ما يزيد على خمسة ملايين والنصف ليس مجرد رقم لا بل هو عدد اللاجئين السوريين المسجلين فقط بتاريخ التاسع من كانون الأول/ ديسمبر 2018 بحسب احصائيات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. أعداد قد تزيد أو تنقص إذا أخذنا بعين الاعتبار كل السوريين غير المسجلين أو أولئك الذين هجروا البلاد التي تُضنيها الحرب منذ سنوات إلى دول أكثر أماناً من دون أن تكون لهم صفة اللاجئ أو اللاجئة. فحقًا تتعدد في كل يوم من أيام الحرب لعديد الدول على سورية صور البطولة والصمود التي تجسدها النساء السوريات في مختلف المواقع فالتضحية والبطولة وتجاوز الصعاب من قبلهن أصبحت قصصًا يومية ومثالًا لدى مختلف فئات المجتمع.

فهي سوريا نجد فيها المرأة تواصل صمودها مقدمة كل أشكال التضحية والصبر والقوة فمنهن من فقدت ابنها الذي استشهد في ساحات القتال واخريات تعرضن لقذائف الغدر فكانت إصابتهن دافعًا أكبر للحياة. فالحرب الإرهابية على سورية كانت ولا تزال ظرفًا قاسيًا، فقد حملت هذه الحرب معها كل أشكال التغيير الاقتصادي والاجتماعي ولكن المرأة السورية أثبتت قدراتها على التغلب على كل هذه التحديات والمتغيرات فلا يخفى على أحد ما أبدته المرأة السورية من قدرة مذهلة على مواجهة الصعاب في ظروف الحرب من خلال ما تحملته من مسؤوليات لحماية عائلتها وتخفيف آثار الأزمة وزيادة صلابتها والتمسك بالوطن.

هن سيدات سوريات يجسدن التضحية والبطولة نحو عديد النماذج في التضحية التي قدمتها المرأة السورية، فهناك أم تحض أولادها على خدمة الوطن و الثورة والدفاع عنها وأخريات تعملن ساعات مضاعفة لتدبير معيشة اسرهن ومنهن من تحدين النظام لمتابعة علمهن وهناك من حملن السلاح بمجابهة إرهاب النظام وأخريات فقدن أزواجهن وأبناءهن، لكن المرأة السورية لملمت جراحها وتابعت عملها واستطاعت رغم الصعوبات التأكيد لأولادها أن غدًا سيشرق لا محالة.

في صورة أخرى عن تحدي الظروف الصعبة للحرب الدولية الإرهابية على الثورة ومنعكساتها نجد الشابات تواجهن قذائف الحقد والإرهاب بكل شجاعة ولينتصرن بعلمهن وعملهن لإيمانهن بأن العلم يبني الوطن. فحقًا هن سيدات سوريات يجسدن التضحية والبطولة، فكثر الذين تعرضوا لإصابات نتيجة قذائف الحقد عندها وقفت وقررت بكل عزيمة وإصرار أن أواجه الحياة وكانت البداية بمواصلتهم مسيرتهم العلمية.

حتى اليوم، تركيا هي البلد الذي يستضيف أكبر عدد من السوريين في حين أن الشريحة الأكبر من السوريين في بلاد اللجوء هي بين عمر 18 و59 عاماً و70% من الذين هم الأكثر حاجة للمساعدة هم من الأطفال والنساء، بحسب آخر دراسات الأمم المتحدة. الأرقام والإحصائيات والبيانات لا تعدّ ولا تحصى إلا أن الأهم أنها تعكس واقعاً لا يحسده أحد؛ واقع يطال جيل شاب من السوريين والسوريات الذين يسعون، بقدر المستطاع، أينما كانوا، أن يخرجوا منه بأقل ضرر ممكن.

هي محطات عجيبة غريبة اقتحمت حياة العديد من الأشخاص وخطفت من لون حياتهم رغد العيش والأمان والاطمئنان، فحقًا يبقى أن الإنسان لا يقاس بعدد سنوات العمر بل بما أنجزه في سنوات عمره. سيدات سوريات كان لهن نصيب وافر من الأبواب التي أغلقت في وجههن حين اردنا أن ينتصرن لنفسهن ولمن حولهن ولوطنهن من خلال تجربة مريرة عمرها تسع سنوات. إلا أنهن انطلقن من الأبواب بالإرادة والتصميم وفتحن النوافذ على مصراعيها..

