معاناة جديدة من نوع آخر حلت على النازح خالد أبو هلال، عقب نزوحه من منطقته التي تشهد تصعيدًا عسكريًا، فوقع فريسة بعض مُلّاك المنازل المخصّصة للإيجار، الذين استغلّوا حاجته للمأوى فرفعوا إيجارات بيوتهم بهدف كسب أكبر قدر من المال دون الالتفات إلى الوضع المادي للمستأجر أو حتى مساعدته، ما أجبر الكثير من النازحين على البقاء تحت صواريخ الطائرات وآخرون تحت أشجار الزيتون فيما اضطر قسم آخر للاستئجار بأسعار مرتفعة.

يقول أبو هلال: “أنا مواطن لي زوجة وأولاد كأي عائلة في وأعيش منطقة أخرى داخل بلدي، وشاءت الأقدار أن نكون نازحين ونخرج من بيوتنا بلباسنا الوحيد على أمل قريب بالعودة، بعد القصف والتهجير، إلا أن يد الاستغلال حلت علينا حتى في نزوحنا”.

وبينما يرى البعض أن رفع سعر الإيجار هو حرية تصرّف بالملكية الفردية، وأن لمالك المنزل الحرية بتأجير منزله بالسعر الذي يناسبه، أصدرت الجهات المسؤولة قرارات حددت فيها إيجارات البيوت في مناطق سيطرتها، لكن هذه القرارات لم يكن لها أي فاعلية، بحسب ما يكشف هذا التقرير.

 

حق أم استغلال؟

تطورات عدة جرت في ظل الحملة العسكرية التي يشنها نظام الأسد وحليفه الروسي على المناطق المحررة، ولا سيما محافظتي إدلب وحماة منذ شهر نيسان الفائت، حيث رافق تلك الحملة موجة نزوح كبيرة شملت الآلاف من العوائل باتجاه الشمال السوري خاصة ريف حلب، إذ يُقدّر عدد من نزحوا إثر هذه الحملة العسكرية بـ مليون و400 ألف مدني.

هنا أصبح النازح أمام خيارين، إما النوم تحت أشجار الزيتون وأشعة الشمس، أو أن يستأجر منزلًا بسعرٍ باهظ، هذا ما يرويه المدني خالد أبو هلال متابعاً لـ “بوابة سوريا”: “عقب نزوحنا من بلدة التح في ريف إدلب الجنوبي، توجهنا إلى مدينة سرمدا بهدف استئجار منزل للسكن فيه مع أولادي الستة وعائلة أخي، وبعد بحثنا عن بيت وجدنا منزلاً مكوّنًا أربع غرف لكن المفاجأة كانت أن المالك طلب سعر إيجاره 200 دولار أمريكي لقاء كل شهر، ما أثار دهشتنا وحسبناه للوهلة الأولى مزاحاً، فاضطررنا للبحث عن منزلٍ آخر، مكّونًا من ثلاث غرف وأجره الشهري 175 فاضطررنا للسكن فيه لعدم وجود بديل آنذاك”.

يضيف أبو هلال مستطردًا: “لم تكن أحوالنا جيدة أبداً فالمبلغ المطلوب لقاء السكن يعادل إجمال دخلنا، وبذلك لن نستطيع تأمين مصاريف الطعام والشراب والكهرباء وغيرها” مبيّنًا أنّح حاول مراراً إقناع المالك بتخفيض المبلغ إلا أنه أبى بقوله “إذا ما عجبكم اطلعوا في ألف مستأجر غيركم” ما اضطر أبو هلال وشقيقه لتأدية أعمال إضافية شاقة من بينها “نقل حجارة البناء” لتأمين قوت يومهما.

من جهة أخرى قابلت “بوابة سوريا” مالك أحد المنازل المؤجرة مبملغٍ باهظ يدعى مصطفى العمري حيث برر عمله بأنه “مالك البيت ويحق له تأجيره بأي سعر يريد”، كما أنه مالك لثلاثة بيوت وجميعها على الطراز الحديث بتكلفة بناء مرتفعة جداً، معتبرًا أنّه من غير المعقول تأجير بيت حديث مجهز بكل مستلزماته بـ 25 ألف ليرة سورية أو حتى ثلاثين فقط، بحسب العمري الذي لا يعتبر ذلك استغلالًا بل حق، ولم يجبر أحداً على الاستئجار.

 

تخفيض على الورق

عقب موجة النزوح الكبيرة لأهالي ريفي إدلب الجنوبي والشرقي وريفي حماة الشمالي والغربي، وارتفاع إيجارات البيوت بشكل جنوني من قبل مالكيها، أصدرت “حكومة الإنقاذ” العاملة في إدلب وريفها وريفي حلب الغربي والجنوبي شمالي سوريا بتاريخ 18 آب الفائت، قرارًا حددت فيه بدل السكن بالمنازل في مناطق سيطرتها.

ونصَّ القرار الصادر عن “رئاسة مجلس الوزراء” التابعة لـ “حكومة الإنقاذ” على “تحديد إيجارات المنازل كما كانت عليه قبل موجة النزوح الأخيرة”.

