سلام حسن 

فيلم يأخذك لعوالم سينمائية، تتسم بالغرابة، وروح الفكاهة، والتهكم، وطرح الكثير، من القضايا الجدلية والشائكة، بطريقة انسيابية سهلة وسلسة، سلاسة جريان الماء في جدول صغير، أو هبوب النسيم ومداعبته لخصلات شعر على كتف عذراء. يصنع المخرج هونر سليم فيلمه (أرضي بفلفلها الحلو) في مرحلة انتقالية هامة من عمر المكان أو الوطن الذي هو هنا “إقليم كردستان العراق” أو ما يعرف بـ”شمال العراق”، مرحلة كان لابد من توثيقها سينمائياً، سواء الحياة السياسية أو الاجتماعية أو توثيق السمات الجغرافية، تلك الجغرافية الجبلية الواقعة على حافات وعتبات حدود سياسة مشتركة لكل من تركية وإيران والعراق، في مرحلة زمنية تلت الغزو الأمريكي للعراق، مما أدى إلى خلخلة المناخ السياسي السائد وكسر سيطرة الحزب الواحد ومركزية القرار، بعد سقوط بغداد، واستدعت الحاجة لبناء سلطة حكومية جديدة، دعائمها القانون والعدالة الاجتماعية، في ظل تفشي الفوضى والفساد وغياب التعليم والصحة وسيطرة المرتزقة من تجار الحروب، وتجار المخدرات، وسيادة القيم العشائرية والإقطاعية، في مناطق ريفية نائية وحدودية.

فأكتسب الفيلم هويته الأولى وبناءه القصصي والسردي من البيئة المحلية الحاضنة للأحداث بل والصانعة لها ولجوء المخرج لأساليب تترك ما يسمى “أثر الصدمة” اعتماداً على الثنائيات التي تجمع بين متنافرين ومتضادين، فنجده يجمع دوما بين النقيضين الأبيض والأسود، المضحك والمبكي، والجاد والهزلي. كل ذلك في حبكة درامية متصاعدة لكل من الحدث وتشابك الخطوط القصصية ومن ثم انفراجها نحو الحلول والنهايات الخاصة بها. والتي آثر المخرج سردها بطريقة المونتاج المتوازي لا التتابعي.

وأقل ما يمكن أن يقال عن نهج المخرج “هونر سليم” وتكنيكه المستخدم، سواء في كتابة  واختيار القصة أو ترجمتها إخراجيا أو الإيقاع المستخدم و “رتم” الفيلم، أنه يتسم بالعمق الفكري، والجدية، والالتزام بطرح قضايا هامة، بالنسبة للمجتمعات المحلية وحرصه على عولمتها عبر أفلامه، وهو الذي عانى من النفي المبكر من وطنه فقد خرج من العراق قبل بلوغه السابعة عشرة من عمره، وخروجه هذا من العراق إلى ايطاليا ومن ثم فرنسا وتنقله في الغرب جعله يطرح قضايا ذات صبغة إنسانية عموما، فنجده يتنقل بكاميراته وشخوصه وسرده الدرامي بل وحتى موسيقاه وأزياء أبطاله وممثليه تنقلا ومزجا جميلين، ليخلق مشاهد بصرية تحاكي الفسيفساء و الموزاييك بجمالها، ومبدعاً لوحات ومشاهد أشبه ما تكون بـ”الأرابيسك” بأشكالها الفنية والمنمنمات بتفاصيلها الصغيرة، دون اللجوء إلى مقدمات أو إدهاش مفتعل، يعتمده عادة صناع الأفلام، لاستقطاب انتباه المتفرج، بناء على قوة الخدع البصرية والمونتاج، التي غالبا ما يستخدمها ويلجأ إليها صناع السينما الغربية عموما والأمريكية خصوصا.

قصة الفيلم :

يحكي الفيلم قصص مختلفة تتداخل وتتشابك أحداثها كلها وتلتقي شخوصها في قرية جبلية نائية، إلا أن قصة كل من “كوفند” و”باران” هي القصة الرئيسة وهي “ثيمة” الفيلم المتمثلة بالعشق والوفاء وبقية القصص على أهمية مضامينها  وتكثيفها السردي والبصري تبقى قصص و”ثيمات” ثانوية رديفة وداعمة ترفد قصة الحب التي تجمع بين بطلا الفيلم (باران وكوفند) وكفاحهما لإحداث تغيير جذري وثوري في البيئة المحيطة بهما فنجد “باران” الذي يعمل مع البيشمركه (جيش شبه نظامي لإقليم كردستان العراق) يقرر الالتحاق بقوات الشرطة المحلية في إحدى القرى الحدودية البعيدة عن العاصمة “أربيل” لدوافع وأسباب شخصية وعامة، أما الأسباب العامة تعود لقناعاته أنه انتهت الحرب مع القوات الحكومية المركزية في بغداد بعد سقوط نظام “صدام حسين” ولابد من التوجه لفرض النظام الداخلي والاستقرار، لتهيئة الظروف المناسبة للتنمية والتعليم، أما أسبابه الشخصية فتعود للهروب من زواج تقليدي تسعى والدته لفرضه عليه من خلال ترتيب زواجه من إحدى القريبات من العائلة فنجده يتجه إلى مكان عمله الجديد في قرية نائية  لا يمكن الوصول إليها إلا سيراً على الأقدام أو ركوب ظهر الخيول؛ بسبب تدمير الجسر أثناء الحرب نتيجة للقصف، وأثناء قيامه برحلته هذه لاستلام وظيفته كضابط شرطة يلتقي بمعلمة مدرسة ابتدائية (كوفند) اختارت هي أيضا، بدورها، الهروب من زواج تقليدي سعى والدها في تدبيره لها.

يصلان معاً إلى القرية، هي تذهب إلى المدرسة وهو يذهب إلى مركز الشرطة  فنشاهد معه أولى عمليات فرض سلطة القانون الفتية من خلال عملية الإعدام شنقا  لمجرم بطريقة كوميدية، حيث يرفع المسؤولون الحكوميون الرجل على صندوق الاقتراع الانتخابي والحبل حول رقبته، في إشارة ساخرة لبدايات فرض هيمنة القانون في منطقة يسودها الفوضى ويسيطر عليها تجار الحروب والمهربون عبر الحدود وقطاع الطرق.

وبالتوازي تستلم (كوفند) عملها كمعلمة في المدرسة لنجد عزوف القرويين عن تعليم أبنائهم وأطفالهم وعدم اكتراثهم، لتتالى الأحداث ونكتشف أن المنطقة خاضعة لسلطة ونفوذ “الآغا عزيز”، الذي يمارس بدوره أعمال غير شرعية من التهريب عبر الحدود إلى تجارة الأدوية منتهية الصلاحية والمخدرات والكحول، وتتصاعد حدة الصدام بين “باران” و”كوفند” من جهة وبين “الآغا عزيز” الذي لا يتوانى بالضغط على المعلمة “كوفند” من خلال منع الأطفال الالتحاق بالمدرسة، ومن ثم اتهامها باللأخلاقية كونها غير متزوجة، وتبليغ عائلتها، التي ترسل أخوتها في طلبها، وكما يحاول “الآغا عزيز” قتل “باران” بعد فشله في رشوته وكسب صداقته.

فيعمل “باران” على منعه ورجاله، من القيام بالتهريب عبر الحدود، وهنا يكشف لنا المخرج “هونر سليم” أن الحدود مع تركيا يعبره مجموعة من المقاتلات الكرديات (الكرييلا) طلبا للأدوية ومعالجة الجرحى، المقاتلات اللواتي يشتبكن مع رجال “الآغا” اشتباكا مسلحا فتستشهد بعضهن، مما يدفعهن إلى الثأر لرفيقاتهن ويحصلن على دعم من “باران” و”كوفند”، وتنتهي قصة “الآغا” المتسلط نهاية دراماتيكية على طريقة أفلام (الويسترن) الغربية بقتل “الآغا” وبعض من رجاله، أما نهاية الفيلم فتكون نهاية سعيدة بانتصار “باران” على أعدائه، من خلال قتل “الآغا” ورجاله في إشارة لفرض القانون الذي يؤمن به، وحصوله وفوزه بقلب معشوقته المعلمة (كوفند)، فالمخرج “هونر سليم” أراد لنا مشاهدة فيلم يبعث على التفاؤل، وتقديم المتعة لنا كمشاهدين من خلال استخدامه على مدار طول الفيلم (ساعة وأربعون دقيقة) لمشاهد ولقطات عامة شاهدنا من خلالها جمال طبيعة جبال “كردستان العراق” وأنهارها وأشجارها ولقطات قريبة ومتوسطة لكاميرا لم تهدأ في انتقالها من المشاهد والكاميرا الثابتة إلى المتحركة دون أن يشعرنا بأي تغيير، فساعدنا في الغوص في تفاصيل الوجوه وقسماتها وملامحها في دمج بين الإنسان والطبيعة من حوله.

وسعى “سليم” إلى إرفاق الصورة البصرية بموسيقى تصويرية تنوعت بين الغربية وألحان المغني الأمريكي “ألفيس بريسلي” والموسيقى الكردية في تناغم كامل وجميل؛ بل وكاد أن يقنعنا أن آلة النقر التي عزفت عليها المعلمة “كوفند” والتي تسمى(الهانغ) السويسرية الحديثة حيث اخترعت عام 2001 على يد الهيبيين، إنما هي آلة تراثية كردية.

وبالطبع لم تكن الآلة والموسيقى الغربية فقط ما أدخله بذكاء المخرج هونر إلى الفيلم والبيئة الكردية المحلية، بل أدخل عناصر غربية كلاسيكية أخرى مثل القبعات ومعاطف الفرو الطويلة وطريقة حمل المسدسات وتدلي جعبتها من الخصر، محاولا بذلك أن يوصل إلينا رسالته التي طالما يصرح بها للإعلام، أن البشر كلهم متشابهون والإنسان على تنوع لغاته وعاداته وثقافاته، كل لا يتجزأ.

بطاقة الفيلم :

  • إخراج : هونر سليم
  • المخرج : هونر سليم
  • سيناريو و حوار : هونر سليم
  • المصور : محمود عبد الرحمن
  • إدارة الإنتاج : سيروان محمود عبد الرحمن
  • مساعد مشرف الموسيقى: ستيف بوير

الممثلون :

  • كركماز أرسلان… باران
  • كولشفته فرحاني …كوفند
  • سعاد اوسته …ريبر
  • مير مراد بدرخان … تاج الدين
  • فياض دومان … جعفر محمد امين
  • طارق اكري …عزيز آغا
  • فيرونيك وثريج …نيروج
  • مزكين كمو … زيرك
  • كاميران بتاسي  … القاضي
  • عادل عبد الرحمن … مفتش الشرطة
  • سعدو …بهمن حاجي
  • مفتش الشرطة … نزار سلامة
  • والد كوفند … شفان سالم
  • الرجل المشنوق … يلمازاوزدل
  • صاحب الحانة … دلدار اسماعيل اخو كوفند

الجوائز:

  • عرض فيلم «أرضي بفلفلها الحلو» في مهرجان كان عام 2013
  •  رشح لنيل جائزة مهرجان آسيا والمحيط الهادي
  • حصل على جائزة الشباب فى مهرجان كابور السينمائي الدولي 2013
  •  حصد الجائزة الذهبية في الدورة 49 من مهرجان شيكاغو السينمائي الدولى

أبرز أفلام المخرج هونر سليم :

 فودكا بالليمون.

الكيلومتر صفر.

 إن مت ،سوف أقتلك .

الصورة من فيلم :My Sweet Pepper Land 2013