مجدداَ.. ومنذ أيام تزهق روح إنسانة على يد أهلها وأقربائها بحجة الشرف المزعوم، (إسراء غريب) الفتاة التي كانت تعمل منذ عامها العشرين، والتي خطبها شاب رسمياً من أهلها، تقتل فقط لأنها خرجت معه إلى إحدى المقاهي.
كل من قرأ عن الجريمة النكراء، تعاطف وصلى لروح إسراء وصب جام غضبه على عائلتها المكونة من والديها وصهرها وقريبتها، وأخوها القاطن في كندا والذي جاء خصيصاَ لقتلها، تاركاً ورائه كل اندماجه الفكري والمجتمعي.. لكن ما إن وطئ بلدته حتى خلع أفكاره، كمن يخلع عنه حذائه عند عتبة المنزل.
الجميع غاضب من أشخاص هم فقط ينفذون شريعة الغابة التي تربوا عليها منذ نعومة أظفارهم، وتتلمذوا على عادات وتقاليد وقوانين بالية تدعم قتل الأنثى بطرق أكثر تطوراَ من العصر الجاهلي..
بعد أن أصبحت قصة إسراء قضية رأي عام في فلسطين، أصبح القائمين على السلطة هنالك يتوعدون بمعاقبة القتلة، إن ثبت أنهم فعلاَ من قتل إسراء.
فالتقرير الشرعي للأسف يقول إنها سقطت من الشرفة ومن ثم توفيت بجلطة بعد ان تلبسها الجن!!! ضاربين عرض الحائط كل التسجيلات الصوتية والتي تصرخ بها من الضرب!!
لكن.. وبرغم كل الظروف التي أحاطت بقضية إسراء من حدوثها في فلسطين كوطن يعيش الحرب والظلم ويفتقر إلى وجود قوانين حقيقية ناظمة للأسرة وتحمي الأفراد، لوجود الكيان الصهيوني وبعض الفصائل الدينية التي تعطل كل شيء، استطاعت النيابة العامة في فلسطين أن تقف بوجه الوحش في نفوسهم وتحيل كل من له علاقة بقتلها إلى القضاء بجرم الفتل العمد، لينالوا جميعاَ ما اقترفت إياديهم.
ستمر إسراء على الجميع كعاصفة هوجاء، لكنها ستسكن مجدداَ وتذوي قصتها طي النسبان وستمر بعدها عشرات القصص لنساء يقتلن بدم بارد تحت بند اللا شرف كما مرت جرائم قتل لنساء قبلها وغمرت أرواحهم أتربة الجهل.
جرائم الشرف قد نبرر وجودها في فلسطين لأسباب اجتماعية تخص البلد؛ لكن ماذا عن بلد يدعي التحضر والعلمانية كما سورية. بلد أزهقت فيه أرواح العديد من الفتيات وحتى النساء المتزوجات على يد عائلاتهن بتسهيل من القائمبن على القوانين البالية، ففي زمن الأسد الأب كانت جرائم الشرف والأخذ بالثأر ذائعة الصيت في سوريا.. ولأن مصالح الأسد لا تتوافق حينها مع جرم الأخذ بالثأر المتواجدة في المناطق الشرقية والتي كان يعفى مرتكبها من العقوبة.
لأنها تهدد أمن العشائر التي تربطه بها اتفاقيات غير معلنة تتضمن الحفاظ على مصالحه لديهم، تم إلغاء المادة المحلة للجرم واعتبر جرم الأخذ بالثأر يعاقب عليه بعقوبة القتل العمد، فأدى ذلك إلى تراجع الجريمة حتى باتت غير موجودة ضمن المجتمع السوري، بينما بقيت جريمة الشرف موجودة وتعفي فاعلها من الجرم.
