بين ليلة وضحاها، أصبحت الشابة السورية حياة التي لم تتجاوز الثلاثين من عمرها أرملة، بعد وفاة زوجها تحت التعذيب في سجون النظام السوري فكلمة “أرملة” تنغص حياتها، حالها كحال مئات النساء في الشمال السوري، اللواتي ترمّلنَ بسبب وفاة أزواجهنَّ إمّا خلال القصف والمعارك، أو تحت التعذيب في سجون نظام الأسد، حيث تعاني هذه الفئة من غياب الدعم والمساعدة والنظرة السلبية التشكيكية.

ظروف قاسية

تقول حياة: “خمسة أطفال تركهم لي زوجي وأنا وسط بلدة لا أعرف منها إلا القصف والنزوح، لست قادرة على العودة إلى قريتي التي أنحدر منها ولم أعد أستطع الاستمرار بهذا الوضع”.

قبل أن تعلم بخبر وفاة زوجها، كانت حياة قد اعتادت على غيابه، ولكنّه كانت تواسي نفسها بأنّه سيخرج من المعتقل ويعود يومًا ما، إلّا أن مواساتها تبدّدت عندما علمت بخبر وفاته في المعتقل.

وتضيف حياة: “أصبحت أم وأب وبعد أن حرمتني الحياة من زوجي، وأسندت لي محطات صعبة وكثيرة، لذلك أشعر بعجز يلازمني أمام هذه الظروف والمهام”.

تتلخّص مسيرة حياة اليومية، في البحث منذ الصباح عمّا يسد رمق أولادها ويعيلهم، فأصغرهم لا يعرف والده وأكبرهم في سن المراهقة يحتاج لنصح ومتابعة وتوجيه.

تكمل حياة حديثها: “أخذت دور الأب والأم، أعمل يوميًا على تأمين قوت أولادي ومصاريف المدارس وإيجار المنزل الذي طالب مالكه إخلائه بسبب تقصيري عن الدفع”.

ولكن على الرغم من هذه المعاناة، تسمع حياة بين الحين والأخرى كلمات تحطّم معنوياتها “شو ناقصها.. زوجة شهيد ومصروفها يأتي إلى باب منزلها”.

تتابع حياة: “على فرض أنّني أحصل على مصروفي فعلًا فهل باتت الحياة مجرّد مصاريف وتلبية احتياجات؟”، وتقول أيضًا “لا يعرف أي ممّن يتحدّثوا ذلك معنى أن طفلي يمرض في منتصف الليل وأعجز عن نقله للمستشفى أو علاجه وأنا وحيدة”.

وفي كل يوم تختنق حياة أمام أولادها خلال الإجابة على سؤالهم “وين بابا” لتكتفي بالرد هو في الجنة ينتظرنا لنذهب إليه، لكن فضول الأطفال يستمر بطرح أسئلته: “متى سنذهب؟ عندما يشتاق لنا؟ نحن اشتقنا له لماذا لا نذهب نحن؟”.

 

نظرات المجتمع تلاحق زوجات الشهداء والمعتقلين

في كل حرب تكون النساء الخاسر الأكبر، ولا سيما عندما تكون المرأة وحيدةً بلا معيل، حيث لا تنجو عائلة شهيد أو معتقل من نظرة المجتمع لها، سواء زوجته او أخته أو أمه، ودائماً ما تكون الزوجة هي الملام الأول عن مصيبتها.

منال، شابّة سورية كانت تعيش مع زوجها طفلتها في محافظة طرطوس الساحلية التي يسيطر عليها النظام، غير أنَّ اعتقال زوجها دفعها للعودة مع طفلتها إلى ريف حماة.

تقول منال: “خلال عودتي كانت معي طفلتي التي لم تكن قد أكملت الشهرين من العمر وكان الطريق طويلاً، تلازمه نظرات الركاب نحوي، كيف بامرأة تسافر وحدها في هذه الظروف مع طفلة صغيرة وفي وقت متأخر من اليوم”. 

وتشرح قصّتها: “نظر الجميع لطريق سفري على أنه جريمة، ولم ينظروا للواقع الذي فرض عليَّ والذي أجبرني على هذا الموقف، كانت تلك اللحظة بداية لنظرات النساء في المحيط القريب والبعيد لي، كنت من عائلة فقيرة وعائلة زوجي كذلك، فهو يتيم الأم ووالده مسن طريح الفراش وإخوته معتقلين، فوجدت نفسي مسؤولة أيضًا عن والد زوجي الذي أصبح وحيدًا مثلي”.

بدأت منال بالبحث عن عمل لتأمين احتياجاتها واحتياجات طفلتها الصغيرة، غير أنّه وبسبب أن عملها كان يحتوي على بيئة فيها رجال، بدأت تتعرّض لهجوم من نساء الحي الذي تعيش فيه، وزوجات العاملين الذين يعملون معها.

وتقول: “عندما كنت أعمل، كنت أشعر أنّني أرتكب خطأً كبيرًا، ففي كل صباح تتردّد كلمات على مسمعي اتهامات بأنّني “خطافة الرجال”، أما بعض الرجال فينتهزون الفرصة أمام أي فتاة أرملة صغيرة السن تحتاج إلى العمل، ليقوموا باستغلال وضعها ومحاولة التقرّب منها.

