مع ازدياد عدد السكان في مدن وبلدات الجزيرة السورية، تزداد بطبيعة الحال كمية استهلاك السكان للغذاء والمواد عموماً مثل أكياس البلاستيك، واستهلاك المواد الالكترونية وتبديلها بسبب الأعطال أو بسبب قدمها كالجوالات والبرادات والسيارات وأجزائها من الدواليب وغيرها؛ وبالتالي ازدياد النفايات التي تصنف إما غذائية أو صناعية أو زراعية. ولا بد من توفير مكبات لهذه القمامة التي تزداد يوما بعد يوم، مثل مكب “رودكو” في مدينة القامشلي الذي بات يتسع أفقياً وعمودياً على حساب الأراضي المجاورة له، مما سبب مشاكل عديدة تبدأ بانبعاث الروائح الكريهة في الهواء ولا تنتهي بتحلل النفايات داخل التربة، حتى تتسرب إلى المياه الجوفية وتلوثها، خصوصاً مع وجود المكب بالقرب من الآبار التي تغذي المدينة بمياه الشرب.

قرب المكب من المناطق السكنية

يبعد المكب حوالي ٦ كم غرب مدينة القامشلي وتبلغ مساحته نحو ٦ آلاف دونم (٦٠٠ هكتار)، وهو المكب المعتمد من قبل النظام السوري منذ قرابة ٣٥ عام بعد أن كان في جنوب المدينة، بحسب أهالي المدينة.

“أبو محمد” رجل مسن من مدينة القامشلي يتحدث لـ”بوابة سوريا” ويقول: “مكب النفايات كان موجوداً جنوب المدينة ونقله النظام إلى غرب المدينة في ثمانينيات القرن الماضي، وبالطبع كلنا نعلم أن الرياح غربية معظم أوقات السنة، وبالتالي تنتشر الروائح حسب وجهات الهواء الغربية حيث تصل إلى الأحياء كحي الهلالية الأكثر عرضة لها، والحي الغربي، وتصل حتى حي قدوربك، أي المسار الشمالي للمدينة بالكامل.”

وبحسب الأهالي فإن تسمية “رودكو” هي نسبة لاسم شركة تعبيد الطرق التي كانت تستخدم تلك المساحة لمجبلة التزفيت واستخراج الأحجار والبحص ومواد البناء، واستخدم القسم المحفور من الأرض كمكب للنفايات.

شكاوى لا تلقى آذانا صاغية

تستمر شكاوى الناس في حي الهلالية على وجه الخصوص من روائح المكب والدخان الناتج عن حرق النفايات، دون أن تلقى اهتماماً من دوائر “الإدارة الذاتية” التي تعد الأهالي بحلول يصفها البعض بالمماطلة. ويقول “أبو ماهر” من أهالي حي الهلالية لـ “بوابة سوريا” : “المكب قريب جداً من الحي، وفي كل مساء يبدأ مسلسل حرق النفايات ويغطي الدخان معظم الحي ويمنعنا من النوم على أسطح منازلنا خلال فصل الصيف، أطفالي صغار وأخاف عليهم من الأمراض التنفسية مثل الربو وغيرها.”

من جانبه، يطالب عبد الرحمن يوسف مسؤولي “الإدارة الذاتية” باتخاذ اجراءات سريعة وإيجاد آلية مناسبة لنقل المكب إلى مكان آخر أقل ضرراً، ويبدي “يوسف” تخوفه من إصابة أطفاله بأمراض تنفسية و”جرثومية” أيضاً، مبيناً بالقول: “مع حلول الظلام تتصاعد أعمدة الدخان الناتج عن حرق النفايات، ولا نعلم من يقوم بهذا الفعل، كما أن المكب قريب جداً من آبار المياه الجوفية التي تغذي المدينة، الأمر الذي قد يتسبب بإصابة الأهالي بأمراض جرثومية إضافة إلى الأمراض النفسية.”

الأطباء يحذرون من انتشار الأمراض

ويحذر الأطباء من إصابة المواطنين بالعديد من الأمراض نتيجة الدخان المنبعث من حرق النفايات والروائح التي ترافقها، والهواء الملوث من حرق النفايات المواد المسببة للسرطان، بحسب الدكتور محمد الأحمد، المختص بالأمراض الصدرية والتنفسية.

ويُضيف “الأحمد” في حديثه لـ “بوابة سوريا” تؤثر الانبعاثات الناتجة عن حرق النفايات على الصحة العامة بشكل مباشر، وقد تتسبب بتعرض الانسان لأمراض مثل السرطان، السعال وضيق التنفس، ضعف الجهاز المناعي والجهاز الهرموني، كما تؤثر الانبعاثات على الأطفال وكبار السن بشكل أكبر لضعف المناعة لديهم، إضافة إلى احتمالية التأثير على قدرة الإنجاب لدى الإناث”.

“الإدارة الذاتية” بصدد تنفيذ مشروع “حيوي واستراتيجي”

وتؤكد “الإدارة الذاتية” على البدء بتنفيذ مشروع لطمر نفايات المكب بطريقة “علمية”، حيث يتحدث الرئيس المشترك لـ “بلدية قامشلو غربي” التابعة لـ “الإدارة الذاتية”، عبد الأحد اسحق، لـ”بوابة سوريا” حول المشروع الذي يصفه بـ”الحيوي والاستراتيجي” وأن “تكلفته تقدر بملايين الليرات السورية”.

ويستمر في حديثه: “نقوم بشكل دوري برش المبيدات الحشرية الضبابية والرذاذية، ونحاول الحد من انبعاث الدخان والروائح الكريهة ومنع اشعال النيران في المكب، واتخذنا إجراءات بهذا الخصوص مثل وضع حراس في المكب وترحيل العوائل التي تقوم بنبش القمامة، إضافة لتأمين إطفائيات فردية وصهريج ماء للحراس لمكافحة الحرائق.”

ويصف “اسحق” موقع المكب (شمال غرب المدينة) بـ”الخاطئ”، ويضيف: “الرياح غربية معظم أوقات السنة، وموقع المكب شمال غرب المدينة، مع هبوب الرياح تنتشر الروائح والبكتيريا في المدينة، هذا الموقع هو أملاك عامة وهو معتمد من قبل الدولة منذ سنوات عدة، هناك مقترح بنقل المكب إلى شرق المدينة إلا أن عوائق كثيرة تعترض هذا الاقتراح وتمنعنا من تنفيذه، والآن نعمل على تنفيذ مشروع حيوي استراتيجي لطمر نفايات المكب بطريقة علمية وإعادة تدوير النفايات والاستفادة منها.”

ولمنع تسرب المواد الناتجة عن النفايات إلى آبار المياه القريبة، يوضح “اسحق” أنهم يتخذون إجراءات لطمر النفايات بطبقة عازلة من مادة كيميائية تدعى “البولي ايتيلين” وهي تمنع التسرب وعملية التخمر الناتجة عن غاز “الميتان” و”البروبان”، وتوقف تسرب المواد الضارة إلى مياه الآبار.

وتتوجه نحو 20 عربة محملة بالقمامة من كافة أحياء مدينة القامشلي إلى مكب “رودكو” بشكل يومي، بحسب “اسحق” الذي فضل عدم الكشف عن تفاصيل أخرى حول المشروع.

تعتبر النفايات لدى بعض الدول المتقدمة من المصادر الحيوية لتوليد الطاقة كالغاز والكهرباء واستخراج الأسمدة وغيرها، ومن المؤسف أنه لم يتم استغلال هذا المصدر الحيوي رغم أن دراسات جدوى مشاريع تحويل النفايات إلى طاقة تشير إلى نجاحها في جميع أنحاء العالم، حيث يحصل المستثمر على عائد مجزٍ في الوقت الذي يقدم فيه للمجتمع فوائد جمة. فإنتاج الغاز من مكبات الزبالة لا يحقق عائداً مجزياً للمستثمر فقط، وإنما يسهم في تنظيف البيئة ويسهم في تخفيف انبعاثات الغازات المسببة للأمراض والملوثة للبيئة والمساهمة في الاحتباس الحراري.

 

guest
2 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
trackback

[…] أهالي حي “الهلالية” في مدينة قامشلو من مكب “رودكو” للنفايات القريب من الحي، ويؤكدون أن انبعاثات […]

trackback

[…] من الروائح الكريهة التي يسببها مكب نفايات منطقة “رودكو” قرب المدينة، وقالوا إنه سبب بعض […]