وأي جريمة قتل من أي أخ أو زوج واقعة على إحدى قريباته كان يتم تغطيتها واعتبارها خطأ كميزة من ميزات الأسد التي تبيح القتل تحت مظلة قوانينه ازدادت الحملات والمطالبات من جمعيات حقوقية وأشخاص يؤمنون بحق الإنسان في الحياة والحماية، ضمن حملات توعية ومحاضرات وعرائض منذ التسعينات، وكانت المطالبات ترتكز على جعل الجريمة تستحق عقوبة القتل العمد وليتحمل من يثور شرفه العقوبة المترتبة على فعله. فكان أن الغيت المادة (548) من قبل الأسد الابن التي تحل القتل بدافع الشرف، واستبدلت بعقوبة سنتين وبعدها رفعت العقوبة لسبع سنوات، لكن للأسف العقوبة كانت تخفف حتى ستة أشهر، هذا إذا ثبت الجرم فعلاً..
بينما بقيت المادة (192) داعمة لأي قتل للنساء في سوريا وآخرها كانت روح الشابة فاديا أبو حسون التي قتلها والدها بسلاح حربي بسبع طلقات، فقط لأنها تأخرت عن المدرسة وتم اعتبار الجرم حادثة بالخطأ.. فليس من مصلحة النظام إلغاء المادة نهائياً لأنه بذلك يزعج رجال الدين، الحليف القوي الداعم لوجوده في السلطة، وبالرغم من كل المطالبات.. رفض المشرع السوري مساواة هذه الجريمة بجرم القتل العمد.. على الرغم من مطالبة رأس النظام آنذاك وزوجته بشكل شخصي من محامين وقضاة وشخصيات عامة معروفة.
في عام 2010 أصدرت الأمم المتحدة تقريراَ بجرائم الشرف لتتصدر سوريا المركز الثالث بعد اليمن وفلسطين، وفي علم 2016 أصدر النائب العام في دمشق تقريراَ يبين فيه أن جرائم الشرف ازدادت أربعة أضعاف في الحرب ولا توجد إحصائيات رسمية لأماكن وأرقام ثابتة، فجرائم الشرف تقع في المناطق الموالية تحت سيطرة النظام وفي المناطق المحررة، وحتى ضمن الأماكن التي تسيطر عليها فصائل دينية، فالقتل بات موروثاً اجتماعياَ، يلقى المغفرة والتسامح والتشجيع كذلك.
السخرية أننا نطالب رئيساً يفترض نفسه علمانياً ومنفتحاً على حضارات العالم و مجتمعاتها وتطورها وقد درس في بريطانيا الطب الذي يفترض بصاحبه أن يكون أكثر إنسانية، وتزوج من امرأة تدّعي عملها الدؤوب على قوانين المجتمع المدني ، وترعى العديد من الجمعيات الخيرية ولا تفوت اي فرصة لالتقاط الصور هنا وهنالك.
والسخرية أن سفاحاَ قام بقتل شعب بأكمله ما بين قصف واعتقال وتغييب.. ويشوه صورة كل من هرب باحثاَ عن رقعة للحياة بكرامة.. فقط لأنه يريد سورية كورقة لقوى خارجية يعمل كأجير لديها.
والذي قام يقتل كل من كان مقرباً منه حين رتب لهم كمين اجتماع خلية الأزمة.. وقام بتفجيرهم بالمبنى كاملاً بمن فيهم زوج أخته الوحيدة.. ونفيها قسراَ إلى الخليج بعد تهديدها بأن يلقى أولادها ذات المصير لو فكرت بإدلاء أي تصريح.
هو ذاته الذي حالياَ يقوم بتجريد شريكه وقريبه مخلوف من سطوته بالتدريج تمهيداَ لنقلها لآل الأخرس، والمخزي أن تتحول قصة مرض السرطان لزوجته قضية رأي عام، ليتسول شفقة وحزن القطيع الداخلي بينما منذ أيام تنتحر طفلة من جسر الرئيس بسبب الجوع والتشرد ولم تحرك في المجتمع السوري قيد أنملة، نحن نطالب إلغاء جرائم الشرف ممن لا يملكون في حياتهم أدنى شرف.