كان أسوء عيد “فطر” يمر في حياتي، لم أتوقع أن نعيش فيه كل تلك المآسي، أول اقتحام لمدينة داريا الواقعة في الريف الغربي للعاصمة السورية دمشق، أول مجزرة، أكبر فاجعة تعيشها المدينة في العصر الحديث.
أذكر تماماً ذلك اليوم الذي يصادف الإثنين 20 آب العام 2012، عندما بدأت القذائف تنهال على مدينة داريا، في مشهد غير مألوف، فكان أهالي المدينة قبل ذلك معتادون على القصف المتقطع بين الحين والآخر، ولكن ذلك اليوم بات مختلفا تماما فقذائف الهاون من مراكز قوات النظام السوري المحيطة تنهال على من كل حدبً وصوب.
وفجأة سمعنا جرس المنزل صديقتي الطبيبة التي أجريت على يديها دورة تمريض، تطلب مساعدتي فقد افتتحوا مشفى ميداني في حينا وبدأ الجرحى بالتوافد عليه من منطقة “فشوخ” الواصلة بين داريا ومعضمية الشام، بكل ما تعنيه الكلمة من معنى مسكة قلبي بيدي وأخذت نفسا عميقا قبل دخوله، فتلك أول مرة أدخل فيه إلى مشفى لمساعدة المصابين.
في اللحظات الأولى عندما رأيت الدماء شعرت بدوار وكدت أفقد توازني، وسمعت صراخ صديقتي تنادي لمساعدتها في وضع الضماد لأحد الجرحى، فالعدد كان كبير والمصابون ملقون على الأرض،، بدأنا بإجراء الإسعافات قدر المستطاع، لينتهي اليوم الأول، متأملين أن يكون الأخير، ولكن للأسف في اليوم الثاني ارتفعت أعداد المصابين والقصف لم يتوقف وكذلك اليوم الثالث، والرابع الذي بدأت فيه القذائف تنهال على الحي، وسط أنباء عن علم النظام بوجود المشفى، ما دفع الشبان لنقله إلى مكان آخر، لأعود إلى منزلي والتجأ مع عائلتي إلى أقبية أحد الأبنية.
ولكن صبيحة يوم الجمعة كان الأمر مختلف قررت العائلة الاجتماع في منزل جدتي المحتمي بين بقية منازل الحي، فالقصف لا يوصف والقذائف لا تتوقف، وعند ظهيرة ذلك اليوم، جاء شقيقي امسكني من يدي وأستطيع تذكر كلماته جيداً عندما سحبني من أمام أمي وقال لها سأذهب بها إلى المشفى الميداني الجديد، ستقدم المساعدة قدر المستطاع فالجرحى بالعشرات.
ركبنا السيارة في مشهد ذكرني بالأفلام، عندما تسقط القذائف بالقرب منك، يدي بيد شقيقي وهو يطمئنني ويقول لي سنصل، ثقي بي، وفعلا وصلت للمشفى، الغرف جميعها ممتلئة طفل يبكي، ورجل فقد عيننه، وشاب يتوسل إلي أن أخيط رأسه، ولكن بعد ساعات قليلة بدأ الصراخ، قوات النظام اقتربت، سوف نخلي المكان، الجرحى المسعفين، الجميع.
قبلني أخي على جبيني وقال ستركبين تلك السيارة “المفتوحة من الخلف” أنتي وصديقاتك، ستركبين “منبطحة” فقد كشف القناص الطريق وستحمين رأسك بيديك، و”بلمح البصر” صعدنا جميعا تلك السيارة وبدأ الرصاص ينهمر علينا، والقذائف تنهال من كل حدب وصوب، وصلت إلى منزل والدي لأن الطريق إلى أمي كان مقطوعاً من شدة القصف.
الظلام يشتد، الكهرباء مقطوعة، الاتصالات مقطوعة، الشوارع خالية، والأخبار تأتي من مدخل المدينة، النظام ارتكب مجازر ويقوم بذبح المدنيين، وبين زحمة الأنباء ومع بزوغ شمس الصباح، طلب ممرض مني أنا وصديقتي الخروج خوفا على حياتنا.
ركبنا سيارة مع شقيقي وأمي وأختي، وانطلقنا مسرعين، ولكن جميع المخارج مغلقة الفرعية والرئيسية وقوات النظام منتشرة في محيط المدينة، سيارات الأهالي النازحين الهاربين من أنباء الموت تعود أدراجها، والخوف يعتلي الوجه والحناجر تصرخ قائلة “الطريق مغلق” ويعتقلون كل من يمر على الحاجز، ويطلقون الرصاص عليهم.
بدأ اليأس يتسلل لقلوبنا، والخوف يسيطر علينا، فالموت ذبحاً وقنصاً وتعذيباً قصصا قرأنها في الروايات، أيعقل أن تكون هذه نهايتنا؟، وهنا قطع صوت أخي كل تلك الأفكار وقرر الذهاب من طريق فرعي سلكه سابقا مع أصدقائه، وفعلا استطعنا تجاوز ساتر ترابي رفعته قوات النظام ووصلنا إلى الأراضي الزراعية لمدينة صحنايا، وهنا توجهنا إلى مزرعتنا في منطقة “دير خبية”.
على ذلك الطريق الموحش، كان يتمركز حاجز للنظام، أذكر تماماً وجه ذلك العسكري، الذي سأل شقيقي إلى أين الوجه؟ تهربون من الموت؟ ستعودون لدياركم بعد أيام ولكن ستجدونها مختلفة وعلا صوت ضحكته.
وصلنا لمكان النزوح وبدأنا التواصل مع والدي  على الخطوط الأرضية التي كانت لم تقطع بشكل نهائي، وتصل لنا الشائعات بارتكاب مجازر، وفي آخر اتصال طلب والدي عدم الاتصال به لأن النظام وصل إلى حينا ويقوم باعتقال وتصفية كل من يجده، وطلبنا منا أن نكون بخير وأن نسامحه، كان “يودعنا بطريقته”.
وانقطع كل شيء، لنعود أدراجنا بعد يومين بعد أن سمعنا أن النظام خرج من المدينة، توقعنا رؤية مشاهد للدمار، ولكن كانت الصدمة، رائحة الدم التي تملأ المدينة، الخوف، عدنا إلى مدينة كانت خاوية على عروشها، فقدت الحياة.
وبدأنا نسمع المآسي عائلات بالكامل اعتقلها النظام، أربعة من سكان حينا أعدمهم النظام ميدانيا “شبان بعمر الزهور”، واعتقل أكثر من عشرة شبان آخرين..
مقبرة جماعية تضم أكثر من 500 شهيد، لن أنسى ما حييت تلك المقبرة التي أنشأها أهالي المدينة لدفن الجثث، التي أحرق النظام بعضها وخفى التعذيب ملامح أخرى، وجزء بقيت كما هي وفارقت الحياة بعد طلقات غادرة حاقدة.
ليس فقط في كل عام تراودني تلك الأفكار، بل في كل مرة أحن فيها لمدينتي، فتلك الأيام يصعب نسيانها وتلك اللحظات تركت أثرها النفسي حتى الآن، أثرنا سأحمله معي إلى الدار الأخرى..