لم يكن أساس عظمة الدول وتأثيرها في المحيط وما وراء البحار في أيِّ وقتٍ من الأوقات وعلى مرِّ العصور قائمًا على القوَّة العسكرية وحسب، ولم يكن تفوُّق الجيوش في العدة والعتاد عاملاً كافيًا ووحيدًا لهذه العظمة والتمدد.
فكم من إمبراطورية هلكت وتآكلت لعدم امتلاكها المقوِّمات الضرورية لذلك، واعتمادها على التفوُّق العسكري أو شخصية قيادية متفوقة ومبدعة. وما بيزنطة وروما وفارس ومقدونيا الإغريقية واسكندرها الأكبر، وفرنسا ونابليونها وأحلامه الإمبراطورية، ولا النازية وهتلرها ورايخها الثالث، ولا الاتحاد السوفييتي ولينينه، إلَّا أمثلة جلية على ذلك.
وهذا لا يعني بحال عدم امتلاك هذه الامبراطوريات للكثير من المقوَّمات التي تجعل منها قوَّة كبيرة، ولكنَّها تفتقد إلى القدر اللازم الذي يجعل منها امبراطورية ذات تأثير كبير في إقليمها وخلف المحيطات، بسبب ظهور دول أكثر قوةً وثباتًا وتأثيرًا وعدم القدرة على منافستها لفترة طويلة.
ومن هنا، تمتلك روسيا بلا شكَّ الكثير الذي يجعل منها قوَّةً كبيرةً ومؤثرةً، وقبل كلّ ذلك لديها قائدًا طامحًا وذكيًا استطاع خلال فترة وجيزة أن يُحدث تطوُّرات هائلة في الانتقال بالاقتصاد الروسي من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد انتاجي، وخلق نقلة نوعية من حالة صعبة ومزرية عصفت بكامل دول الاتحاد السوفييتي إبان انحلاله وتفككه، وذلك من خلال الانتقال من نظام الاقتصاد المركزي الموجَّه إلى اقتصاد السوق بشكله الرأسمالي الذي كان أساسًا لحجم التطوُّر الكبير كما في الولايات المتحدة واليابان وأوروبا الغربية.
وساعد في ذلك قيم انتاجية ضخمة جدًا من النفط والغاز والكثير من الثروات المعدنية الأخرى والمواد الخام والمواد الأولية، وكميات انتاجية كبيرة من المنتجات الزراعية كالقمح والقطن ووجود قدرات تصنيعية وكفاءات ابداعية هامة، إضافة لتشجيع السياحة وتهيئة البيئة القانونية والاقتصادية المناسبة لجذب الاستثمارات الأجنبية، ولكن كل ذلك لا يزال أقل بكثير من أن تكون قطبًا عالميًا كما يحلم بوتين، إذ يجابه طاغوت الاقتصاد الأمريكي الذي يُشكّل أساسًا لقوة كافة القطاعات الانتاجية والخدمية والعسكرية.
يُحاول بوتين أن يتبع سياسات مغايرة عن سياسات الاتحاد السوفييتي السابق بتغيير شامل في الوضع الداخلي الاجتماعي والسياسي والانفتاح الاقتصادي، ومن خلال نظرة عميقة للمؤسسات السياسية الروسية لا يختلف بوتين كثيرًا عن أيّ ديكتاتور من حيث العلاقة مع أجهزة ومؤسسات الدولة المختلفة من رئاسة الوزراء ومجلس الدوما والقيادات العسكرية وحتى مع الكنيسة الارثوذكسية، التي تعتبر نفسها المرجعية الرئيسية لعموم الأرثوذكس حول العالم.
المشكلة في بوتين القادم من أروقة الاستخبارات أنَّه يُفكر بمجابهة القطبية الأحادية بقطبية مماثلة، وذلك من خلال السعي لجعل روسيا قطبًا عالميًا ثانيًا، وهو بذلك يجعل بلاده وكلّ مكتسباتها عرضة لمنافسة لا تبدو عادلة ولا تأكدها البيانات والأرقام والقيم الاقتصادية الحقيقية، إذ لا بدَّ لأيِّ نفوذ عابر للحدود والقارات أن تدعمه إمكانات اقتصادية كبيرة تؤكدها البيانات السنوية وتصنيف الاقتصاد القومي ومعدلات النمو ومدى الارتفاع المطرد في الدخل المحلي الإجمالي، ومتوسط دخل الفرد على أساس الحصة من الدخل القومي وعلى أساس القدرة الشرائية ومدى توظيف العوامل التكنولوجية في العملية الاقتصادية ومدى مضاعفة الإنفاق الحكومي على المجالات المختلفة العسكرية والاجتماعية والثقافية.
وبمقارنة بسيطة بين الاقتصادين الروسي والأمريكي تبدو الهوة بينهما سحيقة وكبيرة لصالح الاقتصاد الأمريكي، وأضخم من أن يستطيع الاقتصاد الروسي المنافسة والمجابهة والاستمرار بها لفترة زمنية طويلة، ولتستطيع موسكو أن تُمثل قطبًا ثانيًا ومنافسًا لواشنطن عليها أن تحقق الكثير من المقومات ولا تمثل القدرات العسكرية إلا جزءًا منها، فوفق البيانات الأمريكية المؤكدة من البنك الدولي يبلغ الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة 20.4 تريليون دولار سنويًا وهو ما يساوي ربع الناتج الإجمالي العالمي، في حين لا يساوي الدخل الاجمالي الروسي أكثر من 1.5 تريليون دولار.
كما أنَّ متوسط دخل الفرد من الناتج الإجمالي في الولايات المتحدة يساوي 58 ألف دولار سنويًا، في حين لا يساوي في روسيا أكثر من 17 ألف دولار، وتحتل الولايات المتحدة المرتبة الثانية في العالم من حيث التقدم التكنولوجي في حين أن روسيا خارج التصنيف.
وتبدو الهوة بين الاقتصادين واضحة في أنَّ إنفاق أمريكا على البحث والتطوير العلمي يساوي ما مقداره 405 مليارات دولار سنويًا، أيّ ما يعادل أكثر من ربع الناتج الإجمالي لروسيا سنويًا، فضلًا أنَّ السوق الأمريكية هي أكبر سوق استهلاكية في العالم.
كل هذه البيانات الضخمة للاقتصاد الأمريكي والتي أعطته الريادة العالمية منذ القرن التاسع عشر مكَّنت الساسة الأمريكيين من تحقيق قوّة عسكرية متمددة عبر القارات والمحيطات وإحكام السيطرة على حركة التجارة العالمية وأسعار القيم والأسهم في البورصات العالمية وانتشار عملتها الوطنية في المعاملات التجارية الدولية واستجلاب الاستثمارات العالمية الأجنبية إلى أراضيها والذي يساوي ما يعادل 3.5 تريليون دولار.
الاقتصاد القوّي الذي حققته الولايات المتحدة الأمريكية نظرًا لمواردها الضخمة من ثروات باطنية وزراعية وصناعية واستثمارية و تكنولوجية وعسكرية مكّنها من تحقيق تمدد وغزو في أنحاء العالم وفي شتى المجالات منذ بدايات القرن العشرين، وتقديم نفسها – وهذا محلّ شك كبير – كراعية للحرية والتمدن وحقوق الإنسان في العالم، فغير الغزو العسكري من خلال قواعدها في أماكن كثيرة وأساطيلها التي تجوب المحيطات وانتشار صناعاتها ومنتجاتها وحتى قيمها وثقافتها التي حققها غزوها الثقافي والفكري، فالناس في شتى أنحاء العالم تلبس الجينز الأمريكي، وتشاهد الأفلام والبرامج الأمريكية وتأكل الوجبات السريعة الأمريكية.
في حين تبدو روسيا بعيدة عن هذه الإمكانات والمقدرات الواقعية، ولن يستطيع بوتين مهما جمحت أفكاره وأحلامه من تحقيق ذلك، ولن تمكّنه قوّته العسكرية من حلم القطبية لانعدام المقومات الضرورية اللازمة لذلك.
وفي نهاية المطاف، القوَّتان كلتاهما قوَّتان جبريتان تفتقدان إلى الأخلاق والقيم الإنسانية، وبعيدتان كلّ البعد عن قيم الحق والعدالة وتمضيان بغطرسة وعدوانية ومن منطلق بلطجة القوّة في تحقيق ما ترمي إليه الدولتان من مآرب خاصة، وإن تعارضت مع الأمم الضعيفة وشعوبها، لكن تبقى الأمم بأخلاقها، فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا.

*كاتبة سورية

مصدر الصورة: الكرملين