لعل الحفاظ على  البيئة، وسلامتها، ورغم أهميتها، وكونها تحيط بنا، نؤثر بها وتتأثر بنا، سلبا او إيجابا، لم تحظ بالاهتمام اللازم، وذلك للاعتقاد السائد، أن هناك مسائل وقضايا أهم من مسائل الحفاظ على نوع من الطيور، أو أي كائن آخر أو من قضية تلوث الهواء بغازات سامة، مثل تلك التي تنفثها في الهوا، عوادم السيارات أو مصافي النفط البدائية (الحراقات )، والتي تسبب السرطانات للإنسان ، وهذا الإهمال لم يكن متمثلا فقط بندرة وقلة الدراسات التعريفية للبيئة، ودراسة أسباب التلوث البيئي و نتائجه ، وأثاره، والحلول الممكنة لها، ونشر الوعي البيئي بين الناس والإدارات الحكومية المحلية و المجتمعات الأهلية، وربما كان هذا التقصير معللا نسبيا، بسبب حالة عدم الاستقرار، والحرب الدائرة رحاها في المنطقة. 

إلا أنه مع بوادر الاستقرار النسبي، بدأ الاهتمام بمختلف نواحي الحياة ومن هذه النواحي الهامة موضوع البيئة، فنجد أن  الإدارة الذاتية في البلديات قد خصصت مكتب لشؤون البيئة، وهذه خطوة إيجابية وسوف نتناول في هذا التحقيق نوعا واحدا من أنواع التلوث البيئي، كونه يتعلق بالجمال عموما ويتعلق بما تقع عليه عيوننا صباح كل يوم، ويؤثر على نفسية كل واحد منا، ألا وهو التلوث البصري والذي هو انعكاس وصورة مصغرة لتلوث  البيئات الطبيعية والاجتماعية والسياسية.

والذي يعنينا هنا بشكل مباشر هي مدينتنا القامشلي وريفها، والتي  تحتوي على كائنات حيّة (من أنواع مختلفة)، ومكونات غير حيّة تؤثّر على بعضها البعض، و أي خلل يصيب هذا التوازن ضمن النظام البيئي، يسمى تلوثا بيئيا، ومثال على ذلك زيادة نسبة مادة ما في التربة يؤدي إلى تلوثها مثل زيادة نسبة الأملاح أو الأحماض الذي يؤدي إلى التملح أو الحموضة ، وخروج التربة نتيجة لذلك عن الخدمة أو الإنتاج الزراعي أو النباتي وبالتالي تصحرها وتعرضها لعوامل التعرية أو انجرافها وتسمى في هذه الحالة “تلوث التربة”، ونذكر مثالا ثان : زيادة نسبة غاز ثاني أوكسيد الكربون في الجو أو تآكل طبقة الأوزون الغازية  الحامية للغلاف الحيوي للأرض، مما يؤدي إلى حدوث آثار سلبية، على النبات والحيوان و الإنسان، وتدرج هنا تحت مسمى التلوث الهوائي، أو في مثال آخر، تلوث الماء نتيجة لتسرب مياه الصرف الصحي إلى المياه الجوفية السطحية أو مياه الينابيع و الآبار، مما يؤدي إلى تلوثها بمواد كيميائية وعضوية، إذا زيادة أو نقصان أي عنصر فيزيائي أو كيميائي أو حيوي يسبب التلوث. 

ومؤخرا تم زيادة أنواع  التلوث فضلا عن التلوث المائي والهوائي والصخري نتيجة للتطور العلمي  الصناعي والتقني والعمراني العالمي، فبرزت أنواع أخرى للتلوث كالتلوث السمعي ( الضجيج )، والتلوث الضوئي و التلوث البصري ( Visual pollution ) وهو موضوع التحقيق ونقصد به.

العناصر البصرية غير الجذابة أو المنفرة، وهو التلوث الذي يصيب المناظر الطبيعية مثل آثار الناتجة عن حدوث  زلزال وما يتركه من ركام وفوضى في المكان من اقتلاع للأشجار والبيوت وعواميد شبكات الهاتف والكهرباء, و تهدم منزل قديم  أو الحريق الذي يصيب غابة أو حقول زراعية، أو المناظر الصناعية والتي ساهم فيها الإنسان سلبا مثل آثار قذيفة على منزل، أو آثار تخريب لحديقة عامة نتيجة عبث الأطفال، أو ترك مخلفات الأكل والشرب والقمامة فيها، أو أي شيء آخر نتمنى لو لم ننظر  إليه.

و كأمثلة على ذلك القمامة المنتشرة في الشوارع، وبعض الجدران ذات الألوان المتنافرة أو تكون آيلة للسقوط أو تعرضت للهدم، والمباني غير المدروسة من حيث الطراز المعماري ومواد البناء المستخدمة فيها، والعمارة غير المنظمة، وشبكة خطوط و أسلاك الكهرباء والهاتف ومؤخرا شبكات الانترنت المنتشرة عشوائي، والأعشاب و الأشجار غير المهذبة في الحدائق أو منصفات الطرق، والإعلانات العشوائية والتي تكون لوحاتها بمقاييس وألوان متنوعة غير متناسقة .

