تنتشر ظاهرة البطالة بشكل كبير في مناطق سيطرة “الجيش الحر” شمال سوريا، بسبب غياب الاستقرار الأمني، حيث تستهدف طائرات وصواريخ نظام الأسد المدنيين في المناطق الخاضعة لسيطرة “الحر” والفصائل الإسلامية بإدلب وحماة وريف حلب الغربي وجزء من الشمالي. أما في مناطق سيطرة الفصائل المدعومة تركياً (درع الفرات وغصن الزيتون) شمال وشرق حلب، فكثرت التفجيرات وعمليات القتل والنهب والاغتيال التي ينفذها مجهولون هناك، ما يمنع الاستقرار وتنفيذ مشاريع من قبل أصحاب رؤوس الأموال، التي ستؤمن فرص عمل للكثيرين.

كان الكثيرون يأملون من تركيا، بعد سيطرتها على المنطقة، ضبط أمن المنطقة التي أعادت إليها آلاف النازحين واستقبلت فيها المهجرين من مناطق مختلفة في سوريا، ومنْع وقوع التفجيرات التي تودي بحياة الكثيرين، وإقامة شركات كبيرة ومشاريع تنهض بالمنطقة من كافة نواحيها، لكن هذا لم يحدث حتى الآن، ولا توجد إلا مشاريع صغيرة تنفذها مجالس محلية في المنطقة.

من طالب إلى باحث عن عمل

أضحت فرصة العمل حلماً يراود كل شاب لا يحمل مهنة أو لا يملك أرضاً زراعية يعمل بها ويكسب قوته اليومي. “بسام” طالب من ريف حلب الغربي، وصل إلى السنة الثالثة في جامعته، لكنه توقف مطلع العام الجاري عن الدراسة بسب الظروف المعيشية الصعبة التي تعصف بعائلته.

يقول “بسام” لـ “بوابة سوريا”: “قبيل انطلاقة الثورة السورية كانت أمور عائلتي ميسرة، فقد كان والدي يعمل في التجارة الحرة، وكان يصب كل اهتمامه على تعليمي وتعليم إخوتي، لكن ومع بدء حملات القصف الممنهجة على المناطق الخارجة عن سيطرة نظام الأسد، اضطررت لترك دراستي نتيجة الأوضاع الأمنية غير المستقرة، فتارة كنت من قوافل النازحين وتارة أخرى أعمل في أشياء بسيطة تكسبني نقوداً قليلة لا تكفي مصروفي الشخصي، واستمريت على هذا الحال إلى أن عدت لاستكمال دراستي في”جامعة حلب الحرة، ودرست فيها سنة كاملة، ثم اضطررت للانقطاع مرة أخرى، لكن هذه المرة للبحث عن عمل بشكل جدي، وتأمين جزء من مصروف عائلتي بعد ضيق أحوالنا”.

وتابع: “بدأت البحث عن عمل سهل في مدينة الأتارب، بسبب عدم تعلمي أي مهنة في صغري، وانشغالي بدراستي في السنين الماضية، لكنني لم أجد أحداً يستقبلني، حتى أصحاب المهن الشاقة كالحدادة والتصليح، فالشواغر كانت ممتلئة بشكل يزيد عن طاقة استيعاب مكان العمل، وفي أحد مطاعم المدينة كان هناك  ثلاثة عمال إضافيين زائدين عن قدرة استيعاب المطعم، بسبب صلة قرابة بينهم وبين صاحب المطعم”.

لم يستطع بسام إيجاد عمل، لكن وبعد شهرين من البحث، قرر أحد الأشخاص مساعدته عن طريق تأمين عمل له بدوام جزئي وأجر زهيد في محل لبيع الثياب عند أحد أقربائه، ليكون عونا لأسرته.

تواصلت “بوابة سوريا” مع منظمة “الدفاع المدني السوري” و”لجنة إعادة الاستقرار”، و”مجلس محافظة حلب الحرة”، بهدف الحصول على إحصائيات حول نسبة صحيحة للبطالة في تلك المنطقة، لكن دون نتيجة، وذلك بسبب “بسبب عدم توفر تلك الإحصائيات” كما ورد في رد تلك الجهات. 

