هي مأساة اللجوء السوري اتخذت خلال الفترة الأخيرة طابعاً أشد قسوة في بعض البلدان، وخاصة العربية منها، فاختلطت إجراءات التضييق القانونية التي تمارسها السلطات الرسمية في تنظيم إقامة اللاجئين، بإجراءات أكثر مضايقة تفرضها البلديات والمجالس المحلية غير الحكومية، وبنزعات من الكراهية والعنصرية صارت معلنة لدى شرائح معينة من أبناء البلد المضيف. صحيح أنها ظواهر اقترنت باللجوء السوري منذ البدء، ولكنها في الآونة الأخيرة تفاقمت أكثر فأكثر نتيجة التذرع بأن سوريا قد استقرت بنسبة كافية وأن النظام (انتصر) ولم يعد للاجئين أي مبرر في الامتناع عن العودة إلى بلدهم.
كانت البداية من من حلب السورية وأخواتها فر هؤلاء إلى مصر أم الدنيا، ذلك  قبل نحو سبع سنوات هربًا من جحيم الحرب في بلادهم. نعم لم ينتظر البعض منهم الحصول على منح مفوضية شؤون اللاجئين، كما لم يسعْ إلى الهجرة عبر “قوارب الموت” إلى السواحل الأوروبية، واختار أن يبدأ مشروعه الصغير مع أسرته لكسب قوتهم بعد أن فقدوا أغلب ما كانوا يملكون خلال رحلة هروبهم من سوريا.
هكذا كانت البداية الحزينة لعديد القصص القادمة في سبع عجاف، فأحدهم صاحب مطعم صغير للمأكولات التقليدية السورية بأحد أحياء القاهرة لم تتجاوز مساحته 100 متر وأصبح الآن يمتلك سلسلة من المطاعم المعروفة واسمًا تجاريًا له قيمته في هذا المجال. هي نماذج للنجاح في تأسيس عمل يُضاف إلى سلسلة نجاحات آخرى حققها آلاف السوريين المقيمين في مصر على مدى السنوات القليلة الماضية.
واقع الحال أنها استثمارات في مجالات متنوعة. ذلك عندما دخل السوريون إلى العديد من المجالات الخدمية والصناعية في مصر، وتوسعت استثماراتهم في مجال المطاعم والصناعات الغذائية والحرف التقليدية، إلى جانب صناعات المنسوجات وتجارة العقارات والأراضي. رغم ذلك، وعلى غير التقليد، حضر عمل السوريين واستثماراتهم في مصر في الآونة الأخيرة مثار حملة ضدهم بزعم أنها تمول أنشطة مشبوهة وتدير أموالًا مشبوهة لصالح جماعات إسلامية مصنفة كجماعات “إرهابية” بحكم القانون في مصر.
لقد بدأت الحملة من خلال تدوينة قصيرة وضعها نبيل نعيم القيادي السابق بالجماعة الإسلامية في مصر عبر موقع “تويتر” ذكر خلالها أن “النشاط الاقتصادي للسوريين في مصر من أموال التنظيم الدولي للإخوان، ويمثل عمليات غسيل أموال لبعض الجماعات الارهابية”. فهل هو تمويل عبر التنظيم الدولي للإخوان؟. في حديثه للـ”بي بي سي” اللندنية حضر نبيل نعيم متحدثًا ليقول “إنه علم بهذا الأمر بنفسه خلال حضوره أحد المؤتمرات الدعوية في العاصمة اللبنانية بيروت عام 2017 بحضور مفتي الأراضي السورية وبعض العلماء المحسوبين على نظام الرئيس السوري بشار الأسد. وأنهم ذكروا له خلال أحاديث جانبية أن السوريين الذين يقيمون في مصر يديرون مشاريع واستثمارات بأموال التنظيم الدولى لجماعة الإخوان المسلمين وعبر وسطاء من بعض الدول في الإقليم”.
واقع الحال الذي لا يعرفه عديد مثل هؤلاء أنه فضل الكثير من السوريين البقاء في مصر وعدم الهجرة إلى الغرب لتفادي العنصرية والصدمة الحضارية، لكن نبيل نعيم يقول “إن رحلة العودة جمعته على متن طائرة واحدة مع مجموعة من اللاجئين السوريين الذين ذكروا له أنهم يتلقون مساعدات شهرية من مكتب التنظيم الدولي للإخوان، وأن الجماعة استأجرت لكل أسرتين شقة سكنية للاقامة بها، وأنها سوف تعمل على تدبير فرص عمل ومشاريع صغيرة لتدبير معيشتهم في مصر”.
