نشأت مدينة حماة كتجمع سكاني حول مياه نهر العاصي، حيث كان السكان يبحثون عن الأرض الخصبة والمياه الوفيرة منذ آلاف السنين. كبر هذا التجمع وازداد بعد الاستقرار ووفود الناس إليه.

وكان أول تجمع سكاني في مدينة حماة على الضفة الغربية لنهر العاصي، والتي تعرف حالياً بـ “حي المدينة”، الذي أخذ تسميته كما ذكر في بعض المراجع من كونه “بداية المدينة”، ويقع على الضفة الغربية الجنوبية لنهر العاصي، غرب قلعة حماة الأثرية.

يقول عبد الحميد الشحنة: “حي المدينة حي قديم سكنته عدة أقوام منذ نشأته، يوجد في الحي آثار كثيرة، وأهمها سوق المدينة القديم الذي ما زال موجوداً حتى اليوم. ما يميز السوق قنطرة صغيرة وقديمة عند مدخله الغربي، هُدمت في السنوات الأخيرة. كما يوجد في الحي الجامع الكبير، الذي كان معبداً في السابق، ثم تحول إلى كنيسة بعد انتشار المسيحية في بلاد الشام، وبعد الفتح الإسلامي، حوّله أبو عبيدة بن الجراح بعد دخوله مدينة حماة إلى مسجد. هُدم المسجد في الثمانينات، ثم أعيد ترميمه في التسعينات”. 

توسع المدينة وظهور حي جديد 

ازداد إقبال الناس على ضفاف نهر العاصي، ما أدى لنشوء حي جديد في مدينة حماة بعد حي المدينة، وهو حي باب الجسر الذي يقع على الضفة الشرقية لنهر العاصي. أنشئ الحي على ربوة مرتفعة أكثر من حي المدينة إلا أنها مقابلة له. من أشهر معالم الحي مسجد أبي الفداء، أو كما يعرف بمسجد الحيايا، وذلك نسبة للمنحوتات والرسومات على جدرانه والتي تشبه الأفاعي وغيرها، ودفن فيه ملك حماة في العصر الأيوبي، أبو الفداء.

كانت تلك بداية نشأة مدينة حماة، حيث بدأ السكان بالتوسع والإعمار، وفي هذا الخصوص يتابع “الشحنة”: “كان حي المدينة وحي باب الجسر بداية نشأة المدينة، حيث بدأ إعمار أحياء أخرى، في حين كان السور على الضفة الغربية لنهر العاصي، يحيط بحي المدينة وباب قبلي وتل الباشورة المتصل مع تل القلعة، ولكن حفر خندق بينهما عند إعمار القلعة التي بقيت مرتفعة لحماية المدينة من الغزوات، ويقابل تل الباشورة من الجهة الغربية باب قبلي والحوارنة، وهما حيان أصبحا خارج سور المدينة، بالإضافة لسوق الشجرة وغيرها من الأحياء”.

وأضاف “الشحنة”: “تتميز الأحياء الغربية للمدينة (باب قبلي والجراجمة والحوارنة) بارتفاعها البسيط عن الأحياء الأخرى، لأنها أقيمت على جرف صخري عالي، قياساً بغيرها من الأحياء التي أقيمت في وادي العاصي، وتحتوي الأحياء على الكثير من المغاور التي استخدمها الإنسان سابقاً للسكن أو كمستودعات للقمح والشعير، لاعتماده على الدواب في النقل والحركة”.

نتجه من شمال حماة إلى جنوبها، حيث حي الشيخ عنبر وسوق الشجرة والبارودية والفراية والعليليات، ثم إلى الشرق الجنوبي حيث منطقة الشريعة، والتي كانت منطقة بساتين وطريق كورنيش على ضفتي نهر العاصي، تحيط به أشجار الكينا الكبيرة، يقصده الناس للتنزه والسمَر. تم إعمار تلك المنطقة مؤخراً في الخمسينات حيث أصبحت أبنية سكنية بعد أن كانت طريقاً زراعياً للتنزه.

الضفة الشرقية والأحياء الحديثة

تتمثل الضفة الشرقية بحارة باب الجسر أولاً، والتي يليها من الجنوب حي بين الحيرين، وهو حي قديم هدم أكثر من 80% منه في أحداث الثمانينات، ولم يبق منه سوى أجزاء قليلة، يفصل بين باب الجسر وبين الحيرين جسر حديث يسمى “جسر الرئيس”، ويوجد في الحي مدرسة قديمة وهي مدرسة غرناطة.