وجاء في القرار: “تمدد عقود الإيجار حكمًا طالما أن الأسباب الموجبة للتعاقد مازالت قائمة من قبل الطرفين، كما يحدد سقف الإيجار بالأسعار التي كانت سائدة في شهر شعبان الفائت”.

وحدد القرار نسبة العمولة التي يتقاضاها أصحاب المكاتب العقارية لتكون إيجار نصف شهر فقط مهما جُدد العقد أو مُدد، وطالبهم بمصادقة عقود الإيجار من قبل المجالس المحلية، كما ألزم أصحاب البيوت الفارغة بتأجيرها بما تم تحديده أو فتحها لاستقبالهم وإلا سيخضع كل منزل للتأجير الجبري بأجر المثل، وسيكون متابعًا من حيث فروع وزارة الإدارة المحلية.

محمد عزيز رئيس المجلس المحلي لبلدة “إبين” غرب حلب أوضح لـ “بوابة سوريا” أن “القرار جاء بعد اجتماعات عدة مع مجلس الشورى الذي اقترح على رئاسة حكومة الإنقاذ تحديد أسعار الإيجارات نتيجة لارتفاعها بشكل كبير، حيث تم تحويل القرار إلى كافة فروع محافظتي حلب وإدلب لتقوم الأفرع بدورها بتحويله إلى المجالس المحلية في كل منطقة وتلزم الأهالي بتنفيذه”.

يضيف عزيز، أن الهدف من القرار هو الحد من تجاوزات مالكي البيوت ممن طلبوا أجورًا مرتفعة لقاء السكن في منازل يملكونها، حيث تم تحديد سعر إيجار المنزل الذي يحوي 4 غرف مع توابعها بسعر 30 ألف ليرة سورية، أما 3 غرف فإيجاره بـ 25 ألفاً، والغرفتين 15 ألفاً، ليكون إيجار الغرفة الواحدة مع توابعها “منافع” 8 آلاف ليرة سورية”، لافتاً أن المجالس مسؤولة عن تطبيق هذا القرار وأن أي شكوى تقدم بهذا الخصوص ستقوم بتحويلها مباشرة إلى المخافر التي ستحولها إلى القضاء بشكل مباشر ليتم أخذ الإجراء والعقوبة المناسبة.

 

غياب التطبيق

بدوره أكد رئيس المجلس المحلي في بلدة الجينة غرب حلب رضوان العاصي لـ “بوابة سوريا” أن نسبة تنفيذ وتطبيق القرار الصادر عن حكومة الإنقاذ هي 0% لأسباب عدة أهمها قلة البيوت الصالحة للإيجار في البلدة أو حتى المنطقة، وبالتالي شكل ذلك خوفاً عند المستأجر “النازح” من عدم إيجاد بيت آخر يستأجره إن فقد بيته الحالي نتيجة خلاف مع مالك المنزل حول الإيجار، كما أنهم لم يسجلوا أي شكوى واردة في صندوق المجلس نتيجة تخوف النازحين من فقدان المسكن، عبر إخراجهم بحجة السكن في البيت أو إيواء ذويه فيه.  

يضيف العاصي أن النازح أو المستأجر إن قدم شكوى غلاء أو ارتفاع أجور فإنه يتعرض للطرد من قبل مالك المنزل عند بداية شهر جديد، وذلك بحجة السكن فيه أو عدول المالك عن فكرة التأجير، ليقوم الأخير بمعاودة تأجيره بعد مدة من الزمن بسعر هو يحدده”، كما لفت إلى الوضع السيء الذي سيحل بالنازح إن فقد السكن أو قرر العيش داخل خيمة، فلم يعد متوفراً لدى المجلس أية خيام يقدمونها للنازحين ليسكنوا فيها إن فقدوا مساكنهم، حسب تعبيره.

وأطلق ناشطون محليون حملة لمحاربة والحد من “استغلال النازحين” برفع إيجارات المنازل التي فاقت 200$ في بعض المناطق، ما دفع آلاف النازحين لافتراش الأراضي الزراعية والتخييم تحت أشجار الزيتون قرب الحدود التركية دون مأوى أو غطاء.

وسبق أن قال “فريق منسقو استجابة سوريا” بتاريخ 30 تموز العام الجاري: “إن النازحين في إدلب وحلب، يتعرض كثير منهم للاستغلال من قبل منظمات إغاثية وأفراد، حيث يصل سعر إيجار المنازل إلى أكثر من 200 دولار أمريكي.

معاناة كبيرة لا تزال تلاحق النازح أينما حل وسكن، حتى أن كثيراً من الأشخاص ينظر للنازح نظرة ازدراء جاهلاً ما مر به من ويلات الخوف وجحيم القصف، كما أن قرارات تخفيض الإيجارات لم تنفعهم أبدًا.

 

guest
1 تعليق
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
trackback

[…] عن رأيهم بالمبادرات التي أطلقت من قبل أهال جنوب حلب لاستقبال النازحين من مناطق إدلب […]