قبل أربعة أشهر، وبينما كان الطيران الحربي الروسي يدك قرى وبلدات ريفي حماة وإدلب، اضطر محمد الخالد من سكّان مدينة كفرنبل بريف إدلب للخروج من منزله مع عائلته، نازحًا نحو الشمال السوري.

كانت قسوة الحياة في تلك المخيّمات، تجعله يتمسّك بأي بصيص أمل للعودة إلى منزله، فكان يراقب عن كثب أخبار التوصّل لاتفاق روسي – تركي يضمن وقف إطلاق النار في الشمال السوري، للعودة إلى منزله والهروب من مرارة النزوح وظروف حياته القاسية.

غياب الضمانات يمنع الأهالي من العودة

في الثاني من شهر آب الماضي، أعلنت روسيا وتركيا عن التوصل لاتفاق وقف إطلاق النار، فعاد الخالد إلى منزله مع أسرته، لكن فرحتهم بالعودة لم تستمر طويلًا فقد أعلنت قوات الأسد عن استئناف عمليتها العسكرية بعد ثلاثة أيام، ما دفعه للخروج من المدينة على عجل تاركًا قسمًا كبيرًا من أثاث المنزل خلفه.

يقول الخالد لـ “بوابة سوريا”: “تكلفت في المرة الماضية أكثر من 30 ألف ليرة سورية آجار نقل من وإلى كفرنبل، لكن من حسن الحظ أنني كنت قد جددت عقد المنزل الذي كنت قد استأجرته في بلد النزوح مما ترك أمامي فرصة للعودة للمدينة من جديد”.

مع بداية شهر أيلول الجاري، أعلنت روسيا عن هدنة من طرف واحد وتوقف القصف الجوي الذي كان يستهدف قرى وبلدات الريف الإدلبي، لكن غموض تلك الهدنة منع الكثير من أهالي إدلب ومنهم محمد الخالد من العودة إلى منازلهم.

يضيف الخالد: “لا أفكر في العودة في الوقت الحالي رغم مرور أيام على وقف إطلاق النار، لأن

القصف المدفعي على المدينة  ما زال مستمرًا وكأن المدفع لا يقتل”، موضحًا أنّه لا يريد العودة للوقوع في خطأ الهدنة الماضية.

ولم تخلق الاجتماعات الدولية والاتفاقات المنعقدة بين الطرفين الروسي والتركي أجواءًا مناسبة لعودة آلاف النازحيين من ريف إدلب الجنوبي بسبب عدم وجود ضمان لوقف إطلاق النار، ما ترك المخاوف لدى الأهالي الذين رفض معظمهم العودة، في حين أن من عاد في الهدنة الماضية تكبّد مرارة النزوح مرّة أخرى، فالهدنة كانت سارية لكنَّ القصف والعمليات العسكرية استمرّا.

ووثّق فريق “منسقو الاستجابة” من توثيق نزوح أكثر من 197 ألف عائلة من المناطق منزوعة السلاح حتى تاريخ 21 أغسطس الماضي.

تفرّد روسي بالقرارات

إعلان وقف إطلاق النار جاء عبر بيان صادر عن “المركز الروسي للمصالحة في سوريا” جاء فيه أنه تم التوصل إلى اتفاق “لوقف إطلاق النار أحادي الجانب من قبل القوات الحكومية السورية اعتبارًا من الساعة 6:00 في 31 أغسطس/آب”.

يرى المحامي عبد الناصر حوشان : “أن تفرد الروس بالقرارات المتعلقة بالمنطقة ومحاولة تنصلهم من القرارات الدولية سابقًا يضعهم موضع الاتهام والشك في كل وقت، إذ من المفترض أنّه وفق اتفاق استانا فإن وقف اطلاق النار في المناطق المحررة، يفرض أن تكون هذه المناطق آمنة ولكن تم احتلالها من قبل النظام والروس مؤخّرًا”.

يشرح حوشان أن ذلك يعني أن الأمر كان متروكًا للناس بالعودة الطوعية إلى مناطقهم كونها خارج سيطرة النظام، ولكن الروس بمكرهم نقضوا الاتفاق ونسفوا وقف إطلاق النار وتمادوا في شن حرب على ما تبقى من مدنيين وأجبروهم على النزوح والهجرة.

بحسب المحامي ذاته، فإن الروس التفّوا على قرار وقف إطلاق النار الوارد في اتفاقات جنيف والقرار 2254 وعملوا إلى تحويله إلى اتفاق خفض تصعيد لتُتاح فرصة أمام النظام السوري لنقض هذا الاتفاق في أي وقت وتحت أي ذريعة وهذا ما حدث مؤخًرا.

كما أن غياب الضمانات التي تمنح الأهالي الثقة بالعودة والمصير المجهول للكثير من المناطق ساهمت بشكل رئيس باستمرار نزوحهم.

يتابع الحوشان: “في الحرب لا يوجد ضامن وفي، ولا ضمانات آمنة لأن الضامنين هم أطراف أساسية في المشكلة السورية ولا يتمتعون بأي حيادية”.

استفادة من الهدنة بسحب الأثاث المنزلي

وبينما تفقد الكثير من الأسر النازحة الثقة باتفاقات وقف إطلاق النار، وجد البعض منهم فرصة بهذه الاتفاقات للعودة إلى منزله وسحب الأثاث والحاجيات الثمينة التي لم يتمكّن من سحبها خلال عملية النزوح، خوفًا من وصول قوات النظام التي اعتادت سرقة محتويات المنازل.

