تعرض الصراع السوري لانزياحات عديدة، ونوعية، إذ أنه لم يعد هو ذاته لدى اندلاع الثورة، في مطلع العام 2011، باعتبارها صراعا من أجل التغيير السياسي، بين طرفين الشعب أو أغلبيته من جهة، الذي يتطلع للحرية والكرامة والمواطنة والديمقراطية، والنظام من جهة أخرى، الذي حكم البلد لعقود، وحولها إلى مزرعة خاصة، تحت شعار: “سورية الأسد إلى الأبد”.

وكما شهدنا فقد حافظ ذلك الصراع على طابعه السياسي رغم التحول نحو الصراع العسكري، الذي بدأ وتسبب به النظام وطبعه بطابعه العنيف والوحشي، ورغم تحول المعارضة نحو الصراع بالسلاح، سواء عن مراهنات خاطئة وغير مدروسة، أو كاستجابة غير واعية لاستدراجات النظام، أو بدفع من أطراف خارجية؛ وهذا هو التحول الأول.

بيد أن ذلك الصراع بدأ يتخذ وجها أخر، في تحول ثان، سمته العسكرة والتطييف، وهو أيضا ناجم عن سياسات النظام الذي استعان بميلشيات طائفية ـ مذهبية مسلحة، من لبنان والعراق، دون أن يعفي ذلك أن ثمة دفع بهذا الاتجاه، من بعض الاتجاهات السياسية المعارضة، ومن أطراف خارجية، هي ذاتها التي شجعت على العمل المسلح، ما أدى إلى ترابط ظاهرتي العسكرة و التطييف، مع تحميل النظام المسؤولية الأساسية عن كل ما جرى في سوريا، وضمن ذلك اندلاع الثورة، لسده الأبواب أمام أي تحول سياسي طبيعي وتدريجي، ولأخذه البلد نحو الحسم العسكري، بإقحامه الجيش والقوى الأمنية بالصراع، بل وانتهاجه القوة الوحشية العاتية ضد المدنيين، في ما يعتبره بيئات حاضنة شعبية.

التحول الثالث يمكن تمثله بضعف البعد الداخلي للصراع، على جبهتي النظام والمعارضة، لصالح الأطراف الخارجية، وقد تم تدشين ذلك مع صفقة الكيماوي (2013)، حيث أضحت سوريا مجالا لتدخلات الأطراف الخارجيين، وقد بلغ ذلك ذروته، مع التدخل الروسي العسكري المباشر (سبتمبر 2015)، بعد التدخل إيران وميلشياتها، منذ البدايات، وقبيل التدخل التركي (بدءا من عملية درع الفرات أواخر 2016)، وأيضا قبيل الدخول الأمريكي على الخط، بأخذ منطقة شرقي الفرات، وتحويلها إلى منطقة نفوذ أمريكي، بحيث يمكن التحقيب للتدخل العسكري المباشر، وفقا للدول، على النحو الآتي: إيران، روسيا، تركيا، الولايات المتحدة الأمريكية، وطبعا فقد كانت إسرائيل دخلت على الخط، بطريقة أو بأخرى، لكن ذلك ازداد بصورة ملحوظة بدءا من العام 2017.

التحول الرابع، يمكن ملاحظته بإنشاء تحالف آستانة، مطلع العام 2017، من الدول الثلاث، روسيا وتركيا وإيران، فمع هذا التحالف، الذي أخذ تركيا إلى التنسيق مع دولتين شريكتين للنظام في قتل وتشريد السوريين، بدا أن الثورة السورية دخلت في حقبة مجهولة المعالم، أو إنها أضحت رهنا بأجندة خارجية، لا تتساوق مع تطلعات الشعب السوري، ولا مع سلامة مسار ثورته. ففي ظل ذلك التحالف تم نقل الجهد الدولي من القرار المتعلق بتشكيل “هيئة انتقالية ذات صلاحيات تنفيذية كاملة”، بحسب منطوق بيان جنيف 1 (2012)، وحتى من الحديث عن مرحلة انتقالية بحسب منطوق بيان فيينا وقرار مجلس الأمن الدولي 2254 (أواخر 2015)، إلى سلال ديمستورا الأربعة (2017)، المتعلقة بالحوكمة، والدستور، والانتخابات ومكافحة الإرهاب، بل إن تلك البنود تم تقزيمها، في مسار استانا التفاوضي، إلى وقف القتال، أو “خفض التصعيد“، وحل القضايا الإنسانية، كمقدمة للحل السياسي، في حين، في الواقع، لم يجر الالتزام بأي بند من تلك البنود، بل على العكس إذ ازدادت وتيرة الصراع المسلح، سيما بعد دخول روسيا على خط القتال مباشرة، لصالح النظام منذ سبتمبر 2015، أي منذ أربعة أعوام، الأمر الذي اضعف المعارضة كثيرا.

لكن مع قمة ثلاثي آستانة، التي عقدت مؤخرا في أنقرة، بين رؤساء روسيا وإيران وتركيا، بينت أننا إزاء حقبة جديدة، خامسة، تتمثل باختزال الصراع السوري بمجرد تشكيل لجنة دستورية، أي ليس بمحتوى الدستور، بمعنى أننا سنشهد في الأشهر القادمة، وربما الأعوام القادمة، تجاذبات بين كل الأطراف حول الكلمات والمصطلحات والفقرات والمرجعيات الدستورية، فقط ابتغاء تقطيع الوقت، أو تعويم النظام، أو تعزيز نفوذ هذا الطرف أو ذاك، إذ أن تشكيل اللجنة من قبل الدول المذكورة، وليس من قبل الشعب السوري، وتركيبتها من الأطراف الثلاثة (النظام والمعارضة والمجتمع المدني)، تنطوي على مشكلة كبيرة إذ ثمة مشكلة في ظل طرف من تلك الأطراف، ناهيك عن افتقار تلك اللجنة للمعايير أو المؤهلات، التي يفترض أن يتمتع بها أعضاؤها.

والمعنى أن اختزال الصراع السوري بمجرد تشكيل لجنة، لا هوية ولا شغل ولا قرار لها، لا يفيد إلا بتعزيز التلاعب بمصير سوريا، والقفز فوق إرادة شعبها، لاسيما المتعلقة بالتغيير السياسي، من خلال الدخول بدوامة صراعية جديدة اسمها الدستور، في واقع لا يوجد فيه أي مناخ يتعلق بالحسم، أي وقف الصراع الدائر، والتحول نحو الحل السياسي، إذ حتى الآن لا توجد تغطية سياسية حقيقية لهذه اللجنة، ما يعني أنها ستكون مجرد ديكور، أو تغطية، للدول الثلاث، التي تجري بينها مباحثات من حول مصير سوريا والسوريين، في غياب أي طرف سوري، سواء من النظام أو المعارضة.

وبشكل أكثر تحديدا، لا يمكن الحديث عن دستور، أو لجنة دستورية، بدون مواصلة الكفاح من أجل التغيير السياسي، ولا يمكن الحديث عن تغيير سياسي بدون نزع الفكرة القائلة إن سوريا هي بمثابة مزرعة لبيت الأسد، وفقا لشعار: سورية الأسد إلى الأبد، ولا يمكن لهذا وذاك أن يحصل إلا بدستور وفق قيم عليا، تتأسس على الحرية والكرامة والعدالة، وتاليا لذلك في دولة تقوم على المؤسسات والقانون والمواطنين، وفقط.

مصدر الصورة: موقع الرئاسة التركية