أو بمعنى وتعريف آخر هو تشويه لأي منظر تقع عليه عين الإنسان يحس عند النظر إليه بعدم الارتياح النفسي. ويمكننا وصفه أيضاً بأنه نوع من أنواع انعدام التذوق الفني، أو اختفاء الصورة الجمالية لكل شيء يحيط بنا من أبنية إلى طرقات أو أرصفة وغيرها، من المظاهر التي نجدها مجتمعة  في مدينة القامشلي و أحيائها وكافة شوارعها ، مدينة القامشلي التي تم بنائها بمخطط هندسي لتكون على هيئة باريس الصغرى أو باريس الشرق، ولمعرفة التفاصيل بدقة أكثر التقينا شخصيات عدة من قامشلي فأفاد عبد الله حسن ( صاحب محل تجاري ) لـ”بوابة سوريا” :إن الاهتمام بالمنظر العام للمدينة وتخطيطها العمراني الداخلي من حيث مخطط المدينة الهندسي والطراز المعماري، وتوزع الحدائق و الأسواق والملاعب و الأحياء السكنية والصناعية وصبغتها الجمالية، مهم جدا، وينعكس كل ذلك على سعادة ونفسية المواطن، فنلاحظ مثلا أن الأيام التي تخلو من الضجيج والمشاكل كالقيام برحلة إلى الريف، حيث نجد إمكانية النظر إلى العشب الأخضر والاستلقاء عليه، أو تأمل منظر الأفق  والسماء المفتوحة تؤدي إلى تحسن نفسية زبائننا يزداد اقبالهم على الشراء عند عودتهم للتسوق .

و قالت مالا خلف (طالبة جامعية ) لـ”بوابة سوريا” : لا يعمل أحد على تحسين الصورة البصرية للمدينة، ويعتبرون ذلك ترفا سواء الناس أو البلديات ! فمنذ متى نعاني من تلوث نهر جغجغ ؟ الذي يمر من منتصف المدينة ولم تكلف أي بلدية  نفسها مثلا مسؤولية تنظيف مجرى النهر أو فرش مجراه بالأحجار أو تبليطه، و بالإمكان مشاهدة المارة وهم يرمون فيه القمامة، تخيل لو أن هذا النهر مياهه عذبة و محاطا بالأشجار على ضفتيه، كم كان سيكون ذلك رائعا ! إن مسؤولية الحفاظ على البيئة مسؤولية جماعية.

أما الأستاذ ويس تمو (مدرس جغرافيا ) أوضح لـ”بوابة سوريا” : أن مسألة التلوث البصري والحد منها ضرورية جدا، وليست ترفا، فالدراسات تثبت أن مشاهدة الأشياء الجميلة صباحا مثل شارع نظيف و أشجار خضراء وواجهات منازل أو محلات تجارية جميلة يزيد قدرة  الأشخاص على الإنتاج، ويبعث فيهم التفاؤل و الإقبال على الحياة، وذلك بعكس الأشخاص الذين يشاهدون منذ ساعات الصباح الأولى مشاهد للقمامة أو اكتظاظ الشارع بالسيارات والأزمات المرورية، وانتشار الدخان من عوادم السيارات، كل ذلك يثبط من عزيمته ويجعله عصبيا ومتوترا ؛ مما يجعل قدرته على العطاء و الإنتاج  تخف مهما كانت طبيعة عمله

 حملنا مجموعة تساؤلات وهواجس الموجودة عند الناس وتوجهنا إلى بلدية القامشلي فتحدثت الينا الآنسة (روجدا أوسي ) العضو في قسم البيئة في البلدية قائلة : من أسباب التلوث البصري ومظاهره هو سوء التخطيط العمراني لبعض الأبنية سواء من حيث الفراغات أو من حيث شكل بنائها. فمثلا نصب أعمدة الإنارة في الشوارع ذات ارتفاعات عالية لا تتناسب مع الشوارع، وتوزيع صناديق القمامة بأعداد قليلة، ويكون عادة تصميمها بأشكال  تبعث علي التشاؤم وتفتقد للجمالية.

و تابعت “أوسي” بحديثها لـ”بوابة سوريا”:دهن واجهات المباني عشوائيا وبشكل إفرادي كل حسب ذوقه من غير مراعاة الذوق العام ، وتركيب أجهزة التكييف في الواجهات، وصحون استقبال القنوات التلفزيونية على السطوح، وترك المباني المهدمة وسط الأحياء السكنية لفترات زمنية طويلة من غير تركيب سور بلاستيكي لها، ونشر اللافتات واللوحات الإعلانية في الشوارع بألوانها المتضاربة، وعشوائية القيام بالحفريات، سواء من قبل جهات ومؤسسات رسمية أو أفراد وشركات خاصة .

