بدت ثورات «الربيع العربي» التي كانت انطلقت قبل تسعة أعوام، في مصر وتونس واليمن وليبيا وسوريا، واعدة جداً، وتبشّر بغد أفضل للمجتمعات العربية، لا سيما مع سقوط نظامي مصر وتونس، في فترة زمنية قصيرة، وبأكلاف بشرية ومادية قليلة.
وفي الحقيقة، فمنذ بدايتها، كانت الثورات العربية، حدثاً مدهشاً وغير مسبوق في تاريخ مجتمعات هذه المنطقة، التي عاشت في ركود وفي حالة إخضاع سياسي منذ مئات السنين. وبالمحصلة، فقد استطاعت هذه الثورات، مع كل مشكلاتها وثغراتها، إحداث متغيّرين اثنين لا بد منهما للدخول في السياسة، أولهما كسر الجوزة الصلبة للاستبداد، المتمثل بالطغم الحاكمة المستبدّة، التي سعت إلى تحويل بلدانها إلى نظم حكم وراثية، بواسطة تحكّمها بالثروة والسلطة وبالمجال العام، وهذا ليس مجرد تفصيل ثانوي. وثانيهما، صعود الشعب إلى مسرح التاريخ كفاعل، وكسيد على مصيره، بعد قرون من التهميش والحرمان من الحقوق والحريات، ما يبشّر بالتمهيد لقيام دولة المواطنة والقانون والمؤسّسات، قبل الديموقراطية.
بيد أن نقص تمكين الدولة، ونقص تطور المجتمع المدني، بحكم الافتقاد لمكانة المواطنة، وأيضا بواقع التدخلات الخارجية، الدولية والإقليمية، أدت إلى نشوء واقع لا يسمح بوصول الثورات إلى مقاصدها الأساسية، في تحقيق التغيير السياسي والانتقال نحو أنظمة ديمقراطية، سيما بحكم افتقاد تلك الثورات للتنظيم، كما افتقاد مجتمعاتنا لخبرات ولأحزاب ولتجارب سياسية.
هكذا بدا أن وعود «الربيع العربي»، بثورات نظيفة وقليلة التكاليف وكاملة الإنجاز، سرعان ما تبددت، أو سرعان ما تعرضت للتصدّع، بخاصّة مع ظهور أعراض أخرى أثارت الشبهات حول الثورات، بل وأخذتها خارج مقاصدها، الأمر الذي تمثل بالتطورات الآتية:
أولاً، تحوّلات الثورة السورية من الكفاح الشعبي والسلمي، بالإمكانيات الموجود إلى الصراع المسلح، الذي نشأ بداية كردّة فعل اضطرارية على انتهاج النظام للعنف المفرط، بيد أن غياب القوى المنظمة، وضعف الإمكانيات والخبرات، والمداخلات الخارجية، أدت إلى طغيان العسكرة على كل جوانب الثورة الشعبية، فاقم من ذلك، زيادة الارتهان للخارج، وللمساعدات الخارجية، الأمر الذي أفضى بدوره إلى دعم صعود التيارات الإسلامية المتطرّفة، حساب التيارات الوطنية، بحيث أضحت تغطّي على مشهد الصراع الجاري في سورية، باعتباره ثورة من أجل التغيير الديموقراطي.
ثانياً، التطورات الحاصلة في مصر، والتي أدت إلى أخذ الجيش للسلطة، وإجهاض المسار الديموقراطي، وقد أثر ما حصل من جانبين إذ أنه خلق مشاعر الإحباط وخيبات الأمل من إمكانية التغيير، من جانب، ومن جانب اخر فقد خلق أجواء من عدم الثقة المتبادل بين التيارات الإسلامية والتيارات الوطنية الأخرى المعارضة.
وثالثاً، ضعف إدراكات القوى السياسية، الاسلامية والعلمانية والليبرالية والقومية واليسارية، المتصدّرة للثورات، لأهمية تحميل الفكرة الديموقراطية بالفكرة الليبرالية، المتعلقة بالحريات الفردية والسياسية ومفهوم المواطَنة والتمييز بين نظام الحكم والدولة. رابعاً، الافتقاد للعقلانية السياسية في علاقات التيارات السياسية العربية، باختلاف تلاوينها، والتي تصرفت بعقليات أيديولوجية مغلقة، ونقلت الصراع إلى الحيّز الهوياتي، بحيث بات الصراع بين تيار وآخر وكأنه صراع صفري على الوجود، وهذا ما فتح المجال أمام التلاعب بهذه الثورات، لحرفها عن مقاصدها.
