يقع تل “قناص” على الضفة اليمنى لنهر “الفرات”، وعلى بعد 12كم شمالي مدينة “مسكنة”، يضم معابد ومخلفات لحضارات عديدة تعاقبت عليه على مدى 23 قرناً من الزمن.
كشفت أعمال التنقيب -ضمن الحملة الدولية لإنقاذ آثار حوض “الفرات” عام 2001م أن هذا التل يضم مخلفات عدة حضارات متعاقبة منذ منتصف الألف الرابع قبل الميلاد وحتى العهود الإسلامية الأخيرة في القرن التاسع عشر الميلادي، ومن أهم المكتشفات الأثرية التي ظهرت فيه معبدان من عصر “أورك” أواني فخارية وحجرية مختلفة تعد من أبدع ما أنجزه الإنسان في ذلك العصر.
حيث نقب في التل في السبعينيات من القرن العشرين من قبل بعثة بلجيكية بإدارة عالم الآثار “أندريه فينيه”، وتم الكشف فيه عن آثار استيطان امتدت بين الألف الرابع والألف الثاني قبل الميلاد، ووجد ما يدل على هذا العصر كالمجمع المعماري الضخم يتألف من ثلاثة معابد، هي: المعبد الشرقي، والمعبد الشمالي، والمعبد الجنوبي، وقد بني المعبدان الشرقي والشمالي وفق المخطط الثلاثي وهو صالة مركزية في الوسط تحيط بها من الجانبين صالتان تضمان غرفاً أصغر، في حين يتألف مخطط المعبد الجنوبي من صالة عبادة واحدة، وقد ربطت بين المعبد الجنوبي والمعبدين الشرقي والشمالي المتجاورين مستودعات كبيرة، حملت هذه المعابد كل الصفات المميزة للعمارة الدينية “السومرية” المعروفة من عصر أوروك “الوركاء”، سواء من حيث مخططاتها أو تنفيذ جدرانها التي تدعمها العضادات والأخاديد، إضافة إلى توزع المحاريب ومنصات التضحية وغيرها، وهناك المسامير الطينية والحجرية الملونة التي زينت جدران هذه المعابد، كما هو معروف في جنوبي “بلاد الرافدين”.
ويشير الآثاري “مقداد شعيب” إلى أنه كُشف في المستوطنة عن كميات كبيرة من الآنية الفخارية، بعضها مستورد وأغلبها مصنع محلياً، مع أن مساحة التنقيب المحددة لم تساعد في الكشف عن مشاغل تصنيع الفخار، وتباينت هذه الآنية بين الأنواع العادية ذات الاستخدام اليومي والآنية ذات النوعية الجيدة والمزخرفة، التي خصصت للاستخدام الخاص في المراسم الدينية أو الاجتماعية، بينها جرار من “الألباستر” (نوع من المرمر) مصنوعة إما باليد أو باستخدام الدولاب.
ويتابع: «حمل بعضها إشارات غريبة، يمكن أن تكون نوعاً من الكتابة التي تدل على محتوياتها، كالجرار الكبيرة التي خزنت فيها مختلف أنواع الحبوب والبضائع، وحملت طبعات أختام حددت مصدر هذه الجرار وملكيتها، وقد وجِدت تلك الأختام وطبعاتها أيضاً على أبواب البيوت وعلى سدادات الجرار وأغطيتها، وعبرت عن الموضوعات المتداولة في ذلك العصر، مثل الأعمال اليومية للرجال في الصيد والحرب، والحيوانات المفترسة وهي تهاجم قطعان الماشية، وهناك مشاهد للناس يقومون على خدمة الكهنة والمعبد، وتجسيد المخلوقات الغريبة كالنسر برأس أسد أو غير ذلك.
أما الآثاري”يعرب قدوري”، فيقول عن مكتشفات التل: «من أهم المكتشفات المتميزة في التل قطع النقود وهي عبارة عن قطع صغيرة من الطين والحجر ذات أشكال متنوعة، دائرية، مخروطية، بيضوية، هرمية، مغزلية أو غيرها. بعضها مثقوب، ووجدت بعض هذه القطع داخل كرات طينية، تبين أنها ذات وظيفة حسابية لمعرفة كمية البضاعة ونوعها بعد كسر هذه الكرات واستخراج الحصى منها، ويمثل هذا النوع من اللقى أحد أقدم أساليب الحساب المالي، وقد سبق ابتكار الكتابة ببضع مئات من السنين، وقد احتوت المستوطنة على أدوات زراعية حجرية، وأدوات عظمية، وحليّ من الصدف والقواقع، وأحجار مقاليع، وغير ذلك.
ويتابع: «ازدهر “تل قناص” في مرحلة حساسة من تاريخ تطور حضارات الشرق القديم، وتحديداً في عصر الثورة العمرانية، ودلت كل المعطيات على أن الموقع كان مستعمرة “سومرية” خالصة أقامها “السومريون” في “سورية”، لتكون صلة وصل بين بلادهم في الجنوب “الرافدي”، وبين بلاد “الشام” و”الأناضول”، ولم تعمر لأكثر من قرن من الزمن، فقد خُربت وهُجرت، مثلها مثل موقعي “عارودة”، و”حبوبة الكبيرة”.
ويضيف: أُعيد استخدام الموقع كمقبرة في العصر “الأكادي” في النصف الثاني للألف الثالث قبل الميلاد، وأصبح هذا الاستخدام أكثر أهمية في نهاية الألف الثالث ومطلع الألف الثاني ق.م، حيث كشف عن بناء ضخم هو قصر يحميه سور دفاعي، ويتألف من عدة غرف للسكن أو لممارسة العبادة والطقوس، ووجدت في القصر مشاغل تصنيع الفخار ودمى إنسانية وحيوانية متنوعة، بينها فرسان على أحصنة ورؤوس حيوانات، وهناك نماذج بيوت سكنية، كما تعرض هذا القصر لحريق كبير يرجح أنه أتى على يد “الأموريين” الذين تحركوا من الغرب، وأطاحوا بالعديد من المدن والممالك الرافدية، وهكذا هجر الموقع لأكثر من ألفي سنة تالية ولم يستخدم إلا كمقبرة في العصر الروماني والإسلامي.