوجئتُ بعد أيام بمحاولته التقرب والحديث معي في كل لحظة على الواتس، إلى أن أصبح يتفوه بكلمات لم أقبلها، فاضطررت في النهاية إلى حظره. لا أستطيع الحديث عن المواقف التي نمر بها، فنحن في مجتمع يلقي باللوم على المرأة قبل الرجل، لأنها، من وجهة نظر المجتمع، خرجت للعمل وعرضت نفسها للإساءة”.

من جانبها، كان لربا وضع مختلف، هي التي اختارت العمل في الإعلام المكتوب بدلاً من المرئي والمسموع، ذلك أنها تقوم بعملها في المنزل، وبذلك تحمي نفسها من نظرات المجتمع الرافضة لعملها.

تقول ربا: “اخترت مجال الإعلام المكتوب والتحرير، لأنه عمل مرتبط بالإنترنت وليس بمواقع ومدن متنوعة، ومع ذلك لم أنجُ من بعض الاستغلال من أشخاص معدودين، فلا يمكنني التعميم على الجميع. هناك من يحترم المرأة ودورها وما تقدمه من جهود، وبالمقابل هناك من يستغل وضعها”.

وأردفت ربا: “يحتاج عملي في الإعلام المكتوب إلى تواجدي في غرف إخبارية مختلفة، يتواجد فيها أشخاص من مختلف الأماكن، ومن هؤلاء الأشخاص من هو ملتزم بالأخلاق الإعلامية ويعمل بها ويطبقها، وهناك آخرون وهم قلة، يستغلون أي فرصة للأحاديث الجانبية الخاصة والتقرب من النساء الموجودات في الغرف العامة، ففي بعض الأحيان ولمجرد سؤالي عن موضوع ما على الغرفة العامة، تتهافت الرسائل الخاصة من البعض، للإجابة والمساعدة ومحاولة التقرب، وقد تصل إلى الأسئلة الخاصة والمديح الشخصي”.

ربا لا تستطيع الحديث على العموم عن تلك المواقف كما تقول أيضاً، “لأن اللوم سيقع عليّ أولاً وآخراً، وإنما أجد الحل عن طريق الشكوى لمشرفي الغرف، حيث أحصل على ما أريد وبدون التعرض لانتقادات خارجية من البعض”.

تبقى المرأة رهينة العادات والتقاليد وطبيعة المجتمع، تواجَه الرفض وتستمر بصلابة. هناك نساء استمرّينَ وتحدينَ الواقع، وأخريات صمتن على التسلط الذي يتعرضن له، وهناك أيضاً من استسلمت للصعوبات والتحديات، وعادت أدراجها من حيث جاءت.