خامساً، بيّنت الثورات العربية هشاشة الحداثة العربية، التي بدت وكأنها مجرّد معطى خارجي، ذلك أن الثورات العربية وضعت المجتمعات العربية أمام ذاتها إزاء حقيقتها واختلافاتها ومشتركاتها، بطريقة فجائية وصادمة وعنيفة ومكلفة ومؤلمة، ما حمّل هذه الثورات، إلى مهمة التغيير الديموقراطي، مهمةَ إعادة بناء الهويات والإجماعات الوطنية بناء على معطى داخلي هذه المرة.
سادساً، بقدر ما كشفت تلك الثورات عن هشاشة المجتمعات العربية وضعف إجماعاتها، فإنها بينت أيضاً مدى انكشافها وضعفها إزاء الخارج، الذي يبدو انه ما زال يملك قوة التأثير باعتباره أحد العوامل المحدّدة للدول، وربما للإجماعات المجتمعية أيضاً، وهذا بالتأكيد نتيجة للاستبداد الذي أضعف هذه المجتمعات وهمّشها طوال العقود الخمسة الماضية.
سابعا، فضلاً عن كل ما تقدم، ربما يجدر بنا التنويه هنا إلى أن التأثّر في ما بين الثورات العربية لم يكن كله إيجابياً، فثمة تأثّرات سلبية أيضاً، وضمن ذلك تأثّر الثورة السورية في بدايتها بالتجربة الليبية، إذ إن هذه نمّت الأوهام عند بعض الأوساط السياسية والشعبية بشأن إمكان تدخّل خارجي، على غرار ما جرى في ليبيا، ما يرجّح كفّة الثورة في مواجهة النظام، وهو ما شجّع أيضاً على تنمية البعد العسكري على حساب البعد الشعبي، ردّاً على وحشية النظام. ومعلوم أن العديد من القوى الدولية والإقليمية والعربية ساهمت في تنمية هذه التوهّمات، وضمنها الرئيس الأميركي باراك اوباما، الذي تحدث أكثر من مرة عن نفاد وقت الأسد، وأن عليه أن يتنحّى، وقيام سفراء أميركا وفرنسا بزيارة تجمّعات المتظاهرين في حماة وحمص (عام 2011)، وتأكيد رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان على عدم السماح بتكرار تجربة حماة، وقوله إن حلب «خط أحمر»، ناهيك عن تشجيعات بعض دول الخليج. التأثر الثاني الحاصل، وربما هو الأكثر خطورة، يتمثل بانعكاس التجربة السورية على التجربة المصرية، مع استحواذ «الإخوان المسلمين» على السلطة في مصر. والحال أن صعود التيار الإسلامي المتطرّف وغلبته على مشهد الثورة السورية، نمّى المخاوف من تيار الإسلام السياسي بمجمله، بخاصّة أن قوى الثورة السورية غطت على هذه الجماعات المتطرفة بدلاً من أن تتبرأ منها وتعزلها وتتمايز عنها، وهذا يشمل جماعة «الإخوان المسلمين» السورية، التي عزفت عن تفنيد طروحات هذا التيار وكشف لامعقوليته، للتمايز عنه، لاسيما أنها الأجدر للقيام بهكذا دور، لصالحها ولصالح الثورة السورية.
على أي حال، ربما الأجدى رؤية التحولات الجارية والتداعيات المؤلمة والمعقدة في الثورات العربية باعتبارها جزءاً من عملية التغيير ذاتها، وأن المشكلة لا تكمن في الواقع ولا في مجتمعاتنا، فقط، وإنما تكمن أيضاً في الصورة المتخيّلة والجاهزة والرومانسية عن الثورات في إدراكات كثيرين منا. وعلى أية حال ربما أن ما يحدث في السودان والجزائر وتونس، هذه الأيام، إنما هو بمثابة تجديد للآمال بإمكان التغيير السياسي في بلداننا، وبأن الربيع العربي مازال ممكناً.