المراقب لمجريات الأمور على مواقع التواصل الاجتماعي يلحظ بلا شك تطورا مضطردا في الحجم والوظيفة، كما ونوعا، التي يقوم بها موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك في العالم بأكمله.
بدأ الموقع عبر مارك زوكربيرغ ورفاقه في شباط سنة ٢٠٠٤ بعدد ضئيل من المشتركين ليصل اليوم إلى مليارين ومائتي مليون مستخدم أي إلى ثلث سكان كوكب الأرض!
في سوريا وحتى العام ٢٠٠٨ كان عدد رواد الفيس بوك لا يتعدى المئات، وربما يصل للآلاف في أحسن الأحوال، غالبيتهم من نخب الفنانين والمثقفين والصحفيين، كان دخول كثير منهم بأسماء مستعارة، زاد هذا العدد بمتوالية معقولة حتى اندلاع ثورة ٢٠١١, ثورة الحرية والكرامة في سوريا.
كان دور الفيس بوك في سوريا الأسد قبل العام ٢٠١١ يكاد يقتصر على نشر بيانات التضامن مع معتقلي الرأي ومتابعة ما تبقى من حراك ربيع دمشق، والتواصل المحفوف بالمخاطر الأمنية، حتى بعد استعمال البروكسي للدخول إلى الموقع المحظور، ولهذا السبب كان لكثير من الشخصيات حسابات حقيقية وأخرى مستعارة.
الناشطون السوريون التقطوا شعلة الثورة من تونس ومصر وبدأوا بإطلاق دعوات التظاهر تضامنا أمام سفارات تونس ومصر وليبيا، عبر صفحات الفيس بوك، كان الفيس بوك هو وسيلتهم الإعلامية الحرة والعملية والمجانية التي لبت احتياجات المرحلة وبسرعة فائقة.
أيام بعد ذلك كانت هنالك دعوات وصفحات عديدة عبر موقع الفيس بوك لما سمي “يوم الغضب السوري”، كان مشتركو الفيس بوك يتزايد عددهم وينضمون بقوة لهذا الموقع، لكن للمراقبة أكثر منه للحديث والكلام والتواصل.
ومنذ أولى مظاهرات درعا كان مشتركو الفيس بوك السوريون يتزايدون عبر متوالية هندسية تلهث للحاق بإعلام بديل حمل رايته الفيس بوك، وانضم الجميع لهذا الركب.
تحول الفيس بوك من موقع للتواصل الاجتماعي ومنظم مبدئي للمظاهرات إلى منبر إعلامي لنشر أخبار المعتقلين والمختفين والشهداء الذين سقطوا تحت التعذيب، تحولت الصفحات من دعوات للتظاهر إلى صفحات رسمية لتنسيقيات وهيئات معارضة كالمجلس الوطني والائتلاف وسواها.
بقي الفيس بوك لسنوات منصة لنقل الخبر بالصوت والصورة وبالفيديو، ورشة عمل كبيرة لتطوير العمل الثوري المتعثر، منبرا لإدانة هيئات المعارضة التي شابها الفساد والمحسوبية لمرات، ولإدانة تجاوزات الفصائل المسلحة، ولفضح أمراء الحرب الذين اعتقلوا واغتالوا الثوار ونكلوا بهم، وبالطبع بقيت بوصلة الغالبية ضد نظام القمع في دمشق.
ومع استمرار هذا النظام في قمعه وارتكاب جرائمه ومجازره المتوالية نقل السوريون صور الجرحى والشهداء وصور القصف المروعة، فقام الفيس بوك بحجب كثير من الصور وحذف فيديوهات بحجة مخالفة معايير المجتمع الفيسبوكي!
جيش الأسد الالكتروني كان يقاتل هنا أيضا وكثيرا ما منع نشطاء وصحفيون واعلاميون وأناس عاديون من الكتابة أو التعليق أو المراسلة نتيجة لحملة تبليغات طالتهم من جيوش “الذباب الالكتروني” السوري والروسي!
