عبد الله الشامي
لطالما كانت مدينة الزبداني في ريف دمشق الغربي المقصد السياحي الأول لسكان العاصمة والسياح من دول الخليج العربي قبل انطلاق الثورة السورية عام 2011، نظراً إلى ما تتمتع به من هواء نظيف ومناظر طبيعية خلابة كونها تقع بين سلسلتين جبليتين جعلتاها واحدة من عشرات الجنان المنتشرة على امتداد الأرض السورية، لذلك هرع النظام إلى محاولة إعادة الحياة الطبيعية إليها والترويج عبر وسائل إعلامه لعملية إعادة الإعمار التي تباها بتنفيذها، وذلك ليثبت للعالم بأن الفصائل العسكرية المعارضة له والتي يطلق عليها “الجماعات الإرهابية”،  هي من كان السبب في خراب المدن والبلدات التي انتفضت بوجهه، وبأنه قادر على إحياء ما دمرته آلة الحرب خاصته

وشرحت مصادر محلية لـ”بوابة سوريا” المراحل التي مرت بها عملية “إعادة إعمار” المدينة منذ إخراج الفصائل العسكرية التي كانت تسيطر عليها في عام 2016، في إطار اتفاق سمي حينها باتفاق “المدن الأربعة” والذي نص على إخراج المقاتلين والمدنيين منها ومن مدينة مضايا المجاروة، مقابل إخلاء بلداتي كفريا والفوعة ذات الغالبية الشيعية في إدلب، بعد حصارهما لسنوات من قبل هيئة تحرير الشام.

وقالت المصادر، إن النظام أدخل شركات خاصة لتنظيف شوارع المدينة من الركام الناجم عن قصف قواته، ثم بدأ بإصلاح شبكة الكهرباء من محولات وكابلات، وإعادة تأهيل شبكة الصرف الصحي، وذلك عبر عمال البلدية ومتطوعين من المحليين، لكن ما قدمه بهذا الخصوص توقفت عند هذا الحد، حيث اضطر الأهالي إلى شراء أكبال الكهرباء والتمديدات الصحية ودفع مبالغ مالية لعمال شركة الكهرباء والبلدية من أجل إيصال هذه الخدمة إلى منازلهم، إضافةً إلى تأهيل بعض المدارس التي لم تتعرض للقصف أصلاً مثل ثانوية “حسن يوسف” الواقعة على مدخل المدينة.

مساعدات الأمم المتحدة مشروطة بـ”موافقة أمنية”

بعد بدء عودة الأهالي الذين كانوا قد نزحوا عام 2012، إلى البلدات المجاورة كمضايا وبلودان والروضة وبقين، دخلت الأمم المتحدة على خط إعادة الإعمار، حيث قدمت للأهالي بعضاً من مستلزمات تأهيل منازلهم كالأبواب والنوافذ وغيرها، وذلك بعد أن يتحملوا تكلفة ترميم هياكل المنازل وجدرانها، لكن هذه المساعدات كانت مشروطة بتقديم صاحب المنزل أوراق تثبت ملكيته له وحصوله على موافقة أمنية من قبل مؤسسات النظام الأمنية، الأمر الذي حرم كثير من العائلات من الحصول على هذه المساعدات، بحسب المصادر.

واشتكت أم علي، 75 عاماً، من عدم إعطائها تلك المساعدات بسبب عدم حصولها على الموافقة الأمنية، نظراً لكون أولادها الاثنين مطلوبين لأجهزة النظام الأمنية، ما اضطرها إلى تحمل كافة تكاليف إعادة تأهيل منزلها الواقع في منطقة المحطة، والتي بلغت أكثر من 2.5 مليون ليرة سورية.

وكان حالها مشابهاً لحال ابنتها سمر، التي أصلحت غرفة واحدة ومطبخ وحمام منزلها على حسابها، بعد أن رُفض طلبها بسبب ابنها الذي استشهد وهو يقاتل النظام في صفوف الفصائل، على حسب اعتقادها.

وعلى الرغم من أن بعض الأهالي حصلوا على مساعدات وصلت قيمة بعضها إلى 800 ألف ليرة سورية، إلا أنهم اشتكوا من ردائة المواد المصنوعة منها، حيث قالت “أم رامي”إنها حصلت على بابين لغرفتين فقط من أصل ثلاثة في منزلها، مصنوعين من ألواح “البلاكين” الرقيقة التي لا تفيد في العزل من الهواء والصوت، ويصعب تركيب قبضات الباب المتينة عليها، كما حصلت على زجاج رقيق للنوافذ المطلة على الشارع، إضافةً إلى خلاطي مياه وصنبورين من النوعية الرديئة.

لماذا عاد الأهالي؟

قالت “أم علي” إنها قررت ترميم منزلها والعودة إلى السكن في حارتها التي سويت عدة أبنية فيها على الأرض بفعل قصف النظام، بسبب عدم قدرتها على تحمل الأجرة الشهرية للمنزل الذي استأجرته في مزارع بلدة مضايا، والتي بلغت 25 ألف ليرة سورية، مضيفةً أن عائلات أخرى أجبرت على العودة بسبب مطالبة أصحاب المنازل التي نزحوا إليها في محيط المدينة بإخلائها، بعد أن توقفت العمليات العسكرية فيها، رغم المخاطر التي ما تزال تحيط بهم مثل الأبنية الآيلة للسقوط، والتي لم يتم معالجتها من قبل النظام.

كذلك عادت مئات العائلات اللاجئة من لبنان إلى المدينة، في إطار عمليات “المصالحة” التي أجراها النظام في بلدات البقاع، وخاصةً بعد سياسة التضييق التي اتبعتها الحكومة اللبنانية بحق اللاجئين السوريين، والتي حرمت الكثير منهم من مزاولة أعمالهم وعرضت آخرين لخطر الاعتقال والسجن بسبب عدم حيازتهم على أوراق ثبوتية.

وكانت الزبداني من أوائل المدن التي ثارت ضد النظام، وتعرضت خلال السنوات التي تلت انطلاقة الثورة إلى قصف مكثف من قبل قوات النظام باستخدام البراميل المتفجرة والصواريخ الجوية والأرضية، ما تسبب بدمار أكثر من 80 بالمئة من أبنيتها السكنية وبنيتها التحتية، تقدر قيمتها بمليارات الليرات السورية، لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو من سيتحمل تلك التكلفة في ظل عجز النظام عن سداد ديونه لحلفائه الذين دعموه في حربه ضد شعبه؟

مصدر الصورة: wikipedia