للمخرج: زياد كلثوم
كما أن الربيع لا يصنعه مهندسو الحدائق، ولا منسقو الزهور، بل تصنعه الطبيعة، بتكافل السماء والمطر والأرض وتعاقب الفصول ومرور الزمن بكل تراكماته، كذلك الثورات لا تصنعها الأحزاب ولا السياسيون، بل يصنعها الحرفيون والعمال المهرة والفلاحون والطلبة والمثقفون من شعراء ومغنيين ورسامين ومفكرين وسينمائيين، فهم صناع التغيير والرأي العام ومزاجه، وهم بطبيعة الحال وقود وحطب الثورة، يحترقون لتبقى نيران الثورة مشتعلة و هكذا كان حال الثورة السورية التي تجسدت في الحراك الشعبي المناهض للاستبداد وسلطة الحزب الواحد والقائد الأوحد، فبينما انشغل الساسة والأحزاب السياسية بالبحث عن المكاسب وتقاسم النفوذ والمصالح وتبادل الاتهامات، كان البعض الآخر يعمل بصمت على إشعال الثورة والتعبير عنها من خلال نتاجاتهم الإبداعية والفكرية كل حسب موقعه، أمثال الدكتور جلال صادق العظم و الدكتور الطيب تيزيني الذين قدموا  للثورة عصارة فكرهم ومعارفهم، والرياضي عبد الباسط الساروت ” حارس الثورة ” وشهيدها والمنشد إبراهيم القاشوش، قدم كل منهم ما يملك، من حنجرته وأناشيده و وعيه الشعبي والعفوي البسيط لقيم العدالة الاجتماعية والكرامة والحرية ولاحقا كافح الساروت ببندقيته عندما أجبر النظام الثورة السلمية والثائرين على العسكرة وحمل السلاح، حتى ارتقى شهيدا ، وهم الذين كانوا من صلب مؤسسات الدولة التي كانت بحكم الاستبداد والفساد أصبحت  ملكية خاصة للنظام وأزلامه، وكانوا من المحسوبين على شريحة من يصح عليه المثل ” لحم أكتافهم من خير النظام ” المثل الذي كان يروجه أنصار النظام وهذا كان حال المخرج الشاب زياد كلثوم ابن حمص السورية من مواليد1981، الذي درس الإخراج السينمائي في روسيا، وعمل لفترة من الزمن  في المؤسسة العامة للسينما ومارس التصوير (  مسلسل خلف القضبان عام 2005 ) والتمثيل (فيلم سلم الى دمشق ) للمخرج محمد ملص عام 2013 ، كما عمل كمساعد مخرج في العديد من الأعمال الفنية سواء الأفلام السينمائية، والتي نذكر منها فيلمي (سيلينا والليل الطويل ) للمخرج حاتم علي سنة  2009 , أو مسلسلات مثل مسلسل طوق الياسمين للمخرج علي محي الدين علي سنة 2008, ومسلسل ( وشاء الهوى ) للمخرج زهير قنوع سنة 2006, كما قدم العديد من الأعمال الفنية, وذلك قبل أن ينفذ فيلمه الأول, إخراجا وتأليفا و تمثيلا و نقصد به فيلمه السينمائي الوثائقي ( التسجيلي ), آه أيها القلب ( آيدل ) , والذي صوره بعيدا عن العاصمة دمشق, ربما ليكون بعيدا عن عيون  المؤسسة العامة للسينما تلك المؤسسة التي منعت عرض الفيلم داخل سوريا, كما كانت قد رفضت تنفيذ مشاريع أفلام سابقة لزياد كلثوم , فاختار زياد كلثوم , مدينة عين العرب ( كوباني ) ذات الغالبية الكردية, تلك المدينة المهمشة, المنسية, والتي ذاع صيتها فيما بعد عالميا, بسبب حجم الكوارث و جرائم القتل والتهجير التي حصلت فيها إبان محاولة اجتياح ” داعش ” لها . وكأنه يتحدى النظام وجبروته، والملفت أن كل ذاك كان قبل سنة 2011. بل ويذهب المخرج كلثوم بعيدا في تحديه ويختار اسما كرديا لفيلمه (آيدل)، فضلا عن موقع التصوير مدينة عين العرب (كوباني)، ويسرد قصصا كردية وإن كانت كردية سورية، ويختار الموسيقا المرافقة للفيلم من مختارات ذكية من التراث الموسيقي والملحمي والغنائي الكردي، وأصوات غنائية كردية معاصرة مثل المغنية آينور والمغني فقه طيرا والمغنية روجين.. ولا ينسى أن يهدي فيلمه للمخرج الكردي العالمي “يلمازغوني” ذو التوجهات اليسارية ومن مؤسسي السينما الكردية
قصة الفيلم: يقسم زياد فيلمه إلى ثلاثة فصول وثلاث قصص يرويها على لسان نساء كرديات، يجمعهن نفس المكان ويضع لكل فصل عنوانا منفصلا (الزوج والأخوة والوطن) في الفصل الأول تروي الزوجة، التي سجن زوجها، قصتها   بعد زواج كان حصيلته أربع بنات، لا يوجد بينهن طفل يحمل اسم أبيه، حسب المعتقدات الريفية والعشائرية السائدة.
وكيف أنها تزوجته نتيجة زواج تقليدي وتبعا للعادة الاجتماعية ( تبادل العرائس) فتزوج أباها من أخت عريسها الذي لم تشاهد وجهه قبل الزواج , لتحبه فيما بعد ويحبها بدوره وينجبا أطفالا إلا أن القدر كان لهما بالمرصاد فيسجن زوجها وتبقى هي تربي أطفالها البنات لوحدها تحت ثقل الاتهامات والغمز واللمز من أقارب زوجها ومن المجتمع المحيط بها الذي يستنكر أن تربي أم وحيدة، أبنائها الذين يعتبرون حسب عرف المجتمع أولاد الأب وكيف أنها عملت وقامت بأي عمل حتى لو كان شاق كالعمل في الزراعة ، فقط   لتسد رمق أطفالها ولا تجعلهم تحت رحمة أحد. وتروي بمرارة تفاصيل زيارتها لزوجها المسجون في حلب  واضطرارها إلى مصاحبة أحد أقاربها الذكور معها، وعدم قدرتها على تحمل نفقات تدريس بناتها وبالتالي حرمانهن من المدرسة والتعليم، وتتصاعد وتيرة سردها الدرامي خصوصا حين تأتي على ذكر أخ زوجها المقيم في اسبانيا والذي كان الوحيد بين عائلتها وعائلة زوجها الذي يساعد في إعالة أطفالها، إلا أن القدر يتدخل مرة ثانية وينتحر ذلك المنقذ في اغترابه ويعود في تابوت إليهم لتبدأ في البكاء وغناء رثائي قل نظيره وهنا تماما في الدقيقة الخامس عشرة من عمر الفيلم و الممتد ل خمس و أربعين دقيقة يبكينا زياد كلثوم مع بطلته للمرة الأولى ليكرر ذلك في الدقيقة الثلاثين والدقيقة الخامسة والأربعين في ذروة النهايات لقصص مختلفة في مكان واحد، ثم يأخذنا معه في  مشاهد خارجية عامة  إلى طبيعة المكان، في دقائق من التأمل مع زياد كلثوم نفسه، وهو يحمل الآلة الموسيقية الشعبية التقليدية ( الطنبور) في جسر عبور إلى القصة الثانية ( الأخوة ) ويمنحنا استراحة بصرية وسمعية، في محاولة منه لإخراجنا كمتلقيين من أجواء الحزن المطبق على أنفاسنا رغم جمالية ذلك الحزن، ليعود بنا الى بطلته الثانية، سيدة تروي بتراجيدية مأساتها ومأساة عائلتها بفقدان ثلاثة أخوة سقطوا (شهداء) من أصل تسعه أخوة يتامى من جهة الأم لتصبح هي أمهم وترعاهم وهي الطفلة التي تحتاج للرعاية، وهي التي لم تبلغ حينها من العمر ثلاثة عشر عاما بعد زواج أبيها من امرأة أخرى وتروي لنا كيف أنهم رغم الحاجة والظروف المعيشية الصعبة إلا أنهم كانوا سعداء بحياتهم، و أنهم كانوا يتبادلون الرعاية والاهتمام ببعضهم البعض، إلا أن حياتهم تغيرت عندما يقرر الأخ الأكبر رغم صغر سنه الالتحاق بصفوف حزب العمال الكردستاني في تركيا بحثا عن حلم لن يتحقق ليأتي خبر موته بعد أربع سنوات ، وهو الذي مات بعد التحاقه بفترة قصيرة إلا أنه كعادة الحزب لم يعلن خبر وفاته إلا بعد مضي أربع سنوات ولا تنتهي مأساتها هنا، وإنما تستمر المأساة بقرار الأخ الأصغر الالتحاق بصفوف الحزب طلبا للثأر وتحت ظل اعتراض العائلة يلتحق بالخدمة في الجيش السوري، ورغم ذلك وبعد أن ينهي خدمته يقرر الالتحاق مجددا بصفوف حزب العمال الكردستاني ليقضي بعد فترة قصيرة من التحاقه هو أيضا، وتستمر بالسرد والإدلاء بشهادتها لتخبرنا عن قرار الأخ الثالث للالتحاق بمسيرة إخوانه ويتكرر رفض الإخوة والأخوات للقرار فيلتحق تحت إصرارهم بالخدمة الإلزامية في الجيش السوري، وهنا تعتقد العائلة أنها سوف تعود لحياتها الطبيعية وأن الزمن كفيل بطي صفحة الماضي بكل تعبه وأحزانه ومآسيه، إلا أن خبر مقتله بعد أربعة أشهر برصاصة طائشة من بندقية رفيقه في السلاح تعيدهم وتعيدنا كمشاهدين للمربع الأول في تمام الدقيقة الثلاثين لنجد عيوننا مليئة بالدموع مرة أخرى، مع نشيج وبحة وأنين صوت الأخت التي ترثي أخوتها “الأبناء”  وفاجعة فقدهم .
لينتقل بنا المخرج مرة أخرى إلى طبيعة المكان واخضراره بالعشب وماء النهر الذي يوحي بديمومة الحياة في أجواء ربيعية ومشاهد عامة تمهيدا لسرد تفاصيل و أجواء القصة الثالثة ( الوطن) ليكون المكان بأطلاله، وجدران البيوت المهدمة، والخالية من سكانها ، البطل الثالث لقصة الفيلم مشاركة مع أبطال غائبين ينوب عنهم في السرد من بقي من الجيران وهن بضع نسوة، كن سابقا يقمن بزيارة سكان بيوت القرية ويتقاسمن مع نساءها الحكايات ويتشاركن في إعداد وجبة الفطور في ساحة إحدى المنازل التي خلت من سكانها بعد مجزرة دموية راح ضحيتها ثلاث رجال من عائلة واحدة وذلك إثر حدوث خلاف ونزاع حصل بينهم على شريط حدودي كان يفصل بين قطعتي أرض زراعية لا يتجاوز عرضه عدة أمتار، مما يضطر وتبعا للعادات والتقاليد بتهجير عائلة القاتل وأقاربه ونفيهم ، ومن ثم هجرة بقية العائلات إلى خارج البلاد أو إلى المدن الكبرى مثل حلب أو دمشق ، طلبا للرزق ولحياة ومعيشة أقل قساوة وأكثر قابلية لمتطلبات الحياة، تاركين خلفهم أطلال بيوت تشهد على حياة وأسماء عاشت هنا بكل ما تحمل الحياة من ذكريات جميلة وأخرى مؤلمة، ذكريات تنشدها وتغنيها بكل ألم المرأة الجارة والدموع تغلبها وتغلبنا فنذرفها بغزارة للمرة الثالثة بعد أن استطاع زياد كلثوم أن ينبش ذاكرتها فتفتقت حنجرتها ببكائية جنائزية على أطلال بيوت مهدمة وأبواب ونوافذ مشرعة للريح في مشهد سينمائي تميز بالإتقان والحرفية العالية، وتناغم بين الصوت والموسيقا والصورة، وكل ذلك بكاميرا ثابتة ومشاهد تنقلت بين العامة والمتوسطة والقريبة، لينهي المخرج فيلمه بصرخة ( آيدل ) أو آه أيها القلب أطلقها من صميم قلب مجروح وبلغة كردية دافئة وهو واقف في المشهد الأخير على حافة واد نهري وأمامه أفق مفتوح ممتد للسماء، ربما ليدل على الأمل وغد أفضل، وليخبرنا أنه لم يكن شاهدا فحسب بل إنه منحاز تماما لبطلات فيلمه من النسوة وكفاحهن ضد العادات والتقاليد التي رسخت سلطة الرجل الذكورية على المرأة وحقها في الميراث أو رعاية أطفالها، وأنه ضد ظاهرة تجنيد الأطفال والقاصرين في المؤسسات العسكرية كما أنه أدان ظاهرة الثأر وعواقبها الاجتماعية وإهمال السلطات للريف عموما، مستخدما لغة بصرية وبناءً محكم في النص الذي قارب عوالم السينما الروائية، دون أن يلجأ للغة الخطابات والشعارات أو أن يقع في فخ المباشرة، و أضاء زياد كلثوم بعدسته السينمائية مساحات كانت شبه معتمة من حياة الشعب السوري الكردي خلال 45 دقيقة من شريطه السينمائي فأرانا الألوان الزاهية للثوب الكردي وأدوات الزينة كما أسمعنا موسيقاهم الغنية ولغتهم الجميلة, مؤكدا أن كل تلك المآسي والمواجع والآلام لامست قلبه ووجدانه.

 

بطاقة الفيلم :

إخراج و تأليف : زياد كلثوم

تمثيل : _  زياد كلثوم

_  صباح كوباني

: DOPوائل عز الدين

مدير الإنتاج : باسل عبد الله

مساعد مخرج : جمعة حمدو

مساعد منتج : نبيل وان

أبو علي

مساعد كاميرا : طارق جميت

تدقيق : رامي شبطا

تصحيح ألوان : دكتور علاء الأحمد

مشرف الموسيقى : وسيم إمام

دمج الأصوات : ستوديو نزار

أغاني : _  آينور دوغان

_  فقه تيران

_  روجين

ترجمة : _  إياد كلثوم

_ حسين محمد علي

منتج تنفيذي : _ حاتم علي

_  دكتور علاء الأحمد