مع كل موجة احتجاج تتصاعد في الداخل السوري اعتراضا على سلوكيات النظام أو بعض رجالاته،  تتعالى أصوات في الخارج لتساند موجة الاحتجاج والتململ الداخلي، معتبرة أن كل اعتراض في وجه النظام هو حجر يسهم في دفع ظلمه عن السوريين وافساح المجال لنظام بديل ودولة سورية تحفظ حقوق مواطنيها.
الأصوات الداعمة للاعتراض الداخلي السوري تعتبر أن قضيتها الأساسية هي تغيير هذا النظام وأن من واجبها الانساني والوطني ملاقاة أصوات الداخل المعترض، فيما يرى البعض أن اللغة المستعملة في دعم أي حراك وطني داخلي تهبط إلى ما دون “لغة الثورة” وخطابها المفترض، وتذهب الأصوات الأكثر تطرفا إلى اعتبار المعارضين الملاقين لخطاب تململ داخلي بما يصل حد الخيانة للثورة والتنازل عن قيمها ومبادئها.
وبينما يرزح الداخل السوري تحت ظروف معيشية واقتصادية وأمنية صعبة يتم استخدام مكوناته لضرب بعضها ببعض من قبل النظام الحاكم في دمشق والدول التي استدعاها ليثبت حكمه المتزعزع تحت ثورة شعبية قامت لحفظ كرامة الناس وحريتهم ولم تنجح حتى اللحظة.
كلفت هذه الثورة دماء ما يقرب من مليون سوري بين شعب ثائر، وجيش لا وطني تم استخدامه كأداة طائفية للحفاظ على النظام، يعلم الموالون أن النظام افتعل تفجيرات ونفذها و ألصقها بجهات معارضة وتنظيمات مسلحة كي يحافظ على حالة استعداء للثورة، بينما استنفر اعلامه لتشويه شخصيات المعارضة الأنقى وتلفيق روايات الخيانة والعمالة لها، في الوقت الذي أصبح فيه رأس النظام موظفا من الدرجة العاشرة لدى الدول التي تدعمه فصار يمنع عليه المشي جوار الرئيس الروسي وهو يستعرض قوات بلاده على قاعدة روسية بناها له النظام “الوطني” على أرض حميميم السورية!
كان من الطبيعي أن تعود المطالبات بإصلاح أحوال الناس داخل سوريا فور إعلان النظام عن “نهاية حربه على الإرهاب”، لكن الحذاء العسكري الحاكم في دمشق زاد من قبضته الأمنية حتى على مستوى اتحاد طلبته ليعاقب الطلاب على مجرد “اعجاب” على مواقع التواصل الاجتماعي!
يهرس الناس داخل البلاد،  فلاهم يستطيعون الموت، ولا يستطيعون الحياة،  فيكون تحت رحمة أحذية متصارعة فوق رؤوسهم على أرض كانت تعتبر أجمل بقاع الشرق وشعب اخترع الأبجدية وقاوم للحرية حتى الموت!
يهرس السوريون خارج البلاد أيضا، تتوافر لهم كل مقومات الحياة وكل الحقوق التي افتقدوها، ولكنهم يحرمون من ذكرياتهم ورؤية أغلى وأقرب أحبتهم، يغالبون السؤال إن كانوا سيرون أسرهم مرة أخرى أم لا ويكتفون بالإصغاء لأصوات غالية عبر الهاتف لا يعلمون متى سيحرمون منها دون أي حق في وداعها!
ربما كان الإيقاع بين السوريين وحفر الخنادق بينهم من بين أكثر الموضوعات التي عمل عليها النظام السوري، فقام بزرع الفتنة في الوطن الواحد بين الطوائف، وزرع الكراهية حتى في كل بيت، كثير من العائلات السورية انقسمت بين مؤيد ومعارض واستخدم النظام أفرادها المؤيدين للتشفي من معارضيها، وفي المقابل صار الحقد على النظام من معارضيها ليس فقط لسياساته الاقتصادية والأمنية والطائفية، بل و لقيامه بحرمان الابن من أسرته، وزرع الكراهية في وقت كنا أحوج ما نكون إليه للتضامن لكفكفة دموعنا وتضميد جراحنا.
ومن الغني عن القول أن النظام يستفيد من ضخ الأموال من السوريين المغتربين إلى أفراد أسرهم الذين بقوا داخل البلاد، ولولا هذه الأموال ما استطاع كثير من السوريين البقاء على قيد الحياة، وعلى قيد مقاومة هذا النظام، وفي المحصلة فإنه جاهز لاستغلال السوريين حتى الرمق الأخير.
وفي هذا السياق يبدو الخبر الذي تناقله السوريون على وسائل التواصل الاجتماعي منطقيا جدا، يقول الخبر أن النظام السوري قد زود الاتحاد الأوروبي بقائمة اسمية لمائتي ألف سوري زاروا سوريا رغم حصولهم على حق اللجوء في البلدان الأوروبية كهاربين من الموت والاضطهاد!

يزعم النظام من هذه القائمة, إن صح خبرها, أن يثبت أن سوريا بلد آمن, ومن نافل القول أن من زاروا البلاد لا يستحقون الحصول على حق اللجوء في بلد آخر, لكن هذا الخبر من شأنه ان يسبب الأذى لهؤلاء المائتي ألف لاجئ, ولأسرهم, كما لعموم اللاجئين في بلدان العالم, وهذا ما يضرب به النظام عرض الحائط إن لم يكن هذا الأذى هدفا مستترا له من هذه القائمة!
وبالأمس فقط تم القاء القبض على طيار سوري سقطت طائرته في ادلب الجريحة، ادلب التي تئن تحت القصف منذ أشهر، وطلعت موجة جديدة من الاقتراحات السادية مرفقة بثلة من العبارات الطائفية، يدعو فيها معارضون مسلحون بل وكتاب يدعون لتقطيع أوصال هذا الطيار وارتكاب الفظائع به، حالة تستدعي السؤال الفعلي الملح حول أهداف ثورتنا، فهل خرجنا لحق وكرامة وحرية، فانتهى بنا الأمر ضحايا مجزرة، ومشاريع جزارين مستقبليين.
لطالما كانت الثورة فكرة, قالها رائد الفارس الذي ذهب ضحية الغلاة المتطرفين، القمع ايضا فكرة، يستطيع الغلاة المتطرفون من جانبي المعارضة والنظام ان يتنافسوا في القمع فيكونوا نسخا عن بعضهم، لكن السوريين الأحرار هم من يعبدون بفكرهم الثوري الحر طريقا ثالثا إلى مستقبل البلاد الذي يبدو بعيدا في هذه اللحظة وصعب المنال، لكنه لا بد آت.
المتطرفون ذاتهم هم من يمنعون اليوم و يعرقلون أي شكل لتلاقي سوريي الداخل والخارج على خطاب وطني سوري يؤسس لتجمع سوري حقيقي عابر للجغرافيا وعابر للطوائف.
هنالك ضرورة اليوم وأكثر من أي وقت مضى لملاقاة أي تململ داخلي من كل أشكال قمع النظام، وعلى معارضي الخارج أن يتصدوا، بكل شجاعة ودون خوف من اتهامات جاهزة،  لخطاب وطني، غير موجه بالضرورة للموالاة، ولكنه موجه لكل سوري أينما حلت به المجزرة، داخل البلاد ام خارجها.
قامت الثورة بسبب تعسف النظام، قامت لإحقاق دولة التعايش والسلام، وجمع السوريين لبناء دولة حديثة، ولا يجب بحال من الأحوال أن تكون أداة تقسيم وعنف وانتقام، وإلا فإننا نكفر الثورة وتضحيات السوريين الأحرار.

فهل نتصدى للمهمة؟

مصدر الصورة: flickr