ربَّما على المرء أنْ يكون أكثر من عبقري وأعرف من منجم، حتى يتسنَ له معرفة أو استنباط خبايا ما يجري تحت الطاولات أو حتى فوقها، وخلف الستائر أو أمامها، فيما يتعلَّق بفحوى الاتفاقات والتفاهمات حول تقاسم المصالح والنفوذ على الأراضي السورية بين الأطراف الفاعلة فيها بحكم جوارها أو جبروتها أو علاقاتها مع أطراف الصراع وحدود هيمنة كلّ منها بتفاهم وتناغم وتنسيق ودون أن يجمح أحدهما على مكتسبات الآخرين ومصالحهم.

مع الأخذ بعين الاعتبار دومًا مصالح وهواجس دول أخرى غير موجودة على الأرض بشكل علني لأسباب جوهرية تتعلَّق بإدارة الصراع في الإقليم والضرورات الاستراتيجية كـ”إسرائيل”.

ولا تبدو قطعة الحلوى كبيرة بما يكفي لتكون كافية لكلِّ هذه الإمبراطوريات التقليدية أو الطامحة أو المتخوفة، ما يثير الشك باقتناع هذه الأطراف كلٌّ بحصَّته التي ارتضاها لنفسه وعقد بشأنها الاتفاقات والتفاهمات مع باقي الأطراف المؤثرة، أم أنَّ أحدهم سيعمل على اقتناص كلّ فرصة تتيح له الجموح على حصص الآخرين تبعًا لتغييرات في موازين القوى أو عقد تحالفات جديدة تُطيح بالتفاهمات السابقة، أو نضوج مقومات موضوعية أو مُسبِّبات طارئة لصالح طرف أو ضده.

الظروف الموضوعية وطبيعة التحالفات الظرفية التي عقدتها الأطراف خلال مؤتمرات وقمم عديدة كان آخرها قمة “القدس” نهاية الشهر الماضي، وأسبقية السيطرة على هذه البقعة أو تلك، ومدى صدق أيّ من الأطراف في احترام مصالح ونفوذ الطرف الآخر، تضع هذه التفاهمات أمام تساؤل هل هي نهائية، أم تُركت تبعًا لظروف الميدان ومستجداته.

وبالذهاب للموقف التركي فنجد أنَّ التفاهمات الروسية – التركية “غامضة وملتبسة”، ولا أحد، خاصة طرفي الصراع على يقين تام ببنود الاتفاقات وحيثياتها. وإن كان معلومًا مصالح روسيا ورغباتها على الأرض السورية وهي عودة السيطرة الكاملة واللاجئين إلى “بشار الأسد” إن تمكنت وسنحت الفرص والظروف، فمن غير المعلوم حدود متى تبدأ مصالح تركيا وأين ومتى تنتهي، وماذا بعد الأمن القومي التركي، ووأد الحلم الكردي وتحالفاته، وإنشاء شريط آمن يكون تحت سلطة الفصائل السورية التابعة لأنقرة وتحت إشرافها المباشر.

أما عن الدور الأكثر جلاءً ووضوحًا، فهو الدور الإيراني الذي يرغب بتغيير الوجه الثقافي والمذهبي للبلد بسياسة “الخطوة خطوة” بغية الوصول في نهاية المطاف إلى حلم موغل في القدم لإقامة إمبراطورية فارسية بمطية التشيُّع والمظلومية التاريخية المزعومة، والتمدد بعد ذلك جنوبًا في عمق جزيرة العرب، وإنهاء الزعامة السنية للعالم الإسلامي وتحقيق حلم الدائرة الشيعية المغلقة التي تبدأ في مضيق هرمز وتنتهي به.

في حين أنَّ إسرائيل وأقله في الوقت الراهن لا تطمح لأكثر من إبعاد الحركات الجهادية السنية والميليشيات الشيعية عن أراضيها إلى حد يُرضيها، ومنع إقامة قواعد عسكرية إيرانية تشعر أنَّها تهددها، وأنْ تقود النتائج النهائية لأيّ حلٍّ إلى نظام حكم لا يُشكل خطرًا على أمنها ومصالحها.

بينما يبدو الموقف الأمريكي “ضبابيًا” وغير واضح المعالم، وإن كان من الممكن توقع حيثياته ومدلولاته، فأمريكا تُريد من الجميع أن يتصارعوا ويتعاركوا بعيدًا عن المناطق التي تعدها مناطق نفوذ لها شرق نهر الفرات وشماله من مدخله عند حدود تركيا إلى مخرجه عند حدود العراق.

كما يبدو موقفها ميالًا إلى منع أيّ حسم عسكري في إدلب من منطلق أنَّ هذه آخر منطقة معارضة تُتيح لها ممارسة دور ما، وتُريد تركها إلى حين نضوج أفكار استراتيجية في المستقبل تمكنها من تحقيق مصالح خاصة بها، أو تمكنها من مفاوضة الأطراف صاحبة الشأن لتحقيق أهداف أخرى في غير مكان.

ويُلاحظ من كل هذه التحالفات والتفاهمات الجارية الظاهرة والخفية، أنَّ روسيا “محورية” فيها تبعًا لتبنيها طرف نظام الأسد وتفاهمها مع أصدقاء وداعمي معارضيه، وتقاسمها للمصالح والنفوذ معهم، ونظرًا لتدخلها المباشر على الأرض بكامل قوتها وطغيانها، والخاسر الوحيد والغائب في كل ما يجري من هذه التقسيمات والتفاهمات هو “الشعب السوري” الذي استُبعد كليًا وغُيِّب عن دائرة المصالح والمنافع والمكاسب الإنسانية والأخلاقية والقانونية، ولم يكن سوى وقود لنيران غريبة أوغلت به تنكيلًا وتشريدًا في فيافي الأرض أو في غياهب اللجوء.

*كاتبة سورية