ينفض أبو عمر غبار القصف عن بعض أساسه ويتابع بحثه بين الركام عن ما يمكن الاستفادة منه من أدوات المطبخ الذي انهار نتيجة برميل متفجر سقط قرب منزله في مدينة معرة النعمان.

يقول أبو عمر: “حين بدأت الإشاعات تتسرب عن اقتراب إعلان الهدنة بدأت أحلم بالعودة للمدينة وترميم ما تدمر من منزلي الذي بت أراه قصرًا بعد أن عانيت من معيشة الخيام، لكن حين تم الإعلان عن الهدنة تلاشت كل الأحلام وصار منتهى حلمي الوصول إلى منزلي وإخراج كل ما يمكن منه بهدف الاستفادة من سعره قبل أن يتدمر ما تبقى من منزلي بقذائف المدفعية التي ما تزال تستهدف ريف إدلب الجنوبي”.

يتابع أبو عمر: “يتشارك الكثير من أهالي ريف إدلب بتلك المخاوف، وبإمكانك أن ترى أعداد السيارات الكبيرة التي تعبر الطريق الدولي محملة بالأثاث والأدوات المنزلية ومتجهة من ريف إدلب الجنوبي باتجاه مناطق الشمال، فالناس فقدت ثقتها بالاتفاقات الدولية وتريد أن ترى نتائج ملموسة على أرض الواقع” يضيف متهكما “كيف أثق بالهدنة ومدافع الأسد موجهة إلى منازلنا؟”.

بحسب الناشط الصحافي شحود الجدوع، فإن “النظام غدر المدنيين واستمرَّ بالقصف الذي يطال بشكل يومي قرى وبلدات ريف إدلب الجنوبي على الرغم من إعلانه لوقف إطلاق النار ناهيك عن ضبابية الموقف التي لم تسمح للناس بالتكهن عن مصير المنطقة ما شكّل عائقًا أمام عودة آلاف المدنيين إلى منازلهم”.

تمنيات بعودة الاستقرار

يأمل الكثير من مزارعي ريف إدلب استمرار الهدنة لأكبر وقت ممكن حتى يتمكنوا من جمع محاصيلهم التي انتظروها لعام كامل.

يعمل أبو محمد بشكل شبه يومي في مزرعته بمدينة كفرنبل بهدف استغلال الهدنة وجمع محصوله من التين لهذا العام ويقول: “يحتاج جمع التين لفترة من الزمن فأغلب مزارعي كفرنبل ينتظرون ثمار التين حتى تجف على أشجارها ثم يبدأون بجمعها وتلك العملية تحتاج وقتًا طويلًا”.

وأضاف: “بعد تفقد الثمار الجافة وجمعها يجب نشرها تحت أشعة الشمس ليكتمل جفافها ثم تجمع وتباع، وتلك العملية تحتاج أجواء مناسبة ولا يمكن القيام بها إلا في فترات الهدوء”.

ويبيّن أن التين من أهم المحاصيل الزراعية التي يعتمد عليها أهالي كفرنبل بشكل خاص وجبل الزاوية بشكل عام وقد استغل مزارعو المنطقة أيام الهدنة بجني محصولهم في ظروف أفضل من سابقتها، لكن “تلك الظروف لم تكن جيدة بالقدر الذي يسمح لنا بالإقامة في كفرنبل من جديد، لذا تركت أفراد عائلتي بمدينة دركوش وأعمل على جمع الموسم بمفردي لأعود إلى دركوش بعد الانتهاء من الموسم” يضيف.

ويتمنى أبو محمد مع الكثير من مزارعي المنطقة الوصول لهدنة طويلة لأن موسم الزيتون الذي يعتبر محصولًا مهمًّا في إدلب كونه مصدر دخل معظم أهالي ريف إدلب اقترب، ولكن في حال استمرت الأوضاع الأمنية على هذا النحو لن تتمكن معاصر الزيتون أو ورشات القطاف من مزاولة عملها لأن طائرات الاستطلاع متواجدة بشكل شبه دائم وترصد أي تجمع للسيارات بهدف استهدافه بالقذائف المدفعية والصواريخ، بحسب أبو محمد.

مدنيّون تحدّوا القصف

على الرغم من خطورة الإقامة في ريف إدلب الجنوبي إلا أن الكثير من المدنيين مازالوا مقيمين في منازلهم رغم الخطر وغياب الخدمات الأساسية.

مصطفى أبو أحمد، يقيم في بلدته معرتحرمة رغم نزوح غالبية أهلها باتجاه مناطق الشمال إلا أن حالته المادية وقفت حائلا أمام نزوحه، ويقول: ” الموت في بلدي أسهل من مرارة النزوح واستغلال بعض الانتهازيين فقد جربت النزوح في فترات سابقة ولم أتمكن من تحمل تكاليف الآجار والحياة الجديدة، لأنَّ آجار المنزل الذي سأقطن به في المناطق الحدودية يكفيني لمدة شهر كامل”.

يضيف أبو أحمد: “تعيش في هذه البلدة أكثر من مئة عائلة في ظروف إنسانية سيئة وسط غياب كامل لمقومات الحياة الرئيسية لكننا نعتمد في تأمينها على المناطق القريبة والمأهولة بالسكان”.

ويرى أبو محمد أن نظام الأسد يعمد لإفراغ تلك المناطق من ساكنيها، وأنّه من واجب الأهالي كسر إرادة الأسد والتشبث بتلك المناطق.