وحول التراكم الكبير للملفات المتعلقة بالبيئة دون حلول جذرية و آفاق الحل للحد من هذا التلوث البصري والخطوات العملية الجاري تنفيذها، أو  الخطط والبرامج المراد تطبيقها مستقبلا، وعلى من تقع المسؤولية سابقا ومن سيواجه التحدي الآن ومستقبلا ؟

 قالت الآنسة منى فاروق إبراهيم ( رئيس بلدية قامشلي ) لـ”بوابة سوريا“: أن هذه الأسباب تعود لتراكم الأخطاء و الإهمال منذ سنوات طويلة، لم تول فيها بلدية النظام في المدينة الإهتمام الكافي للحد منها؛ بالرغم من إمكانياتها التي تزيد عن إمكانيات بلدية القامشلي، الحديثة العهد، والتي بدأت بوضع الخطط السنوية وتنفيذ مشاريع عديدة للحد من التلوث البصري وذلك كمشروع زيادة المساحات الخضراء في المدينة، من خلال بناء وترميم الحدائق وتأهيل القديمة منها، وزرع الأشجار، وتلوين واجهات المحلات التجارية، بألوان مريحة للعين، كما نقوم بحملات توعوية بيئية بين الأهالي لأن مهمة إظهار المدينة وجمالياتها تقع على عاتق  المجتمع، والحكومات وكافة المؤسسات، ونسعى بشكل تدريجي إلى جعل المدينة وبيئتها مريحة لكل من يسكنها أو يمر بها وذلك يتطلب تضافر جهود الجميع، وهنا حقيقة نعاني من مسألة انحياز المواطن لمصلحته الشخصية الآنية وتفضيلها على المصلحة العامة.

وتضيف المهندسة (سناء علي حسي ) رئيس قسم البيئة في بلدية قامشلي بحديث لـ”بوابة سوريا”  : إننا نواجه مشكلة مضاعفة كوننا نعمل في مدينة قائمة و أحياء سكنية مر على بنائها عشرات السنين، دون أي اعتبار للعامل البيئي أو البصري، فتجد ضمن الشارع الواحد ارتفاعات مختلفة للرصيف الواحد، فكل مواطن صنع الرصيف الخاص به حسب إمكانياته وذوقه الشخصي، من حيث الارتفاع أو لون الحجر المستخدم، كما تجد بنايتين متجاورتين أو منزلين لكل منهم ارتفاع طابقي مختلف، وواجهة منزل يختلف تصميمها الهندسي ولونها عن الواجهة المجاورة، فضلا عن أسلاك الهاتف والكهرباء والانترنيت العشوائية، والتي تعطي منظرا منفرا للعين. 

وعن إمكانية إيجاد حلول جذرية لكل هذه المسائل وتنوعها باعتبار أن هذه المسائل تنطبق على آلاف المنازل وعشرات الأحياء والشوارع ولا يمكن التعامل معها، كونها قائمة وأمر واقع، وليست ضمن مخطط عمراني جديد أو مستحدث  يكون فيه الطراز المعماري محددا وموحدا، وتكون واجهات الكتل العمرانية، السكنية، وشرفاتها موحدة، وعدد طوابق البناء موحدا و أحجار و ألوان الرصيف واحدة. 

قالت المهندسة  (سناء حسي ) : قمنا بإصدار تعميم لتوحيد واجهات المحلات لونيا، كما بدأنا العمل بتلوين ودهن حافات الأرصفة بالألوان المناسبة كخطوة أولية، ويتم التطبيق  على المشاريع السكنية القائمة أما بخصوص المشاريع السكنية المستقبلية والتوسع العمراني للمدينة، فسيكون لنا حديث آخر وسوف نحاول أن نتلافى كل ما سبق ذكره من مشاكل، من خلال وضع المخططات العمرانية بمشاركة واسعة من ذوي الاختصاص، سواء مهندسين مدنيين أو زراعيين أو جغرافيين أو من اختصاص الهندسة البيئية.  

وحول السبل الرادعة للأفراد والمؤسسات والشركات والإجراءات الجزائية والعقابية  في حال ارتكابهم مخالفات تضر بالبيئة، كالبناء غير المرخص و إغلاق الشوارع أو رمي القمامة في غير الأماكن المرخصة، أو غير المواعيد المحددة من قبل البلدية  أو شغل الرصيف ؟ 

قالت السيدة “منى ابراهيم ” لـ”بوابة سوريا“: تم تشكيل ضابطة بيئية مهمتها الوقوف على المخالفات البيئية والحد منها، وذلك بفرض غرامات مالية على كل من يسيء للبيئة، سواء برمي القمامة في غير المحلات المخصصة لها أو في الحاويات أو إلقائها في غير المواعيد المحددة، كما من مهامها أيضا الحد من مخالفات البناء، وخصوصا الذين يستغلون أيام العطل لذلك أوعزنا لهذه الضابطة العمل أيام العطل، أيضا والعقوبة تكون عبارة عن غرامة مالية، علما أننا لم نكن من أنصار الإجراءات القسرية أو التي تتم بقوة القانون بل كنا من أنصار قوة القيم و الأخلاق المجتمعية .

 





 

guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments