يوجد 86 ألف مدني سوري فقدوا أطرافهم خلال الحرب السورية، بسبب القصف العشوائي والعبوات الناسفة المزروعة في المناطق المدنية، يعانون من إهمال دولي، وعدم وجود تحرّك حقيقي لتركيب الأطراف الصناعية باهظة الثمن لهم.

بحسب تقرير نشرته منظمة الصحة العالمية في كانون الأول/ديسمبر عام 2018، فإن الحرب التي تشهدها سوريا منذ آذار/مارس 2011 سبّبت إعاقات دائمة لمليون ونصف المليون مدني سوري، بينهم 86 ألف شخصًا بُترت أطرافهم.

ومن أكثر هذه الفئات تضرّرًا هم المدنيون في محافظة الرقّة الذين عانوا مع غارات التحالف الدولي وألغام تنظيم “داعش”.

 

معاناة مبتوري الأطراف  

للحرب تأثيرات مباشرة وغير مباشرة فلا يكاد يخلو بيت من قتيل أو مفقود أو مصاب وفي أحسن الأحوال يكون شمل الأسرة مشتت بين الداخل والخارج، إلّا أن مبتوري الأطراف كانت معاناتهم مضاعفة تنقسم إلى معاناة نفسية وجسدية واجتماعية.

أحمد إبراهيم، شاب من مدينة الرقة فقد كلتا ساقيه وعدداً من أفراد أسرته في إنفجار لغم من مخلفات تنظيم “داعش” في مدينة الرقة في نيسان ٢٠١٨.

يقول أحمد: “الآلام لا تفارق جسدي، على الرغم مضي فترة طويلة على الحادثة التي تعرّضتُ لها.

ويتابع أحمد: “انفجر لغم علينا وراح ضحية هذا الإنفجار ستة عشر شخصًا منهم من فقد حياته ومنهم من أصيب بجروح بليغة”.

فقد أحمد ساقاه الاثنتان وأولاده الثلاثة بالإضافة لزوجته خلال ذلك الإنفجار، لكن معاناته لم تتوقّف، فهو الآن بحاجة إلى عمل جراحي لتصحيح البتر مرّة أخرى، كون البتر السابق حدث بشكل إسعافي ولم يكن مركّزًا، ولكن أحمد لا يملك تكلفة العمل الجراحي، كما أنّه يحتاج لتركيب أطراف صناعية، هو بأمس الحاجة لها لأن حياته متوقّفة ولا يستطيع الحركة دون هذه الأطراف.

 

وضع نفسي منهار لمبتوري الأطراف 

يؤدّي فقدان جزء من الجسد للتأثير على الحالة النفسية والاجتماعية للشخص المصاب، بسبب الخلل الذي حدث في حياته والذي جعله غير قادر على إكمال حياته بشكل اعتيادي.

ويقول المرشد النفسي والاجتماعي برزان سليمان لـ “بوابة سوريا”: “إن الاشخاص الذين فقدوا أطرافهم السفلية أو العلوية يصبحون غير سويين من الناحية النفسية لأنهم كانوا يستطيعون في وقت ما التحرك والقيام بتلبية احتياجاتهم من تلقاء أنفسهم و عند فقدانهم لجزء من جسدهم يتأثرون نفسيًا بشكل كبير” لذلك فهم بحاجة لجلسات نفسية ليس بتقديم النصائح بل كي يفرغوا ما بداخلهم تمهيدًا لعلاجهم لاحقًا.

يضيف سليمان: “هؤلاء الأشخاص إذا ما استطعنا إيصالهم لمراكز تركيب الأطراف الصناعية سوف تتحسن حالتهم بعد التركيب لأنها ستكون الخطوة الأولى في اندماجهم مع المجتمع وستمنحهم الحركة من جديد والقيام بتلبية احتياجاته دون الحاجة للاستعانة بشخص آخر” لافتًا إلى أنّهم صحيح لن يستطيعوا التحرك كما في السابق لكن يعتبر تركيب هذه الأطراف بمثابة بصيص أمل بالنسبة لهم.

ويؤكد سليمان، أن الاسرة هي العامل الأهم في تقديم المساعدة للشخص الذي فقد أحد أطرافه من خلال احتواء الحالة و تهيئته للعلاج الفيزيائي ليتم تركيب الطرف الصناعي لاحقًا.

 

محاولة احتواء الأضرار

تقول أميرة حسن وهي من “رئاسة الحالات الإنسانية” في “مجلس الرقة المدني”: “بلغت حالات إصابات الحرب المسجلة لدينا أكثر من 7000 آلاف حالة تتوزع بين مصابي الحرب والمعاقين و مبتوري الأطراف إضافة للأيتام” موضحةً أن المنظمات الإنسانية لم تقدم لهم شيئًا يذكر رغم أنهم بأمس الحاجة للمساعدة.