أضافت منال: “اضطر للقيام بأعمال يقوم بها الرجال، كتعبئة المازوت وتجهيز الحطب للشتاء، وغيرها من الأعمال التي تفرض التعامل مع الجنس الآخر، مما يسبب لي المزيد من المشاكل والأحاديث الجانبية التي تدور حولي”.

 وتتابع: “أصبحت حديث المساء والصباح لدى النساء من محيطي، اللواتي يبرّرنَ استمرارهنَّ بالحديث، بأن زوجات الشهداء والمعتقلين مكفولات بالمصروف والمنزل وفرص العمل الخاصة بنا، فلماذا أبحث عن أعمال أخرى رغم تأمين كل احتياجاتي؟” موضحةً أن هذه النظرة غير صحيحة لأن المساعدة التي تحصل عليها زوجة الشهيد لا تكفي لاحتياجات ابنتها الرضيعة.

 

مريم التي ترمّلت مع فتياتها

اعتقل النظام السوري زوج السيّدة السورية مريم وابنها، وباتت وحيدةً دون أي معيل مع بناتها الأربع، في بلدة يسيطر عليها النظام السوري في حماة وتكتظ بالـ “شبيحة”.

بعد أشهر، تلقّت مريم خبر وفاة زوجها، في المعتقل، وباتت مع فتياتها الأربعة تعيش في بلدة موالية للنظام في ريف حماة وتتلقّى مضايقات من الشبّيحة لأن زوجها كان معتقلًا، فما كان منها إلّا مغادرة البلدة والتوجّه إلى الشمال السوري.

تقول مريم: “خلال ثلاثة سنوات أصبحتُ أنا وبناتي الاثنتين أرامل نعيش في منزلٍ واحد دون أي معيل، واحدة من الفتاتين ترمّلت ولا يتجاوز عمرها ١٦ عامًا”.

وتضيف: “زوجتُ ابنتي الكبيرة ووجدت في زوجها ما حُرمنا منه لسنتين كاملتين، ولكن بعد بضعة أشهر استشهد في معركة على جبهات الريف الشمالي لحماة، فأصبح الهم أكبر والحمل أثقل على عاتقي”.

وتتابع مريم: “بعد أشهر قليلة زوجت الابنة الأصغر على أمل أن تبتسم لنا الحياة، التي ما لبثت أن أُغلقت أمامنا، وبعد شهر واحد من زواج ابنتي الثانية، قُتل زوجها أيضاً في قصف للطيران على ريف إدلب حيث كنا نعيش”.

تلقّت مريم انتقاداتٍ واسعة من محيطها، بسبب تزويج ابنتيها في عمرٍ مبكّر، ولا سيما بعد أن أصبحتا أرملتين عقب وفاة زوجهما، ولكنّها تبرّر: “نحن خمس نساء في منزلٍ واحد دون معيل، وكنت بحاجة إلى رجل يقف بجانبنا ويساعدنا على تأمين احتياجاتنا، فكان الحل الوحيد باختيار زوج لابنتي”.

أما الآن، فتوضّح مريم أنّ ضغوطات الحياة المفروضة عليها لا يمكن لأي إنسان أن يحتملها، لافتةً إلى أنّها تتلقّى الانتقادات من محيطها فقط دون أن يبادر أحد بتقديم المساعدة سواء لها أو لبناتها، وتقول أيضًا إنّها تأخذ دور الأب والأم في آنٍ معًا، وتتلقّى فوق ذلك نظرات سلبية من محيطها بسبب تكرّر خروجها إلى خارج المنزل لتأمين احتياجات أسرتها.

 

محاولات خجولة للمساعدة

يقول مسؤول مكتب الأيتام في مجلس محلي بالشمال السوري رفض الكشف عن هويته لـ “بوابة سوريا”: “إن أعداد النساء الأرامل كبيرًا في الشمال السوري، وخاصة النازحات منهن، حيث يعانين من أوضاع اقتصادية سيئة، بالإضافة إلى النظرة الدونية من المجتمع”.

وأضاف المسؤول ذاته: “نحاول كمجالس محلية تأمين كفالات لهنَّ ولأطفالهنَّ، ولكن الكفالات غالباً تكون للأطفال الصغار دون سن العاشرة، وهي رمزية لا تلبي احتياجات العائلة، خاصة إذا كان بعضها طلاب مدارس”.

وتحدّث المسؤول عن عبء تأمين إيجار المنزل الذي أصبح مرتفعًا في الفترة الأخيرة، ولا سيما استغلال بعض أصحاب المنازل لظرف النزوح وطلبهم إيجارات مرتفعة حتى وإن كانت المستأجرة زوجة شهيد أو معتقل.

وفي خضم استمرار المعارك وسياسة البطش التي يتّبعها النظام السوري، تستمر أعداد النساء الأرامل سواء كُنَّ زوجات شهداء أو معتقلين بالارتفاع، في ظل التهميش والنظرة السلبية التي يتعرّضنَ لها.

guest
1 تعليق
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
trackback

[…] وليد الأحمد من مدينة إدلب يتحدث عن أسباب اعتقال النساء السوريات بالقول: “قدمت المرأة السورية خلال سنوات […]