أسباب البطالة

يقول “محمد” وهو طالب في السنة الرابعة بكلية الاقتصاد في جامعة “حلب الحرة” إن “أحد أهم أسباب انتشار البطالة في مناطق الشمال السوري، قصف نظام الأسد مناطق المدنيين الآمنيين، وعدم اقتصاره على الجبهات، وتعمده ضرب المرافق العامة وتدمير المعامل والمنشآت الصناعية، إضافة لمخبريه وخلاياه التي تنشط في أغلب المناطق المحررة وتعمل على تفجير العبوات الناسفة وزعزعة أمن واستقرار المنطقة، كل هذه الأمور أدت لمنع وتخويف أصحاب الأموال من تشغيل أموالهم”.

وأضاف “محمد”: “من الطبيعي أن ترتفع نسبة البطالة في المناطق التي تشهد حروباً وصراعات، لكن الأمر الذي زاد من تلك النسبة هو تهجير عشرات الآلاف من مدنهم وقراهم من دمشق وحمص وحلب وغيرهم الكثير، إلى مناطق إدلب وأرياف حلب الشمالية والشرقية، ما أدى لازدياد عدد السكان في المنطقة بشكل كبير وبحث الجميع عن فرص عمل تسد رمق عائلتهم”.

وأشار إلى أنه وبعد سيطرة نظام الأسد على مدينة حلب زادت البطالة بشكل ملحوظ، الأمر الذي يدل على أهمية ارتباط الأرياف بمراكز المدن خاصة في مجال تأمين فرص العمل.

مشاق العمل إن توفر

مع النقص الكبير في فرص العمل، وزيادة عدد المتقدمين لفرص العمل، أُجبر الكثيرون على ممارسة الأعمال الشاقة لتأمين رزق عائلاتهم.

عبدو رمضان شاب في الـ 27 من عمره، كان يعمل في بداية الثورة السورية في مجال تصليح السيارات بما فيها سيارات الثوار، واستمر في عمله حتى مطلع 2019، وتركه وبدأ يعمل في تكسير الحجارة ضمن ورش تقليدية، لا تعطي الإنسان سوى الأوجاع والآلام.

يقول “عبدو”: “تركت العمل في محلي المتواضع بسبب تصليح الكثيرين سياراتهم في محلي، وعدم قدرتهم على دفع الأموال التي تترتب عليهم من التصليح، إضافة لقلة الزبائن الذين يرتادون المحل نتيجة الأوضاع المادية الضيقة التي يعاني منها معظم القاطنين في المناطق المحررة”.

ويضيف: “انتقلت للعمل في تكسير الحجارة، بسبب قلة العاملين في هذا المجال، والطلب الجيد عليه، إلا أن حمل تلك الأثقال طوال النهار، والقتال مع الصخر لتحطيمه وتحويله لحجارة صغيرة للبناء، لن يجر علي إلا الويلات بعد فترة من العمل، بسبب الجهد الكبير الذي أبذله بشكل يومي، لكنني مجبرٌ على هذا العمل إلى أن أعثر على عمل أفضل”.

وبحسب “عبدو”، فإنه يقوم بتكسير الحجارة عن طريق تفجير جزء من الجبل بمادة تسمى “البارود” أو “السماد”، ليصبح كتلاً صخرية كبيرة ومتوسطة، ثم يقوم بتكسيرها لقطع أصغر عن طريق مطرقة حديدية تسمى “المهدّة”، وتزن قرابة الـ 8 كغ، إضافة لأخرى تزن قرابة الـ 3 كغ، ليقوم بعدها بتحميل تلك الحجارة إلى سيارات كبيرة على كتفه وبمساعدة الشبان الذين معه في الورشة.

ربما تكون مهنة تكسير الحجارة هي أصعب مهنة في الشمال السوري، لكنها تمنح العائلة ثمن رغيف الخبز، لذلك يجبر الكثيرون على العمل فيها وتحمل مشاقها.

ظروف إنسانية صعبة بكل ما تعنيه الكلمة تعصف بالسوريين في “المناطق المحررة”، بسبب استمرار قصف نظام الأسد وتحرك خلاياه وأذرعه. ويستمر الحال من سيء لأسوأ، مع بقاء هذا النظام الذي يذيق السوريين ما يفوق التصور.

 

guest
1 تعليق
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
trackback

[…] الرغم من إعلانات التوظيف وفرص العمل التي لم تتوقف يوماً عبر وسائل التواصل الاجتماعي، […]