منذ انطلاقها، قبل تسعة أعوام، بدت الثورة السورية نسيج وحدها بين ثورات الربيع العربي، في عديد من الأوجه، وذلك بسبب تعقيداتها، ومشكلاتها، وظروف انطلاقها، وأيضا بسبب لجوء النظام إلى أقصى أشكال العنف الوحشي لوأدها منذ البداية، وبسبب المداخلات الخارجية التي اشتغلت للقضاء عليها أو التلاعب بها او إزاحتها عن مقاصدها الأساسية، المتعلقة بالتغيير السياسي وبناء سوريا الجديدة، كدولة مؤسسات وقانون ومواطنين أحرار ومستقلين في إطار دولة مدنية ديمقراطية (لا عسكرية ولا دينية ولا طائفية).
هكذا، عرفت ثورة السوريين باعتبارها الثورة المستحيلة واليتيمة والأكثر صعوبة وتعقيدا و الأبهظ ثمناً، على كافة الأصعدة، بين ثورات الربيع العربي، بل إن تلك الثورة بدت، أكثر من أية ثورة أخرى، محطّة اختبار لاسيما للبعد الأخلاقي والإنساني، على مستوى الجماعات الأيدلوجية والسياسية والدينية والإثنية، وأيضاً على مستوى الأفراد، على امتداد البلدان العربية، بخاصة عند هؤلاء الذين يعلون الشأن الهوياتي على السياسي والمصلحي، وضمنه الشأن المتعلق بالحرية والمواطنة.
لم يكن الأمر صعباً بالنسبة لثورات تونس ومصر واليمن (وبدرجة أقل ليبيا)، إذ كان التعاطف معها، وتأييدها، محسوماً بالنسبة لدعاة اليسار والقومية والعلمانية والليبرالية والديمقراطية والمقاومة، باعتبار أن إسقاط أنظمتها جزءاً من النضال ضد الإمبريالية وإسرائيل، وعملاً من أعمال القومية العربية، ونصرة للمقاومة. بيد أن الأمر لم يحصل على ذلك النحو مع الثورة السورية، إذ تغيّرت المعايير فجأة، إذ أن تلك الثورةـ التي لم تكن متوقّعة، بدت جدّ باهظة ليس من جهة كلفتها البشرية والمادية، فقط، وإنما من جهة كلفتها المعنوية، أيضاً، إذ أنها احدثت انشقاقاً عميقاً في صفوف مؤيدي ثورات “الربيع العربي”، من يساريين وقوميين ومقاومين وديمقراطيين، وحتى من علمانيين وليبراليين، بعد أن بدا أن ثمة من بين هؤلاء من يعترض على مشروعية هذه الثورة، بدعوى أن النظام علماني، ومعاد للإمبريالية، ومحسوب على محور المقاومة والممانعة، وباعتبار أن تلك الثورة هي مجرد مؤامرة خارجية على النظام، في رؤية تصدر عن مواقف جامدة ومسبقة، تعتبر سوريا مجرد جغرافيا وموقع استراتيجي، وليس شعبا له حقوق مشروعة وعادلة.
المشكلة أن الاعتراض على هذه الثورة لم يتوقّف عند معناها السياسي المتعلق بإنكار حق السوريين في الطلب على الحرية والكرامة، أو اعتبارها مجرد مؤامرة، فحسب، بل وصل حد تأييد النظام، أو السكوت عنه، في محاولاته مواجهتهم بالرصاص، وبقذائف الطائرات والدبابات والمدفعية والبراميل المتفجرة، ناهيك عن التنكّر لمعاناتهم وعذاباتهم، جراء التقتيل والتدمير والتشريد الذي تعرضوا له، والمجازر الوحشية التي نفّذت ضدهم، منذ البداية وحتى الآن.
بالنتيجة فقد كشفت الثورة السورية ليس فقط خواء ادعاءات هؤلاء، وتماهيهم مع الاستبداد، واختزالهم سوريا وشعبها بعبارة: “سورية الأسد”، وإنما هي بينت، أيضاً، عدم استقامتهم من الناحيتين الفكرية والأخلاقية.
هكذا كشفت ثورة السوريين المعقدة والصعبة والمكلفة خواء الفكرة “القومية”، القائمة على التعصّب والانغلاق والاستبداد، والتي تفضي ليس فقط إلى نبذ وتهميش الآخر، المتمثل بالقوميات والأقليات الاثنية الأخرى، وإنما إلى صدّ فكرة المواطنة القائمة على المواطنين الأفراد الأحرار والمتساوين، أيضاً، مع اختزالها مفهوم الوطنية بمجرد الولاء للسلطة، أو للطغمة الحاكمة، التي تحتكر تعريف الوطنية والوطن في ذاتها.
أيضاً، فقد كشفت ثورة السوريين الطريقة الاستخدامية لقضية فلسطين، التي تنتهجها إيران، وتابعها وحزب الله، والذين باتوا عاملا من عوامل تسعير النعرة المذهبية، بين السنّة والشيعة، في المشرق العربي، فضلا عن مشاركتهم النظام في قتل السوريين، وتشريدهم، وتدمير عمرانهم، دفاعا عن نظام الأسد “العلماني” و”المقاوم”، علماً أن إيران ذاتها هي دولة استبداد ديني، ودولة تسلطية إزاء شعبها، مثلها مثل الأنظمة التي قامت ضدها ثورات “الربيع العربي”، وعلما أن ميلشياتها المسلحة مثل زينبيون وفاطميون وعصائب الحق وحزب الله لا تختلف كثيرا في ادعاءاتها الطائفية والمذهبية، وفي ممارساتها الإرهابية، عن ما تعتبره ايران جماعات ارهابية.
من المثير، أيضاً، ملاحظة أن الثورة السورية غيّرت من إدراكات السوريين للعالم، فبعد ان كانت روسيا، وريثة الاتحاد السوفييتي، تظهر كصديقة للعرب، وكداعمة لكفاحهم التحرري، على امتداد عشرة عقود، إذا بها تظهر باعتبارها عدوة للسوريين، ولطموحاتهم بالتغيير الديمقراطي، وباعتبارها دولة تسلطية أخرى، تمارس سياسات امبراطورية، وتقمع الجماعات والمكونات القومية والاثنية والدينية فيها، وتبتز مكانة دولية لو على حساب الشعوب وقضاياها. وبالمحصلة فإن سياسات “القيصر” بوتين قلبت ادراكات السوريين من صداقة روسيا الى العداء معها، ومن معاداة الولايات المتحدة والغرب عموما الى نظرة تعتبر الغرب أكثر قربا للسوريين.
ولعل أهم ما كشفته هذه الثورة هو حقيقة النظام ذاته، الذي صدم السوريين (والعالم)، بالتصرف إزاءهم كأنه غريب عنهم، إن بعدم اعترافه بهم كشعب له حقوق، أو باستخدامه الطائرات والدبابات والمدفعية في قمع ثورتهم، كأنه يعرّف ذاته بمثاب قوة احتلال خارجي، تفرض ذاتها بالقوة الغاشمة.
وقصارى القول، فإن إحدى مشكلات ثورة السوريين في إنها لم تحظى على قيادة ناضجة وذات مصداقية، ولا على كيان سياسي جمعي، يعبر عنها، ويشتغل على إدارة أحوالها، وتعزيز مكانتها إن بين شعبها، أو في العالم، بمعنى أن ضعف المعارضة أضر بمصداقية الثورة، وسهل توظيف المعارضة بحسب اجندات هذه الدولة أو تلك، وكل ذلك فاقم حال التنكر للسوريين، لعذاباتهم وتضحياتهم وكفاحهم كما لمطالبهم العادلة والمشروعة.