“لن يتمكن أحد من إعادة فلذة كبدي إلى الحياة بعد أن قضى بتفجيرٍ إرهابي ضرب مدينة الباب قبل أسابيع”. بهذه العبارات عبّر “أبو جواد” عن حالته المزرية وحاجته الماسة لابنه الأكبر “جواد” ، الذي قضى مع شخص آخر مطلع تموز الماضي، في انفجار مفخخةٍ قرب مسجد “عمر” في مدينة الباب شرقي حلب، إضافة لجرح ما لايقل عن عشرة مدنيين.

تشهد مناطق سيطرة “الجيش الوطني” وتركيا شمال وشرق حلب شمالي سوريا، حالة انفلاتٍ أمني واضحة، في ظل التفجيرات الكثيرة وحالات القتل وعمليات الاغتيال هناك، ولم تتمكن أي قوةٍ أمنية أو عسكرية تابعة للجيش الوطني من ضبط تلك العمليات ووقفها وحفظ أمن وسلامة المدنيين حتى يومنا هذا.

الانفلات الأمني وتفجير المفخخات معضلة كبيرة يعاني منها المدنيون في تلك المناطق، وهي مسألة حياة أو موت، أو إصابةٍ قد تعيق صاحبها مدى الحياة، عدا عن الحالة المزرية التي تحل بعوائل الضحايا أو المصابين الذين يفتقدون المعيل ومصدر الدخل.

يصف “أبو جواد” في حديثه لـ “بوابة سوريا” اليوم الذي فقد فيه ابنه: “كان اسوأ يوم لي ولعائلتي وعائلة ابني، فقد ترك خلفه ثلاثة أطفال أكبرهم في سن السابعة، وكان معيلاً لي ولهم، لكنه فارقنا دون سابق إنذار بفعل تفجير أقل ما يقال عنه أنه إرهابي، لكن ما هو مكتوب في الأقدار لا أحد يستطيع منعه أو تغيير شيء منه”.

ويتابع: “هناك شخصٌ واحدٌ لا يحسد على حياته في هذا العالم وهو السوري الذي يعيش في المناطق المحررة، فمن سلم من قصف طائرات نظام الأسد وروسيا، لاحقه خطر الموت بانفجار أو طلقة غادرة، فالوضع في منطقة الباب مزرٍ ويحتاج حلاً جذرياً، نتيجة كثرة التفجيرات فيها بشكل متكرر، ومقتل مدنيين عزل”.

حال أبو جواد كحال الكثيرين الذين فقدوا فلذات أكبادهم في أماكن اعتقدوا أنها أصبحت “آمنة”، وبظروف حرب أطاحت بالصالح قبل الطالح.

أرقام الضحايا والتفجيرات

الأرقام كفيلة بإظهار مدى الضعف الأمني في تلك المنطقة. فخلال عام وحتى مطلع آب الجاري، سقط نحو 575 شخصاً ما بين قتيل وجريح نتيجة الانفجارات التي ضربت أسواقاً شعبية وأماكن عامة مكتظة بالسكان.

يقول عضو المكتب الإعلامي في “لجنة إعادة الاستقرار” رامي كنجو لـ “بوابة سوريا”: “أحصينا على مدى عام كامل ما خلّفه حوالي 80 تفجيراً إرهابياً ضرب مدناً وقرىً مختلفة في منطقتي “درع الفرات” و”غصن الزيتون”، من قتلى وجرحى، فقد سقط نحو 100 شهيد و 475 جريحاً ما بين مدني وعسكري وطفل وامرأة وشيخ”.

يضيف “كنجو”: “بالنسبة لإحصائيات الانفجارات في مناطق شمال وشرق حلب، هناك 18 سيارة مفخخة و30 دراجة نارية ملغمة، إضافة لنحو 30 عبوة ناسفة، كلها انفجرت في مناطق سكنية تعتبر آمنة قياساً بمناطق أخرى تتعرض لقصف نظام الأسد في سوريا، حيث انفجرت 13 دراجة مفخخة و 13 عبوة ناسفة مخلفةً 11 قتيلاً و 93 جريحاً في مدينة الباب، بينما كان نصيب جرابلس ثلاث سيارات ملغمة وثمانية دراجات وخمس عبوات خلفت تسعة شهداء و 68 جريحاً.

وبحسب “كنجو”، فإن سبع سيارت مفخخة ودراجتين قد انفجرت وأسفرت عن مقتل 22 شخصا وجرح 95 آخرين في مدينة اعزاز، أما عفرين التي سجلت العدد الأكبر من الضحايا، فقد انفجرت فيها ست سيارت مفخخة ودراجة نارية وخمس عبوات، أسفرت عن مقتل 41 شخصاً وجرح 130 آخرين.

وبالنسبة لبلدات بزاعة وقباسين وأخترين والراعي، فقد انفجرت فيها سبع دراجات نارية وأربع سيارات مفخخة وثلاث عبوات ناسفة، أودت بحياة 16 شخصاً وأصابت 390 آخرين بجروح مختلفة.