الأمر لم يقتصر على ذلك، فنج مذكرة رفعت للنائب العام المصري، في ضوء هذا الإطار تقدم بها المحامي المصري سمير صبري المعروف بقربة من السلطات المصرية، يطالب فيها النائب العام بوضع الاستثمارات السورية في مصر تحت الرقابة القانونية، وفحص بعض البلاغات التي تشير إلى تورط بعض المستثمرين ورجال الأعمال السوريين في مصر في تمويل أنشطة إرهابية. وإن طالب صبري في بلاغه باتخاذ الإجراءات القانونية للكشف عن مصادر أموال السوريين الوافدين، معتبرًا أنهم غزوا المناطق التجارية في أنحاء مصر، واشتروا وأجروا المتاجر بأسعار باهظة، واشتروا الشقق والفيلات، وحولوا بعض ضواحي العاصمة المصرية إلى مدن سورية، وأبدى صدمته مما وصفه بالنمط السائد للعلاقات الاستهلاكية المبالغ بها والترف المفرط لكثير من هؤلاء السوريين قاطني هذه المناطق. وقال صبري: “قدرت إحصاءات حجم استثمارات رجال الأعمال وأصحاب رؤوس الأموال السوريين، والذين انتقل معظمهم للإقامة في مصر بعد بدء الأزمة، بـ23 مليار دولار، معظمها مستثمر في عقارات وأراض ومصانع ومطاعم ومحلات تجارية وغيرها.
لم يكن عموم المصريين ليندرجو خلف “نعيم وصبري”، فظهر رد الفعل تحت عديد المسميات، منه السوريون “منورين مصر” لكن هذه الحملة قابلها تدشين وسم #السوريين_منوريين_مصر، والذي حظي بزخم كبير وتصدر مواقع التواصل الاجتماعي في رسالة دعم وترحيب بالسوريين على أرض مصر. فلقد نظر الغالبية العظمى من المصريين إلى السوريين على أنهم أخوة وأشقاء، ومن خلال جولة بسيطة تجد رد فعل المواطنين في شوارع القاهرة عن مدى رضائهم عن وجود السوريين في مصر والأنشطة التي يعملون بها، فأغلبهم يصارحك القول إن السوريين يمثلون “نموذجًا ناجحًا للانسان الذي يستطيع النهوض من جديد، وبناء ذاته بعد فقد كل شيء.
الحقيقة أن اغلب السوريين يعملون في مصر في قطاع الستثمار لا يفكر في مغادرة المكان وإنهاء عمله لأنه يحصل على حقوقه كاملة، ويجد كل المعدات والخامات اللازمة لتقديم خدمة جيدة لزبائن المكان. الرقابة مطلوبة ورغم أن عمل السوريين واستثمارتهم المختلفة في مصر حسن كثيرًا من مناخ المنافسة وجودة بعض المنتجات والحرف التي عملوا بها إلا أن البعض يطالب في نفس الوقت ببعض الرقابة لصالح المجتمع. وتشير الأرقام الصادرة من الأمم المتحدة إلى أن إجمالي الأموال التي استثمرها السوريون في مصر منذ اندلاع الأزمة في بلدهم في مارس/ آذار عام 2011 يقدر بنحو 800 مليون دولار، من خلال 30 ألف مستثمر مسجل بالفعل لدى السلطات المصرية. كما تفيد احصائيات المفوضية السامية لشئون اللاجئين إلى أن عدد السوريين المقيمين في مصر والمسجلين لديها يبلغ 130 ألفًا، بينما تتحدث التقارير الحكومية المصرية إلى أن عددهم يتراوح بين 250 ألفا إلى 300 ألف سوري.
لا شك أنها حملة لبعض الجهلاء، استاء من نجاح السوريين في بلدهم مصر. فحاولوا الإساءة إليهم بادعاءات وطنية مزيفة حول تأثيرهم وتغلغلهم الاقتصادي ولكنه شعب مصر وسوريا يقدمان معًا نموذجاً في الوعي والاصطفاف الوطني انتفضوا للدفاع عن السوريين وعزل الأصوات الشاذة المضللة وظهر علي مواقع التواصل الاجتماعي هاشتاج “السوريين منورين مصر” وهو الهاشتاج الذي لاقى تفاعلاً كبيراً وترحيباً ومشاركة من كل طوائف المجتمع.
يبقى أن الموقف المصري العظيم دفع إخوانهم من سوريا إلى أن يتحدثوا عن مصر بكل الفخار والإعجاب بهذا البلد الكبير الذي يقف شامخاً في مواجهة الأزمات والذي لم تمنعه أزماته الاقتصادية عن أن يفتح الباب لاستقبال آلاف من المهاجرين يقدم لهم الدعم والمأوى والمساندة، حتى وإن “عاد الجدل المصري حول استثمارات السوريين”.. لمرات ومرات.

مصدر الصورة : العربي الجديد