تحسبهن قلاعًا من الصمود وجبالًا من الإصرار‏ خضن التجارب المرة في ظل قهر وظلم ومناخ إرهابي خيم على الطموح والآمال.. كم من نموذج سوري في اسلوب عمل وحياة ترك بصمته الموقعة بفعل سيدة سورية وحسب أي مكان ومكانة، ومن نافذة التقدير والاحترام نطل اليوم ومن خلال هذه السطور على نموذج نسائي سوري أبى أن يكون إلا في فضاء الوطن يتنفس ريحه ورائحته ويشهد على تفاصيل عزته وكبريائه.

نعم لمْ تكن لتشهد قوارير سوريا أيَّ رفقٍ أو تحييدٍ من قِبل نظام الأسد بعد اندلاع الثورة السورية عام 2011، إذ لم تمضِ أيام حتى شنت قواته عقوبات جماعية شملت اعتقال النساء والأطفال. وكان اعتقال السوريات هو الحلقة الأضعف في جسد الثورة، لكن مع تطور الأحداث وامتداد المظاهرات لتعم كل المناطق ثم تحوُّل الثورة إلى ثورة مسلحة، مارَس النظام كل أنواع التعذيب، التي تشمل المعاملة السيئة والاعتداء والاغتصاب والبغاء القسري وأشكال التحرش الأخرى.

لقد وثقت منظمات حقوقية وعالمية، بينها “هيومن رايتس ووتش” و”العفو الدولية” والشبكة السورية لحقوق الإنسان، جرائم كثيرة، منها التعذيب حتى الموت أو الشبْح للأعلى، إضافة إلى حلق الشعر والضرب والحرق، واستخدام الشتائم والنعوت القبيحة بحق نساء مدنيات. قصص مرعبة و”يخيم العذاب النفسي في روح المعتقلة حتى كأنه لا يفارقها وإن خرجت من السجن.

في المهجع، كن يستمعن إلى أصوات التعذيب.. صراخ مستمر وأنين ممن يتألم يدوّي في أذنهن بعضه، كانت توجد عائلات كاملة، وشهدتُ كل أنواع التعذيب. قد تستمع إلى قصص يشيب منها الوِلدان، تقول معتقلة “كنت أظن أنني سأبقى معهن أشهراً وربما سنوات، ولكنني خرجت بعد شهر فقط، لم أعترف رغم كل التهديد، لأني على يقين بأنه ليس معهم أي دليل ضدي، لقد نجوت بعد أن دخلتُ إلى المعتقل الذي كانت فيه فتيات حوامل وولدن أبناءهن هناك دون أي عناية؛ لا أدري هل فقدت إحداهن حياتها بسبب الولادة أو لا، حيث كل أنواع الأمراض موجودة، الجميع لديهن نقص في التغذية ويقتربن من الموت شيئاً فشيئاً. كان أغلب الفتيات والسيدات يخشين من الخروج؛ خوفاً من تصرفات مجنونة من قِبل أزواجهن أو إخوتهن، حيث يحمّلونهن ذنب الاغتصاب أو التحرش الذي تعرضت له”.

يصل العذاب النفسي بالمعتقلة إلى حد الدمار واستلاب كل ركائز القوة، والعمل على التلاعب بالعقل، لكسر إرادتها وإجبارها على الاستسلام والخضوع. فهناك سيدات رجعن من الاعتقال بصمت وتكتُّم، لكون المجتمع سيتعامل إما باللوم وإما بالشفقة، وسيندر من يساند ويقف إلى جوارها، بل قد يساء إلى المعتقلة بأساليب مختلفة. من الضروري مخاطبة المجتمع بالعقل والعاطفة معاً، وتكريس مفاهيم الظلم وبشاعته، خاصة إنْ وُجِّه إلى هذه الفئة، وتأكيد حق تقديرها ورعايتها ومساندتها حتى تصل إلى الاستقرار ولو جزئياً. كما للإعلام دور مهم، ولكل فرد مؤثر دور في التوعية والتوجيه والدفاع عن حقوق المعتقلات.

في النهاية هن فتيات يحاولن أن ينشرن مشاعل النور والفكر لأبنائها، لتعبر عن صمود المرأة السورية وتمسكها بأرض الوطن، ذلك في قصصًا من ملامح عديدة، لتكون طير سلام يحلق بعيدًا ويحط من مكان إلى مكان في العالم لتكون رسالة حب وفرح في زمن الحرب والإرهاب الدولي على سوريا.