تضيف المسؤولة في المجلس المدني: “نحن نقدم المساعدة بحسب إمكانياتنا و تختلف المساعدة باختلاف الإصابة و الاحتياج و الضرر، فالإعاقات الدائمة التي سببتها الحرب والتي جعلت من الشخص عاجزًا و عاطلًا عن العمل نسعى لمعالجته أولاً وإيجاد مصدر رزق يضمن له العيش الكريم كحالة إبراهيم الحبيب وهو فنان تشكيلي أصيب في في الحرب واستطعنا مساعدته وتأمين مصدر رزق له وعودته بإقامة معارض للرسم في مدينة الرقة”

أما بالنسبة لمبتوري الأطراف فأوضحت حسن أنّه يتم إحالتهم لمركز تركيب الأطراف وتأمين المستلزمات الطبية اللازمة، لكن العدد الهائل لمصابي الحرب والإمكانيات المحدودة للمجلس تستلزم تدخل المنظمات الإنسانية وإلا فالوضع يسير نحو المزيد من التأزم حسب تعبيرها.

 

مركز يحاول “إعادة الأمل”

خلّفت المعارك التي دارت في الرقة في العام 2017 المئات من المصابين وفاقدي الاطراف بسبب انفجار الألغام والعمليات العسكرية التي جرت في المنطقة.

وأمام هذه الأعداد الكبيرة من مصابي الحرب نشأت منظمة “صناع الأمل” لتلامس الشأن الإنساني في الرقة وشمال سوريا لمساعدة مبتوري الأطراف وإعادة دمجهم في مجتمعهم من خلال تركيب الأطراف الصناعية وتقديم الدعم لهم حتى إيجاد سبل عيش تضمن لهم حياة كريمة والعمل على مساعدة الشباب وتمكين المرأة وتنمية مواهب الأطفال وإعادتهم إلى المدارس.

يقول الدكتور فراس ممدوح الفهد رئيس مجلس إدارة “صناع الأمل” لـ “بوابة سوريا”: “إن 4000 مدني يعانون فقدان أطرافهم في الرقة بسبب الألغام والعمليات الحربية في ظل عدم اهتمام كافي من المجتمع الدولي لمساعدتهم”، ولذلك بدأت منظّمة “صناع الأمل” بالعمل على مساعدة هذه الفئة.

بحسب الفهد فإن “صناع الأمل” بجهود ذاتية وإمكانات محدودة، بدأت بالعمل مع كادر طبي متخصّص عل تركيب الأطراف ومساعدات الأشخاص الأكثر احتياجًا، حيث تمكّنت المنظّمة من تركيب أطراف صناعية لـ 51 شخصًا معظمهم من الأطفال، إضافة إلى إجراء 43 عملية تصحيح بتر في العظام للأطفال، وركّبت أجهزة تقويمية لـ 33 شخصًا، كما قدّمت العلاج الفيزيائي لـ 410 شخصًا من مصابي الحرب ومرضى الشلل، وقدّمت الدعم النفسي لـ 16 طفلًا عانوا من الإرهاب والآثار النفسية الخطرة.

يوضّح الفهد، أن الصعوبات التي يواجهها مركز صناع الأمل هي عدم وجود أي مصادر للتمويل اطلاقًا منذ افتتاح هذا العمل الإنساني قبل سنة كاملة.

 

جهات أخرى تحاول المساعدة 

في عام 2014 أفتتح مركز لتركيب الأطراف الصناعية في مدينة قامشلو، يتبع لـ “الهلال الأحمر الكردي” ويقوم بتقديم الخدمات مجانًا.

كمال درباس عضو في الهلال الأحمر الكردي قال لـ “بوابة سوريا”: “إن مجموع الذين سجلوا أنفسهم لتركيب الأطراف الصناعية بلغ 4700 حالة”

وأضاف: “قمنا بتركيب ما يقارب 3600 طرف لهؤلاء المسجلين وتوزعت الأطراف لـ 800 امرأة 300 طفل 500 كبار السن وباقي الحالات هي للرجال والشباب.

 

مبتورو أطراف تركوا بصمتهم بالمجتمع

تمكّن عدد من مبتوري الأطراف من التغلّب على مشكلتهم الصحّية الجديدة، وتقديم بصمة ناجحة في المجتمع بعد الدعم المُقدّم لهم، ومن بين هؤلاء شاب من ريف الحسكة الجنوبي فقد ساقه اليُمنى بانفجار لغم أرضي، تضرّرت على إثرها حالته النفسية لأنه كان مقبلًا على الزواج وفقد الأمل في أن يعيش حياته كباقي أقرانه.

إلا أن المساعدة التي قدمت له من مركز مدني في الحسكة وإحالته لاحقًا لمركز تركيب الأطراف ودعم والدته له خلال تلك الفترة كان له الدور الأكبر في تخطّيه أزمته الجديدة.

وبعد تركيب طرف صناعي له، قال لـ “بوابة سوريا”: “إن فرحته لا توصف” موضحًا أنّه تمكّنت من الزواج من الفتاة التي يحبّها ويعيش الآن بشكل طبيعي بعد أن اعتاد المشي على طرفه الصناعي.

إبراهيم الحميد، فنان تشكيلي أصيب جراء القصف بإصابات متعددة لكنه استطاع التغلب على إصاباته المتعددة وعاد للرسم وإقامة المعارض التشكيلية في مدينة الرقة.

وأمام الأعداد الكبيرة لمبتوري الأطراف ورغم المحاولات المستمرّة لوضع حل لهذه المشكلة، إلا أنها تبقى أكبر من الإمكانات المحدودة لهذه المراكز في ظل التهميش الدولي لمساعدة هذه الفئة التي فقدت أغلى ما تملك خلال الحرب.

 

guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments