نزح مليون مدني أو ما يزيد منذ مطلع شباط 2019 حتى اليوم، نتيجة القصف المتواصل للنظام السوري والميليشيات المساندة له على منازلهم في إدلب وحماة شمالي ووسط البلاد، ولم تشفع لهم الاتفاقيات الدولية التي نصت على وقف إطلاق النار، أو حتى المسمى الجديد “منطقة خفض التصعيد”، الذي أطلقته دول ما زالت تفاوض بعضها على دم الشعب السوري.

إحصائيات النزوح

كشف فريق “منسقو الاستجابة” عن أعداد النازحين الهائلة منذ بداية حملات النظام العسكرية على مناطق سيطرة “الجيش السوري الحر” في إدلب وحماة. وقال الفريق في بيان له (الاثنين 26 آب 2019) اطلعت “بوابة سوريا” على نسخة منه، إن نحو 220 ألف مدني نزحوا من منازلهم في أرياف إدلب وحماة باتجاه الشمال الأكثر أمنًا خلال شهر آب الجاري، بينما تم إحصاء نزوح قرابة الـ 730 ألف شخص منذ مطلع شباط حتى بداية آب من العام الحالي، فيما نزح نحو 80 ألفاً في أوقات سابقة، وذلك بفعل استمرار الأعمال العسكرية والقصف الجوي من قبل النظام السوري وميليشياته وروسيا.

أرياف حلب ومناطق إدلب الحدودية الخاضعة لسيطرة “الحر”، كانت وجهة جميع أولئك النازحين الذين تركوا خلفهم جميع ممتلكاتهم وأرزاقهم وبعضاً من أحبابهم تحت أنقاض منازلهم المدمرة، ليفترش بعضهم الأرض ويبيت تحت أشجار الزيتون، أو يجلس بعضهم الآخر في خيمة لا تكاد تقيهم لهيب الشمس، أو بيتا بإيجار يرهقهم ويزيد من همهم. أما المحظوظون منهم فقد استقبلتهم العائلات المضيافة في مناطق نزوحهم وأسكنتهم بيوتها وأمنت لهم بعضاً مما يحتاجونه.

معاناة النازحين

سامر “أبو حسام”، عامل بنّاء من قرية حزارين بريف إدلب الجنوبي، كان واحداً من أولئك النازحين، حيث اضطر للخروج من قريته قبل نحو شهرين بسبب اشتداد القصف من الطائرات الحربية عليها.

يقول “أبو حسام” في حديثه إلى “بوابة سوريا”: “خرجت سريعاً ببعض الأغراض البسيطة مع زوجتي وأطفالي الستة من القرية في سيارة أجرة، بسبب الخوف الشديد الذي عاشه الأولاد تزامناً مع قصف طائرات مروحية للقرية، وقصدنا مدينة اعزاز واتخذنا من أحد منازلها مسكناً لنا، إلا أننا غادرناه بعد شهر واحد بسبب الأجور الغالية في المدينة”.

ويتابع “أبو حسام” عن الوضع المعيشي الذي عاينه في مدينة اعزاز بقوله: “لم أتوقع أني سأدفع في يوم من الأيام 100 دولار أمريكي إيجار منزل لشهر واحد، فدخل الفرد ضمن المناطق المحررة ضعيف جداً، كما أنني دفعت 10 آلاف ليرة سورية ثمن ثلاثة صهاريح من المياه خلال ذلك الشهر، عدا عن ارتفاع غلاء أسعار الانترنت والمواد الغذائية، فالاستقرار الذي تعيشه اعزاز والمشاريع التي تنفذ فيها تسببت في خلق هذا الاختلاف عن المناطق الأخرى”.

سكن “أبو حسام” مع عائلته لمدة شهر واحد في منزل بالإيجار في مدينة اعزاز، ثم انتقل إلى مخيم عشوائي قرب مدينة الدانا بريف إدلب الشمالي، وقرر أن يسكن إحدى خيامه ويتحمل لهيب الشمس والعيش المرير فيها، إلى أن يهدأ القصف على قريته ويعود إليها.

أما أحمد “أبو رائد”، فبعد نزوحه من قريته الصغيرة قرب مدينة خان شيخون بسبب اشتداد القصف عليها، قرر استئجار منزل يؤويه وعائلته في مدينة الدانا، إلا أنه صدم من المبلغ الذي طلبه صاحب المنزل منه، فقد طالبه بـ 125 دولار أمريكي للشهر الواحد على أن يدفع أجار ثلاثة أشهر دفعة واحدة، الأمر الذي اضطر “أبو رائد” للبحث عن خيمة تأويه أو بناء مهترئ يحتمي فيه. وأثناء عملية البحث، علم “أبو رائد” بوجود منزل فارغ في بلدة حيان شمالي حلب، ومجهز للسكن مجاناً، فما كان منه إلى السكن فيه ولو بشكل مؤقت.

يقول “أبو رائد”: “ساعدني صاحب المنزل في تأمين بعض الحاجيات اللازمة فور وصولنا إليه، وكان استقباله لنا رائعاً ولم نتوقع ما رأيناه من كرم وحسن للضيافة”.

تمكن الكثيرون من أصحاب الحظوظ الجيدة كـ “أبو رائد” من السكن في منازل بشكل مجاني، بعد مبادرات عديدة أطلقتها فعاليات مدنية في أرياف حلب. فقد دعت مجالس محلية عديدة في بيانات لها، النازحين من مناطق إدلب وحماة للإقامة في منازل المدنيين الفارغة والمسكونة إلى أن يأذن الله بالفرج عليهم.

وكان “المجلس المحلي في خان العسل” غربي حلب قد أعلن عن توفر 200 بيت جاهز للسكن في البلدة، وطالب النازحين بالتوجه إلى مبنى المجلس لاستلام البيوت. كما أعلن “المجلس المحلي لمدينة حلب” عن تجهيزه بناءاً ضخماً يتسع لنحو 300 عائلة نازحة قرب بلدة خان العسل، وطالب النازحين الراغبين بالسكن فيه بمراجعته.

إلى ذلك، أطلق أهالي ريف حلب الجنوبي مبادرة لاستقبال جميع النازحين الراغبين بالسكن بينهم، وأعلنوا فيها جاهزيتهم لتوفير جميع متطلبات النازحين.

“جميع تلك المبادرات لم تكن مجرد بيانات، فقد استقبلت قرى وبلدات ريفي حلب الجنوبي والغربي نحو خمسة آلاف عائلة نازحة، في منازل فارغة، ومعظمها بشكل مجاني”، بحسب الناشط الإعلامي عبيدة حياني الذي أوضح أن “المستغلِّين ينتظرون أحداثاً كالتي تعصف بمناطق إدلب في أيامنا هذه، ليظهروا جشعهم وحبهم للمال وعدم مراعاتهم ظروف الأهالي السيئة، بينما هناك الكثير من الأهالي ممن ذاقوا ويلات النزوح في أوقات سابقة وممن عرفوا طعم الإنسانية، شاركوا النازحين مرارة نزوحهم وقدموا لهم ما يستطيعون، ووقفوا إلى جانبهم في محنتهم العصيبة، فشتّان بين هذا وذاك “.

يستمر مسلسل القصف والتهجير حتى يومنا هذا، فطائرات النظام وروسيا تتوغل يوماً بعد يوم في عمق “المناطق المحررة”، وتقصف وتقتل وتهجر المدنيين، في ظل صمت دولي أو بالأحرى في ظل الصمت التركي الذي كلما طال، زادت معه معاناة من بقي من الشعب السوري.

نازحون كثر يتمنون العودة لقراهم وإن كانت ركاماً، فالجلوس على ركام يملكونه أفضل بمئات المرات من أن يتعرضوا للاستغلال من قبل تجار البشر، أو العيش في خيمة لا تكاد تقيهم حر الصيف أو برد الشتاء.

 

guest
1 تعليق
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
trackback

[…] من قرية معصران, عانى من ويلات النزوح هربا من الموت, يقيم في مدجنة بمنطقة الدويلة بدون أبواب […]