مازالت السياسة الأمريكية في سوريا عصيّة على الفهم، أو التفسير، بل إنها تبدو مثيرة للحيرة والريبة والتساؤل، سيما مع انقلاباتها وتحولاتها، فمنذ اندلاع الثورة السورية (2011) أبدت إدارة أوباما حماسا كبيرة لعزل وإنهاء النظام، باعتباره غير شرعي وأن عليه أن يرحل، على ما صرح مرارا وتكرارا الرئيس الأمريكي ووزيرة خارجيته (آنذاك) هيلاري كلينتون، وغيرهما، وصولاً إلى بيان جنيف المتعلق بإقامة هيئة حكم ذات صلاحيات تنفيذية كاملة (2012)، كأساس للحل أو للتغيير السياسي.
بيد أن تلك السياسة ما لبثت أن شهدت تراجعا حاداً بعد صفقة الكيماوي (2013)، التي دشّنت بداية الحديث عن تسوية مع النظام، وصولاً إلى تسريب نوع من تفاهم مع روسيا بخصوص الحرب ضد الإرهاب والإبقاء على الأسد في المرحلة الانتقالية، وصولاً إلى القرار 2254 (أواخر 2015)، وبدء الحديث عن السلال الأربع (هيئة الحكم الانتقالية، والدستور والانتخابات ومكافحة الإرهاب) الخاصة بالمبعوث الدولي السابق ستيفان ديمستورا (2017)، وكلها بدت كنوع من تراجع أو مساومة في واقع هيمن فيه البعد الدولي والإقليمي في الصراع على سوريا، الصراع من اجل التغيير السياسي في هذا البلد. أما التطور الأخر الذي حصل في الموقف الأمريكي فيتمثل في ترك سوريا مكشوفة أمام التدخل الروسي (سبتمبر 2015)، بل وترك الأمر لتهميش المسار التفاوضي في جنيف لصالح مسار تفاوضي أخر هو مسار آستانة (2017)، الذي تشارك فيه روسيا وإيران وتركيا.
بعد مجيء إدارة ترامب ظل الاضطراب هو السائد في السياسة الأمريكية إزاء سوريا، رغم “اللاورقة” التي ابتدعها وزير الخارجية الأمريكي الأسبق (تيليرسون)، والتي أكد فيها على التغيير السياسي كشرط لعودة للاجئين السوريين وللشروع بمشاريع الإعمار، كما ورغم بعض الضربات الأمريكية لمواقع النظام. أما التغير النوعي الذي حصل فيتمثل بالجوانب المهمة الآتية، الأول، أن الولايات المتحدة الأمريكية استطاعت فرض منطقة آمنة في ثلث مساحة سوريا (شرقي الفرات) مع دعمها لقوات قسد. والثانية، الدفع بتحجيم الوجود الإيراني في سوريا، مع إطلاق يد إسرائيل في تلك العملية. والثالثة، محاولتها التجاوب مع المخاوف تركيا بخصوص حدودها الجنوبية مع سوريا، والتوافق على غرفة عمليات مشتركة لحزام امن. أي أن تلك الأمور الثلاثة هي التي يمكن المراهنة عليها مستقبلا، بحسب تفاعلات الأطراف الأخرين، وبحسب مدى حسم الإدارة الأمريكية لموقفها، إلا أنه من المبكر القول بذلك الآن، إذ أن إدارة ترامب لها ثلاثة أعوام في سدة الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية، بدون أن تفعل شيئا يذكر لإيجاد حل حقيقي للصراع السوري.
وفي الواقع فإنه لا يمكن فهم السياسة الأمريكية في سوريا من دون مراجعة ما فعلته الولايات المتحدة في العراق (منذ 2003)، لجهة تلزيمه لإيران، وتسهيل صعود نفوذها في المشرق العربي، الأمر الذي أسس لما حصل لاحقاً، من هيمنة إيران في المشرق العربي وتصديعها وحدته المجتمعية والدولتية، ولاسيما في العراق وسوريا، هذا أولاً. ثانياً، لا يمكن فهم تلك السياسة دون ملاحظة أن الولايات المتحدة تتفرّج على ما يحدث دون أن تدفع أي ثمن، ودون أن تتورّط. فمن الواضح أن الإدارة الأمريكية تشتغل على توريط الجميع: روسيا وإيران وتركيا وغيرهم في المعمعة السورية واستنزافهم وإنهاكهم وضربهم ببعض، وهذه ليست إدارة ظهر وإنما لعب وتورية، وليست إدارة صراع أو أزمة وإنما كاستثمار في صراع أو في أزمة، مع إدراكها لواقع قدرتها على التحكم، فهي التي تقرر الحسم ومتى، لأنها هي التي تملك المقدرة وأوراق القوّة. ثالثاً، لا يمكن فهم ما يجري بدون ملاحظة أن إسرائيل هي الرابح الأكبر من التصدع المجتمعي والدولتي في بلدان المشرق العربي، سيما سوريا والعراق، فهي اليوم تبدو البلد الأكثر أمانا واستقرارا لعقود.
وفي واقع الأمر فنحن هنا إزاء دولة كبرى تتعامل ببرغماتية عالية مع القضايا العالمية، من دون أية ثوابت أيدلوجية ولا حتى سياسية، فضلاً عن ذلك فنحن نتحدث عن موقف لدولة كبرى إزاء دولة صغيرة هي سوريا، لم تحسب يوماً عليها، ولا تؤثّر على حساباتها الاستراتيجية، لا السياسية ولا الأمنية ولا الاقتصادية، سيما أنها تعلم أن النظام في هذه الدولة لم يشكّل يوماً أي تحد لها منذ قيامه، بل إنه في المفاصل الحساسة والخطيرة كان ممالئاً لسياساتها ومصالحها. ولعل هذا يذكرنا بمعاني تواريخ مثل: احداث أيلول 1970، التدخل العسكري في لبنان 1976، المشاركة الرمزية في “حفر الباطن” 1990، الانخراط في عملية التسوية التي انطلقت من مؤتمر مدريد 1991)، هذا كله مع الحفاظ على الأمن على الجبهة السورية ـ الإسرائيلية لأكثر من أربعة عقود.
الحقيقة أن المشكلة لا تكمن في الولايات المتحدة وإنما تكمن في فهمنا لها، أي في إدراكنا لمنطلقاتها السياسية ولمصالحها الاستراتيجية، وفي ظنّ البعض عندنا أنها تشتغل في خدمته أو بحسب مفاهيمه ومتطلباته، والمؤسف أن الولايات المتحدة هذه هي التي تملك القدرة على وقف الصراع السوري، لكن السؤال عن إرادتها، أو عن قرارها بحسم ذلك من عدمه، الآن أو في المدى المنظور.

مصدر الصورة : البنتاغون