الصفحة الرئيسية رأي وتحليل الولايات المتحدة وتركيا بين المنطقة الأمنة والحزام الأمن

الولايات المتحدة وتركيا بين المنطقة الأمنة والحزام الأمن

 

منذ مطلع هذا الشهر شهدنا مباحثات مستمرة، أو طاولة نقاش متواصلة، بين مسؤولين عسكريين من الولايات المتحدة وتركيا، عبّرت في حقيقتها عن مسألتين متضاربتين ومختلفتين، في الآن ذاته، أولاهما، أن ثمة تضارب، أو فجوة، في مواقف الطرفين السياسية والعسكرية، بشأن الصراع السوري، وحدود الدور التركي في سوريا. وثانيتهما، أن الطرفين يسعيان، أو يحرصان، على إيجاد حل للخلافات الحاصلة، وسد الفجوة في مواقفهما.
ولعل هذا المأزق، هو الذي جعل الطرفين المذكورين يتوصلا مؤخرا إلى نوع من تفاهم، بدا بمثابة خطوط عريضة أو إعلان نوايا، يتمثل بتشكيل غرفة عمليات مشتركة للاتفاق على ما تسميه تركيا “منطقة أمنة”، وما تسميه الولايات المتحدة ” منطقة حزام أمان”، أي حتى في التسميتين ثمة تباين في معنى ومبنى وأبعاد وتبعات تلك المنطقة بالنسبة للولايات المتحدة وبالنسبة لتركيا.
وقد يفيد التذكير هنا أن تلك المباحثات أو المفاوضات بتوافقاتها، العمومية والغامضة، التي تم التوصل إليها مؤخرا، إنما جرت بعد تجاذب استمر لأكثر من عام، بخصوص طلب تركيا إنشاء منطقة أمنية على حدودها مع سوريا في منطقة شرقي الفرات، وهو أمر شهدناه في تصريحات الرئيسين ترامب وأردوغان، وتصريحات ولقاءات وزيرا خارجية ودفاع (ورؤساء أركان) كلا البلدين. كما قد يجدر بنا التوضيح أن الخلاف التركي ـ الأمريكي، الذي يبدو أن الطرفين معنيان بجسره، والحرص على عدم تفاقمه، لا يدور فقط حول رؤية كل منهما للصراع السوري، والموقف من القوى المنخرطة فيه، ولا على حدود الدور التركي في سوريا حاضرا ومستقبلا، إذ أضحى يشمل صفقة التسلح التركية بمنظومة دفاع جوي روسية، التي تعترض عليها الولايات المتحدة، كما بات يشمل سعي تركيا التنقيب عن النفط والغاز قرب قبرص (في ما يعرف بالجزء التركي من الجزيرة)، ناهيك أنه يشمل طبيعة العلاقة مع إيران، وكيفية التعامل مع القوة العسكرية الكردية في شمالي سوريا، إضافة إلى عديد من الملفات الأخرى، الأقل أهمية.
من حيث التفاصيل، فإن التوافق مؤخّراً بين الطرفين التركي والأمريكي على إنشاء “منطقة أمنة” أو “حزام أمن”، على امتداد الحدود التركية ـ السورية، حيث تتواجد قوات سوريا الديمقراطية، المشكلة أساسا من الجناح العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، شرقي الفرات، لا يفيد بتطابق رؤى وسياسات الطرفين المعنيين. فالولايات المتحدة الأمريكية، مثلا، تتوخّى من خلال تثبيتها خطوطها الحمر شرق الفرات، إقفال الحدود العراقية السورية، وحماية حليفها المتمثل بالقوات الكردية، وتدعيم أمن إسرائيل في كل الحالات، لذا فهي تقترح مجرد حزام أمني، بعمق 5 ـ 10 كلم، تتواجد فيها نقاط مراقبة لها، للحرص على الحؤول دون أي احتكاك تركي ـ كردي. أما بالنسبة إلى تركيا فإن الغرض الأساسي من طرحها المنطقة الآمنة، في هذه المرحلة، إنما يكمن في سعيها الحثيث تحجيم قوات حماية الشعب، التابعة لحزب البي واي دي (الاتحاد الوطني)، السوري الكردي، والذي تعتبره جزءا أو امتدادا سوريا لحزب العمال التركي، كما يكمن في سعيها الحؤول دون أي تواصل بين المناطق التي تسيطر عليها القوات الكردية، وتحجيم دورها كطرف تعتمد الولايات المتحدة عليه، إضافة إلى تعزيز مكانتها بين القوى التي تحاول تقرير مستقبل سوريا (مع الولايات المتحدة وروسيا وإيران وإسرائيل)، لذا فهي تطمح أن تشمل تلك المنطقة مجمل منطقة شرقي الفرات وبعمق عشرات الكيلومترات. فوق هذا وذاك فإن التوافق نصّ على وجود غرفة عمليات تركية ـ أمريكية مشتركة، ما يفيد بأن التحركات العسكرية التركية ستبقى مضبوطة وفق إيقاع التوافق مع الولايات المتحدة الأمريكية، أي أنه لن يسمح لها بالعمل منفردة، وهذه مسألة لافتة، ولابد أن تركيا تشعر أنها تشكل قيدا عليها، من دون التكهن ما إذا كان باستطاعتها تذليل هذه العقبة.
أيضا، إضافة إلى التباينات الأمريكية ـ التركية، في حدود تلك المنطقة وطبيعتها وتوظيفاتها أو استهدافاتها السياسية، ثمة تباينات تركية ـ روسية، أيضا، إذ لا يمكن استثناء روسيا من هكذا توافق، وإن بشكل مبطن، سيما أن روسيا تشترك مع إيران وتركيا بتحالف “أستانة”، ناهيك عن الدور الروسي الكبير في توجيه دفة الصراع السوري، وضمن ذلك ما يحصل في إدلب وريفها وأطراف حماه، وهي منطقة نفوذ مشترك روسي وتركي، ما يجعل تركيا مضطرة للتعامل مع روسيا فيما يخص ترتيبات شرقي الفرات، على سبيل التبادل أو المقايضة.
مع كل ذلك يبدو أننا الأن إزاء مرحلة ثالثة جديدة من الانخراط، أو التورط، التركي في الصراع السوري، العسكري المباشر، بعد عمليتي “درع الفرات” (2016) و”غصن الزيتون” (2018)، فهل ستنجح تركيا في هذه النقلة؟ أو هل ستتيح لها الأطراف الدولية والإقليمية الأخرى ذلك؟ هذا ما يفترض متابعته في الأسابيع القادمة.