لكل سوري طريقة للوصول إلى الدول التي تمنح اللجوء. وما إن تصل العائلة إلى فرنسا حتى تبدأ معاناة من وجه آخر، فأنت لن تفكر بعد الآن بالطعام أو الشراب أو الدفء، ولن تنظر خلفك لتجد إن كان أحدهم يتعقبك، أو سيارة تلاحقك لخطفك، ولن تخاف من قذيفة تهوي عليك لتحرق جسدك، أو طائرة تقترب لتهدم ما تبقى من منزلك، لكن هناك ما يشغل كل تفكيرك.

ففي حال لم يكن لديك أقرباء أو أصدقاء يقدمون لك المسكن، يجب عليك أن تسلم نفسك للصليب الأحمر أو للطوارئ أو قسم إيواء المشردين، ليتم إيداعك في فندق متواضع حتى في النظافة، وقد توضع عائلة مؤلفة من أربع أشخاص في غرفة واحدة لشهر أو أكثر إلى أن تبدأ إجراءات اللجوء وتستلم العائلة جمعية تعنى بطالبي اللجوء، ويبدأ المشوار. فرنسا معروفة بتعاملاتها الورقية التي لا تنتهي، ومواعيدها الكثيرة، وأسلوبها البيروقراطي في العمل، وقد تنهض صباحاً وتحتاج ورقة تستهلك يومك بالكامل.

متاعب النساء السوريات

سمر من عفرين تبلغ من العمر خمسين عاماً، تركت خلفها منزلها وحياتها لتعيش في مدينة بوردو بكل ضوضائها وازدحامها. وتقول: “لا أعتقد أنني قادرة على تعلم اللغة، وكل يوم لدي موعد لاستخراج ورقة من دائرة حكومية، وعليّ أن أطلب المساعدة دائماً من البعض، وهذا محرج ومزعج لمن هم في عمري، فأنت تحتاج الناس حتى في الكلام”.

تطرح سيرين موضوعاً آخر،  وتقول: “كل شيء يأتي مع الوقت، اللغة والتعلم والاندماج، لكن أكثر ما فاجأني هو تنكر السوريين لبعضهم، فما إن تتعرف عائلتان سوريتان إلى بعضهما البعض حتى تبدأ الحواجز والحدود بينهما، ويبدأ بعض السوريين بالكلام السيّء على بعضهم. ربما هو الخوف الذي زرعته فينا الحرب، فأصبحت الثقة بين السوريين شبه معدومة، وهذا يثير الحزن في قلبي”.  

إحدى النساء في عقدها الرابع تقول: “أعيش في باريس ضمن بناء يحوي أكثر من 100 عائلة من كافة البلدان، ومع ذلك لا تجد من يشاطرك فنجان قهوتك أو صباحك، ولاتستطيع زيارة أحد، فلا أحد سيفتح لك بابه، وهذا متعب ومؤلم نفسياً”.

نسرين كانت أكثر إيجابية. تقول: “أتعامل مع الموضوع على أنه تحدٍ لي، أمامي ورق عليّ إنجازه ولغة لا أفهم منها إلا القليل، وبالرغم من إحساس العجز اللغوي، فأنت في مجتمع نادراً ما تتكلم مع أحد، ولاتعبر عما تريد بكلمات سهلة بل بصعوبة بالغة وغالباً لا تستطيع التعبير. لكن مع ذلك، هذا الظرف يخلق التحدي في داخلي، لكنني أحياناً أبتعد إلى بحيرة ما، وأصرخ بملئ صوتي لأفرغ تلك الطاقة، ويبقى أن أقول: لا شيء في الحياة مستحيل. لقد عشنا في سوريا ومع ذلك كان لدينا نفس الإحساس، فنحن كذلك لم نكن قادرين على التعبير وفي لساننا كل المفردات الممكنة”.

تقول ريما التي خرجت من المعتقل منذ فترة قريبة وسافرت فوراً: “يعرضون علي أن أتّبع جلسات لطبيب نفسي، وأستغرب اقتراحهم غير المنطقي، أنا لست ضد الذهاب إلى طبيب نفسي يساعدني على تجاوز حالتي النفسية السيئة، لكن كيف لجلسة طبيب نفسي أن تكون خاصة بحضور مترجم. أخبرتهم أني لا استطيع أن أكون برفقة أحد مع طبيب نفسي، فـأنا بحاجة للخصوصية في مواعيد كهذه، لأفاجئ أنهم سجلوا في ملفي أنني أرفض الذهاب إلى طبيب نفسي”.

تقول نيرمين: “البعض يفكر أننا سافرنا ونعيش حياة هانئة، لا أحد يفكر أننا كنا في غربة في وطننا وانتقلنا إلى غربة جديدة نعاني من العصبية الزائدة بسبب الإحساس بالفراغ. الفرنسي ينظر إلينا تارةً بعين الشفقة وتارةً أخرى وكأننا أتينا من كوكب خشبي. الجمعيات تعاملنا وكأننا متخلفون أو لا نعرف شيئاً عن الإلكترونيات والتقنيات. يصرون دائماً على تنبيهنا إلى بعض الأمور السخيفة التي تسبب الحريق”.

يقول منير وهو أب لثلاثة أطفال، وصل عبر البحر: “خلال فترة تقديم اللجوء تكون أوراقنا غير كاملة، وبالتالي لا تستطيع فتح حساب جاري في البنك ولا استصدار كرت بنكي للشراء. فرنسا قائمة بكل معاملاتها على كرت البنك حتى في شراء شريحة موبايل، لذلك تجد العائلة كلها بدون هاتف أحياناً أو تمتلك هاتفاً واحداً، عدا عن أن المبلغ المخصص للعائلة بالكاد يكفي العائلة، وتجد نفسك مطالباً، رغم ذلك، بأن تعيل والديك مثلاً في سوريا، أو أخاك الذي بُترت قدمه ويعيش في مركز للإيواء بعد هدم منزله. رغم ذلك، يعتقد الأقرباء والأخوة في سوريا أننا نعيش حياة رغيدة، ونرسل القليل لذوينا لنغدو في نظرهم غير بارّين بأهلنا”.

هذا غيض من فيض. فهل نجد من يستمع  إلى همومنا؟