وعن الضفة الشرقية وأحيائها تقول يافا: “عرفت حي السخانة الذي كانت جدتي تحكي لنا حكايات عنه، استمد اسمه نتيجة مجموعة من الناس من البادية سكنت الحي واستقرت فيه، وعرف هؤلاء بآل السخنة ، يلي السخانة حي الشمالية والكيلانية والذي سمي نسبة لآل الكيالي الذين سكنوا الحي، ومن الجدير ذكره أن الشمالية والكيلانية تم تدميرهما بشكل كامل في أحداث الثمانينات”.

أما حي العصيدة الذي لا يعرفه أغلب سكان حماة الحديثون، فيقع خلف الكيلانية حالياً، بين حديقة أم الحسن وقيادة الشرطة الحالية، وهو زقاق صغير يمتد بشكل طولي، لكنه مسح بشكل كامل كغيره من الأحياء ولم يبق منه أي شيء يدل على وجوده، إلا بعض الذكريات لمن سكنه قبل زمن.

وبالاتجاه شرقاً، نواجه حي البرازية والذي دمر أكثر من 60% منه في أحداث الثمانينات أيضاً، يجاور البرازية من جهة الشمال سوق الحاضر الذي يتفرع منه عدة أسواق صغيرة وخانات مختلفة، كسوق برهان وسوق البحصة الذي يحتوي على خانات صغيرة كانت حاضرة المدينة وسوقها، يقصدها أبناء القرى في الريف المجاور وخاصة الشرقي، إضافة لخان العقاد الذي ما زال موجوداً حتى اليوم، ويشتهر بصناعة العنابر المخصصة لحفظ السمن العربي (البلدي)”.

حي السفاف وجواره

لو خرجنا من حي الحاضر وسوقه، وجعلنا الشمال وجهتنا، سنصادف حي السفاف العريق، الذي أخذ تسميته من آل السفاف الذين قطنوا الحي، وما زالوا موجودين إلى اليوم، يتميز بمنازله القديمة المبنية على الطراز الدمشقي، تزينها ياسمينة بيضاء وعراتلية تسلقت جدرانها العالية.

وعن الجهة الشمالية من حماة يعود “الشحنة” ويتابع حديثه: “إلى جانب السفاف يوجد حي الأميرية والمناخ، أما الأميرية وبحسب ما روي عن تسميها فقد كانت نسبة لمشفى الميري أو الأميري، الذي أصبح لاحقاً المشفى الوطني القديم. وبالنسبة للمناخ وبحسب ما قيل، ربما سمي بهذا الاسم نسبة لإناخة الإبل في ذاك الحي، حيث كان القدامى يودعون إبلهم فيه، فجاءت التسمية منها”.

وأردف: “جميع الأحياء السابقة هي أحياء قديمة ما زالت مأهولة حتى اليوم، على الرغم من الضرر والدمار الكبير الذي لحق بمعظمها في أحداث الثمانينات، حيث شهدت بعض الأحياء مسحاً كامل لمعالمها وأبنيتها، بينما استطاع سكان البعض الآخر من الأحياء الحفاظ على ما بقي منها، والذي يعود لعهود قديمة”.

أما الأحياء الحديثة من حماة والتي نشأت حديثاً بعد فترة السبعينات، فقد كان هناك توسع في حي السوق نتيجة ازدياد عدد الناس وضرورة توسعهم، فمن جهة الغرب للسوق، أنشأ سكانه ثلاثة أحياء وهي جنوب الثكنة والبرناوي والبعث، ويعتبر “البعث” من أحدث الأحياء في المدينة لأنه بني عام 1996، وسُكن بعد عام 2000.

أما من جهة الجنوب، فقد أنشئت عدة أحياء كالشيخ عنبر وطريق مصياف والأندلس والمحطة وهو ملاصق لباب قبلي، كذلك حي البياض وكرم الحوراني والتعاونية والجلاء، وحي النصر وهو حي حديث جداً بدأ بناؤه عام 1996، وهو ذاته حي مجرى الزيادة كما يعرفه بعض السكان.

تعتبر جميع تلك الأحياء أحياءً حديثة، تتميز بأبنيتها المنظمة وشوارعها العريضة والواسعة على خلاف زقاقات الأحياء القديمة الضيقة.

دخل التحديث في البناء على مدينة حماة، لكن التراث بقي في أحيائها القديمة متشبثاً بأزقتها الطويلة، فمن النادر أن تجد حمام سوق في أحيائها الحديثة، بينما تقرأ التاريخ في أثريات قصر العظم.