بعد بدء الحملة العسكرية الأخيرة التي يشنها نظام الأسد وروسيا والمليشيات الإيرانية على ريف إدلب الجنوبي منذ نهاية نيسان الفائت، نزحت مئات الآلاف من العائلات نحو المناطق الحدودية في ريفي إدلب الشمالي والغربي، فبدأت تظهر معاناة النزوح، بداية من تأمين المسكن، ثم تأمين فرص العمل، ومستلزمات الحياة اليومية، وليس انتهاء عند معاناة تسجيل الأطفال النازحين في المدارس وما يرافقها من معاناة وصعوبات مع بدء العام الدراسي الجديد.

وشكل النزوح ضغطاً هائلاً على المدارس مما أدى لعدم استيعابها أعداد الطلاب الكبيرة، إضافة لصعوبات تأمين المستلزمات المدرسية، والتي تضاف إلى قائمة المصروفات والاحتياجات الضرورية للنازحين. 

 

أطفال بعيدون عن المدارس

الكثير من النازحين اختاروا بناء خيمهم في مناطق جبلية نائية بعيدة عن القرى والمدن، وهذا يعني أن أطفالهم لن يكونوا في مقاعد الدراسة، بسبب عدم توفّر مدارس قريبة من الخيم. 

محمد سعيد، نازح من مدينة كفرنبل ويقيم في منطقة الكفير الحدودية بالقرب من مدينة سرمدا، يقول لـ “بوابة إدلب”: “عندما نزحنا تحت القصف لم يكن في أيدينا اختيار المنطقة التي نريد الإقامة فيها، بسبب صعوبة تأمين منزل للسكن، أو بسبب غلاء أجور المنازل، ما دفعنا لاختيار هذه المنطقة الجبلية البعيدة لنقيم فيها”. 

يضيف سعيد: “لكنني اليوم أفكر كثيراً في كيفية تأمين أبنائي في المدارس، فليس أمامي خيارًا إلا أن أقوم بنقلهم عبر دراجتي النارية ذهاباً وإياباً إلى إحدى المدارس القريبة من المنطقة في مدينة سرمدا أو بلدة كفردريان”.

لم تكن حالة محمد عبد الكريم الذي يقيم بالقرب من قرية رأس الحصن الحدودية أفضل، فهو يحاول استئجار منزل في القرية ليتمكن من تسجيل أبنائه في مدارسها.

وقال عبد الكريم لـ “بوابة إدلب”: “مع وصولي إلى المنطقة الشمالية لم أفكر بقضية المدارس لأن الهم الأكبر بالنسبة لي كان النجاة بعائلتي من القصف وإيجاد مأوى للمكوث فيه، لذلك أقمت في إحدى المزارع على طريق حارم – سرمدا، لكنني اليوم أحاول استئجار منزل في قرية رأس الحصن لأتمكن من تسجيل أبنائي في المدرسة، وحتى اليوم لم أوفق بمنزل مناسب، وليس لدي الكثير لأن الموسم الدراسي بدأ فعلًا”.

 

مدارس لم تعد قادرة على الاستيعاب

يقدّر فريق “منسقو استجابة سوريا” عدد النازحين نحو الشمال السوري إلى ما يقارب مليون و400 ألف شخص، وهو الأمر الذي شكّل ضغطًا هائلًا على المناطق التي توجه إليها النازحون.

وبالطبع، لم يكن قطاع التعليم بعيدًا عن المنشآت التي تعرّضت للضغط السكّاني الهائل، حيث أن المدارس في تلك المناطق غير قادرة على استيعاب تلك الأعداد الكبيرة من الأطفال النازحين. 

تقول عبير، وهي مديرة مدرسة في إحدى مدارس المدن الحدودية لـ “بوابة إدلب”: “صدرت تعليمات من مديرية التربية بإدلب، تقضي بقبول جميع الطلاب النازحين في مدارس المناطق التي يقيمون فيها، لكن هذا القرار لن يحل المشكلة لأن القدرة الاستيعابية للمدارس أقل بكثير من الواقع الحقيقي” معتبرةً أن هذا الوضع سوف يؤدّي حتمًا إلى حرمان الكثيرين من التعليم وذلك بسبب انعدام الخيارات والبدائل”.

 

المدارس الخاصة للميسورين فقط

يلجأ البعض إلى حلول بديلة في تأمين المدارس لأبنائهم، ومنها المدارس الخاصة التي أصبحت اليوم أحد الحلول، لكنها مكلفة لدرجة تجعلها غير متاحة إلّا لطبقة محدّدة من الميسورين مادّيًا.

يقول رامي العلي من سكّان الشمال السوري لـ “بوابة إدلب”: “لديّ طفلان، حاولت تسجيلهما في المدارس الحكومية، ولكن بسبب الضغط الكبير وزيادة أعداد الطلاب لم تستطع بعض المدارس استقبالهما، ما دفعني للتفكير في تسجيلهما في إحدى المدارس الخاصة.

ويضيف: “على الرغم من أنَّ التكاليف تصل في المدرسة الخاصة إلى 15 ألف ليرة سورية للطالب الواحد شهريًا إلا أنني أخذت قراري بتسجيلهما فيها”.

 

مدارس في العراء

على الرغم من معاناة النزوح ومصاعبه، إلا أن البعض رفض الاستسلام للواقع الجديد، ولا سيما النازحين المقيمين تحت أشجار الزيتون. 

وفي ظل الغياب شبه التام لعمل المنظمات الإنسانية ودورها في تقديم المساعدة للنازحين في الحملة الأخيرة، عمد بعض النازحين إلى تعليم أبنائهم تحت أشجار الزيتون إيماناً منهم بأن مستقبل أبنائهم خط أحمر لا يجوز التفريط به.

أحمد العلي نازح من ريف إدلب الجنوبي قام بتسجيل أولاده الثلاثة في مركز التعليم الذي افتتح في مكان إقامتهم المؤقت على الحدود السورية التركية. 

يقول لـ “بوابة إدلب”: “نزحنا في العطلة الصيفية، وفي بداية الأمر أقمنا في تجمع للنازحين تحت الأشجار بينما نجد مخيماً نستقر فيه، ولكن حتى يعلم الأطفال أن لا مستقبل لهم بدون العلم، قمنا بالتنسيق مع إحدى المعلمات النازحات لتقديم دروس تقوية في مادة اللغة العربية”.

وأضاف أن المعلمة استجابت لمطالب النازحين وبدأت بدورة تقوية شملت معظم أطفال المخيم” ويتابع حديثه:” لكن فيما بعد انتقلنا إلى منطقة مخيمات أطمة وقمت بتسجيل أبنائي في المدرسة التي تتبناها إحدى المنظمات التعليمية”.

 

المستلزمات المدرسية مشكلة إضافية

لا تقتصر معاناة النازحين على تأمين سكن قريب من المدارس التي يتعلم فيها أولادهم، بل هناك صعوبات أخرى منها تأمين المستلزمات المدرسية باهظة الثمن، في ظل النزوح وسوء الوضع المادي للنازحين الذي ترافق مع ارتفاع سعر صرف الدولار، والذي انعكس على ارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية بشكل عام. 

يقول أبو سليم من بلدة حاس لـ “بوابة إدلب”: “أنا موظف براتب 150 دولار شهرياً، أدفع منها 50 دولاراً أجرة المنزل بشكل شهري، ومن المفترض أن يكفي الباقي لدفع مصاريف الأمبيرات “الكهرباء” والماء والطعام واليوم أضيف إليها مصروف المدارس من قرطاسية وكتب، وهذا أمر مرهق للغاية”.

وينطبق هذا الحال من يتقاضى راتباً قليلاً، فكيف حال من يعيش بلا مرتب مع انعدام فرص العمل وزيادة نسبة البطالة؟.

سليم الأحمد عامل في مجال العمار (الباطون) يعمل بمبدأ اليومية تحدث قائلاً: “أعمل في ورشة إعمار، وقبل النزوح كنت أعمل في ورشة بناء، لكننا بعد النزوح تفرقنا في مناطق مختلفة، مما يدفعني للبحث عن عمل بشكل يومي، فأحياناً أوفق والكثير من الأحيان أعود إلى المنزل بلا عمل.

يتسائل الأحمد: “في ظل هذا الوضع كيف سأتمكن من تأمين المستلزمات المدرسية لأولادي الأربعة مع قدوم العام الدراسي الجديد”، لكنه يشير إلى أنّه لن يحرمهم من التعليم حتّى لو اضطر للاستدانة من الأصدقاء”.

بين معاناة النزوح، وواقع المدارس التي لم تعد قادرة على استقبال الطلاب، يبقى مستقبل الآلاف من الطلاب مهدّدًا بالضياع في ظل غياب حل شامل ودائم لتلك المشكلة، بانتظار دور الجهات الرسمية والمنظمات التعليمية لإيجاد الحلول المناسبة.