بدل أن يساهم اندلاع الثورة السورية بإيجاد اجماعات وطنية جديدة بين السوريين، بمختلف مكوناتهم، الدينية والمذهبية والإثنية والمناطقية، إذا بها تكشف عن التصدعات أو الانشقاقات أو الاختلافات بين السوريين، علما أن ذلك أمراً طبيعيا، وكان يمكن أن يكون إيجابيا، إلا أن افتقاد تلك الثورة، أو المعارضة، لكيان سياسي جامع، وخضوعها للمداخلات والتقلبات الخارجية، أدى إلى مفاقمة تلك التصدعات، وإلى حدوث انشقاقات أضرت بوحدة الشعب السوري، وبإجماعاته الوطنية.

ولعل أول تلك الانشقاقات تمثّل في ظهور الفصائل الإسلامية العسكرية المتطرفة (أو الجهادية ـ السلفية)، والتي صعدت في صيف 2012، علما أنها لم تظهر كنتاج لحراكات في التيارات الإسلامية التي كانت متواجدة في سوريا، ولا تعبر (كما تبين فيما بعد) عن الإسلام الشعبي المعتدل والمرن في سوريا، بل إنها برزت وتصدرت بفضل وحشية النظام أولا، وثانيا، بفضل الدعم الخارجي الذي أغدق عليها، من قبل دول معينة، بمختلف الوسائل والمجالات.

أما ثاني الانشقاقات فيمكن تمثله بظهور فصيل “قوات حماية الشعب”، الذي سمي فيما بعد بـ “قوات سوريا الديمقراطية”، وهو ميلشيا لـ “حزب الاتحاد الديمقراطي” الكردي (في سوريا)، الذي يعتبر بمثابة امتداد لحزب العمال الكردستاني (في تركيا)، علما أن ذلك الحزب يفرض سيطرته بالقوة، ويشتغل بشكل أحادي وإقصائي، من خلال إزاحة القوى الكردية الأخرى بالقوة في المناطق التي يسيطر عليها، وهو يتلقى دعما ورعاية، مالية وعسكرية وسياسية، من الولايات المتحدة الأمريكية.

ونقاشنا لظاهرة الانشقاق الثاني (“الكردية”) تتأتى من واقع أن ذلك الفصيل (“قسد”، بات يسيطر على ثلث الأراضي السورية في شرقي الفرات، ما يعني أنه بات رقما مهما في الصراع السوري سيما على ضوء أفول ظاهرة الجيش الحر وظاهرة فصائل المعارضة الإسلامية المسلحة في مختلف مناطق سوريا، بعد التدخل العسكري الروسي المباشر، وهذا أولاً. ثانياً، بات حزب البي واي دي، وفصيله العسكري (“قسد”) أحد المرتكزات الأساسية التي تشتغل عليها الولايات المتحدة لفرض أجندتها في الصراع السوري على الأطراف الأخرين. ثالثا، باتت سيطرة القوات العسكرية الكردية شرقي الفرات إحدى أهم نقاط الخلاف بين الولايات المتحدة الأمريكية من جهة، وتركيا من جهة أخرى، رغم محاولة الطرفين المذكورين جسر ذلك الخلاف، من خلال منع الاحتكاك بين تركيا وقوات “قسد”، وعبر إيجاد غرفة للتنسيق في منطقة الحدود السورية ـ التركية، تحت اسم منطقة آمنة أو منطقة الحزام الأمن أو منطقة الممر الآمن. رابعا، المشكلة أن ذلك الانشقاق، مع ضعف كيانات المعارضة السورية وارتهان معظمها للخارج، ومع تبعية حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في سوريا، لحزب العمال الكردستاني في تركيا، يساهم في خدمة النظام، من خلال إضعاف أي مسار لتوحيد السوريين، وبناء اجماعات وطنية جديدة بينهم.

المشكلة في هذا الأمر، أي فقدان الثقة بين ذلك الفصيل، وكيانات المعارضة السورية، لا تتعلق فقط بارتهان هذا الطرف أو ذاك للخارج، وإنما تتعلق، أيضا، بتبعية كل طرف منهما لأجندات خارجية، وافتقاد كل طرف منهما لإرادة الحوار مع الأخر للتوصل إلى قواسم مشتركة، وضمن ذلك غلبة الفكرة القومية المتشددة عند ذلك الفصيل، رغم نفيه أي أجندة تتعلق بالانفصال، وتركيزه على وحدة الشعوب الديمقراطية. وفي المقابل، فإن المشكلة عند معظم كيانات المعارضة السورية قصرها المسألة الكردية على حقوق المواطنة، فقط، مع أهميتها، إلا أن ذلك لا يفترض أن يلغي أو يحجب وجود مسألة قومية كردية، وأن الكرد شعب، إذ إن حقوق المواطنة ينبغي أن تترافق مع الاعتراف بالحقوق الجمعية القومية للكرد السوريين، في الثقافة واللغة والحكم الذاتي والتمثيل على قدم المساواة والمشاركة في تقرير مستقبل سورية، كما الاعتراف بها اعتبارها جزءاً من جماعة قومية أوسع لديها طموحاتها المشروعة، بما لا يتنافى مع وحدة سورية، أرضاً وشعباً. وبديهي أن غياب ثقافة المواطنة، وحقوق المواطنة، في الثقافة السياسية السورية، وثقافة المعارضة، هو الذي يضع الحقوق الجمعية في مقدم الأجندات، لا سيما على ضوء التجربة التاريخية، وأيضاً، للحؤول دون خلق مسار من الإزاحة والإقصاء من قبل أكثرية ما، لأقلية قومية ما، بمعنى أن سيادة ثقافة المواطنة، وإقامة دولة مؤسسات وقانون على أساس من نظام الديموقراطية الليبرالية، هما ما يمهد لأفول، أو خبو، البعد الهوياتي عند الجماعات القومية أو الهوياتية، وهذا ما يفترض أن يكون في مركز إدراكات المعارضة السورية في معالجتها الراهنة للمسألة الكردية.

من ناحية أخرى، وتبعا لما سبق، فإن طرح حزب الاتحاد الديمقراطي لمسألة «الفيديرالية» وإصراره عليها أثار مخاوف المعارضة السورية، التي رفضته، إما لأن تلك الجهة الكردية التي لا تثق بها طرحته، أو بسبب جهلها معنى الفيديرالية، وظنّها لها صنو التقسيم. ولعل أهم ما يفترض أن تدركه تلك المعارضة أن الحديث عن وحدة سورية الجغرافية لا معنى له من دون وحدة السوريين بمختلف مكوناتهم، الدينية والمذهبية والإثنية والمناطقية، وأن هذه الوحدة تتطلب حتماً تصوراً وطنياً ديموقراطياً يستجيب لرؤى ومصالح كل تلك المكونات، من دون استئثار وإقصاء، ومن دون فرض طرف لوجهة نظره على الأخرين؛ هذا أولاً. ثانياً، إن الفيديرالية ليست صنو التقسيم، إذ إنها تتأسس على تمتين وحدة البلد والمجتمع، لأنها تعني توزيع أفضل وانسب للموارد، وإدارة أفضل وأجدى من الإدارة المركزية، ثم إن الفيديرالية هي الشكل الأنسب للحؤول دون إعادة إنتاج السلطة المركزية التي تفضي إلى الاستبداد. ثالثاً، يفترض البناء على هذا الطرح وتأكيد أن المقصود به فيديرالية على أساس جغرافي وليس على أساس طائفي أو اثني.

أخيرا، تأتي مسألة علاقة الكرد بجماعاتهم القومية الأخرى، وبالدول الإقليمية التي يتواجدون فيها، فمن حق المعارضة السورية أن تتوخى الدعم من هذه الدولة أو تلك، لكن على أن تضع أجندة الشعب السوري، وضمنهم الكرد في مركز اهتماماتها. وبالمثل فعلى الكرد السوريين، وفي خضم إدراكهم لذاتهم القومية ـ فوق الوطنية، إدراك أهمية المواءمة بينها وبين كونهم جزءاً من الجماعة الوطنية السورية، وأن تحررهم هو من تحرر هذه الجماعة.

وباختصار لا يمكن استعادة وحدة الشعب السوري، بكل مكوناته، وبناء اجماعات وطنية جديدة له، إلا بإيجاد حلول للتباينات، وجسر التصدعات، وبناء فكرة الوطنية السورية الجامعة، على أساس قيم الحرية والكرامة والمواطنة والديمقراطية، مع الاعتراف بحقوق الجماعات القومية، في الإطار السوري.