أسباب التفجيرات

الانفلات الأمني وعدم قدرة الفصائل العسكرية التابعة لـ “الجيش الوطني السوري” وتركيا على ضبط الوضع الأمني في تلك المناطق، يعد من أهم أسباب استمرار عمليات القتل والتفجيرات في الأماكن العامة والطرقات.

ويوضح القيادي في “الوطني” أحمد علولو لـ “بوابة سوريا” بعض الأسباب بقوله: “تعدُّد المرجعيات الأمنية ومصادر القرار الأمني وضوابطه يؤدي لحدوث انفلات أمني، وهذا بالفعل موجود في مناطقنا ولا نستطيع نكرانه، إضافة للمهمات العسكرية التي تمنح بشكل عشوائي وغير منظم من قبل الفصائل العسكرية إلى بعض المدنيين لتسهيل حركة مرورهم على الحواجز، وضمان عدم تفتيشهم في مداخل المدن”.

 يضيف “علولو”: “سذاجة التفتيش على الحواجز الموجودة في مداخل المدن من قبل العناصر التابعة للفصائل العسكرية، تساهم بشكل كبير في وصول المفخخات لأهدافها وتغلغلها بين المدنيين، فالطريقة الروتينية تتم عبر فتح الصندوق الخلفي للسيارة “الباكاج” وتفتيشه بشكل سطحي، دون التأكد من خلو السيارة من المتفجرات بشكل دقيق. كما أن غياب الدوريات والحواجز الطيارة التابعة للشرطة العسكرية والمشتركة مع المكاتب الأمنية في الجيش الوطني على الطرقات الحيوية في المنطقة، يؤثر بشكل سلبي ويتسبب بازدياد حالات التفجير ومنح منفذيها حرية التجول”.

حلول لاستقرار المنطقة

في الفترة الأخيرة، دأبت الفصائل العسكرية على تكثيف الجهود والأعمال الأمنية لإيقاف مسلسل الدم، من خلال كاميرات المراقبة والحملات الأمنية وكشف ملابسات التفجيرات بمساندة قوات الشرطة. كما لم تقف المؤسسات المدنية مكتوفة اليدين، فقد عملت على إصدار بطاقات شخصية تعريفية جديدة لكل قاطني منطقتي “درع الفرات” و”غصن الزيتون” شمال وشرق حلب، إضافة لعملها في الآونة الأخيرة على تسجيل السيارات والدراجات النارية في دوائر المواصلات التي أنشئت لهذا الغرض.

ويبيّن مدير المواصلات في اعزاز، محمود البري، أن خطوة تلويح السيارات تهدف لضبط الأمن في المنطقة ومعرفة أصحاب السيارات وملاحقتها، مشيراً إلى أن “بيانات وسجلات السيارات مرتبطة بحواسيب المجالس المحلية ومراكز الشرطة والولايات التركية”.

من جانبه، يقول “علولو”: “تفعيل الحواجز الطيارة، وحث عناصر الحواجز على التفتيش بشكل دقيق هي أمور لا بد منها لضبط الأمن، إضافة للتنسيق مع تجار الأسلحة والمواد المتفجرة ومعرفة الأشخاص الذين يتعاملون معهم، كما يجب ربط جميع المدن بكاميرات مراقبة وأرشفة صور الداخلين والخارجين منها، ودعم خطوة المجالس المحلية بتنمير الآليات المدنية، وتحويل المهمات العسكرية لبطاقات شخصية يصعب تزويرها ومنع تزويد أي مدني بها”.

ويضيف “علولو”: “كل تلك الأمور في كفة، ومحاسبة المتهمين بالتفجيرات في كفة أخرى، ويجب على المحاكم إصدار أحكام قاسية تجعلهم عبرة لكل من تسوله نفسه ارتكاب مثل تلك التفجيرات، بالإضافة إلى تنظيف صفوف الفصائل العسكرية ومنع عمليات انتحال صفة الجيش الحر”.

ويختم حديثه بالقول: “تجب محاسبة كل شخص يثبت تعامله مع وحدات حماية الشعب الكردية، ونظام الأسد المجرم، لأنهما المتهمان الأبرز في ضلوعهما بتنفيذ كل تلك التفجيرات وعمليات القتل التي تهدف إلى زعزعة أمن واستقرار المنطقة”.

يحدق الموت بالسوري أينما حل، فإن كان في مناطق إدلب قصفته صواريخ الأسد وروسيا، وإن كان في أرياف حلب الشمالية والشرقية نالت منه مفخخة أو رصاصة غادرة، وإن حاول الهرب من جحيم سوريا.. فإما مصيره الغرق، أو ترحيل يشتت شمل عائلته أو حتى رصاصة من عنصر جندرما.

 

guest
2 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
trackback

[…] الشاب “علي النجدي” لطلق ناري عشوائي قرب “الكنيسة المريمية” في منطقة “دمشق القديمة” في […]