استفحل الأمر مع مقتل بلبل الثورة السورية عبد الباسط الساروت حيث حذفت معظم الصور والبوستات التي تشير إلى اسمه وصورته! ما استدعى تواصلا مكثفا من قبل كثر مع إدارة موقع التواصل الاجتماعي لإيقاف ذلك.
واكب الفيس بوك السوريين في كل محطات حلهم وترحالهم ونقلوا عبره مشاعرهم لكن النقلة الأهم في مسيرتهم معه ربما كانت اتاحة الفيس بوك لخدمة البث المباشر، حيث صار بإمكان كل شخص، أيا يكن تعليمه أو ثقافته أو حتى مكانه، أن يعطي رأيا وتحليلا وتوجيها، لكن الصدمة كانت في استخدام خدمة البث المباشر لبث جريمة يقوم بها المستخدم، لم يكن أب مروان حادثة فريدة، بل تكرر الأمر لمرات!
في حادثة اب مروان الذي قام بارتكاب “جريمة شرف” وبثها مباشرة عبر الفيس بوك، ساهمت صدمة المجتمع المتابع بإثارة قضية “جرائم الشرف” بشكل مكثف وتشكيل رأي عام ضاغط ضد العادات والتقاليد البالية.
في حالات أخرى كان لكل بوست تأثير مشابه، فعلى سبيل المثال أثار ما كتبه الباحث والمؤرخ السوري فراس السواح الذي صرح برفضه قبول طلبات المحجبات لاعتباره الحجاب حجابا للعقل، مثيرا من جديد ردود فعل غاضبة في صفوف النخب كما في صفوف السوريين الذين رأوا في كلامه تعاليا وحكما جائرا.
شيئا فشيئا ينتهي دور الفيس بوك بصفته منبرا إعلاميا شخصيا ومجتمعيا، وسيلة إعلامية، ليكرس دوره أكثر فأكثر سلطة، عبر إدارته التي تحجب وتحذف وتبارك وتشجع، وعبر رواده ومنتسبيه الذين يتحولون إلى سلطة بذاتهم، يرددون كلاما أحبوه، يثنون على شخص أو فعل، ويتضامنون، وربما يعاقبون!
وبين الحالات العابرة والصور والفيديو وموجات الأخبار المتلاحقة التي لا تنتهي يشكل الوقت الذي يمضيه الناس على فيس بوك قسطا هاما من وقتهم، ربما يفوق الوقت الذي يقضونه مع أحبتهم وعائلاتهم، ولربما أصبح بشكل حتمي مجتمعا بديلا بكل رموز مشاعره ونقاشاته وتجمعاته وحالاته.
يحتاج السوريون، وهم أصحاب قضية لا يجب أن يضيعوا بوصلتها و يستنزفون طاقاتهم في أي عبث، قضية الحرية والكرامة لكل سورية وكل سوري أينما وجدوا، لا يجب أن تستهلكهم النقاشات الجانبية، ولا أن يأخذهم العالم الافتراضي ومن عالمهم الحقيقي، وهم يواجهون جيش القمع الأسدي وجيوش روسيا وإيران والميليشيات الارهابية في كليهما، الحقيقي والافتراضي.
نحتاج أن نركز في كل ما يبقي شعلة الأمل باقية في وجداننا مع كل صور القصف والمجازر اليومية، وأن نكون ايجابيين أينما حللنا، واقعا وافتراضا، وألا نسمح لأي سلطة بمصادرة حقنا في الاختلاف، وحقنا في ايصال صوتنا، من سلطات القمع الأسدية إلى إدارة الفيس بوك القامعة في كثير من الحالات.
وربما يستلزم الأمر للفترة المقبلة مجموعة من التقنيين والخبراء والكتاب، يديرون هذا التواصل مع إدارة الموقع، الذي أصبح سلطة شئنا أم أبينا، ولربما أصبح تأثيره أكبر من كثير من سلطات الدول وأقوى منها.
نحتاج أدوات فيس بوك، ولكن حان الوقت لنكون نحن المؤثرين فيه، ولا نكون من جديد: المقموعين!

مصدر الصورة : GETTY IMAGES