مع اقتراب فصل الشتاء تتصدّر مصاعب هذا الفصل القاسي، أحاديث النازحين في المخيمات من ريف إدلب الجنوبي وريف حماة الشمالي، ولا سيما مع قسوة الحياة في المخيّمات وصعوبة تأمين مواد تدفئة الشتاء، فالحياة الجديدة التي دخلوها في مناطق النزوح والروايات التي سمعوها عن برد الخيام، ستتحول إلى حقيقة ملموسة مع بداية دخول فصل الشتاء بعد أن تلاشت كل خيوط الأمل بعودتهم إلى بلداتهم التي أصبح قسم منها تحت سيطرة قوات الأسد والقسم الآخر تحت مرمى نيرانه.

 

بين المازوت والحطب

يعتمد سكان الشمال على عدة وسائل للحصول على التدفئة خلال فصل الشتاء بما يتلائم مع إمكانياتهم المادية لكن تبقى أصناف الديزل والحطب والبيرين الأكثر استعمالاً بسبب سهولة استعمالها و توفرها المستمر في الأسواق، بينما يأتي قشر الفستق والفحم الحجري وفحم الحراقات كخيارٍ ثانوي بسبب صعوبة استعماله وحاجته لمدافئ من نوع خاص بحسب الناشط خالد عبد الرزاق.

أبو خالد، كغيره من نازحي ريف إدلب الجنوبي لم يجزم أمره بخصوص المادة التي سيستعملها للتدفئة هذا العام فغياب الاستقرار عن مهجري ريف إدلب الجنوبي يضعهم أمام تحديات جديدة في فصل الشتاء، لأن المنازل التي يقطنوها اليوم قد يغادروها غداً إلى مناطق أخرى، وبالتالي لن يتمكن أبو خالد من شراء مؤونة الشتاء من مادة المازوت دفعة واحدة حتى وإن توفرت بسعرٍ معقول، خوفًا من تركه للمنزل الذي يقطنه والانتقال لمكان آخر وبالتالي دفع تكاليف إضافية على نقل تلك المواد.

يقول أبو خالد: “في العام الماضي اشتريت ثلاثة براميل مازوت كمؤونة للتدفئة خلال منتصف الصيف، أما اليوم فسوف أعتمد على شراء المحروقات بشكل حسب الحاجة، خوفًا من الانتقال من مكان إلى آخر، كما أن المنزل الذي أسكنه غير مجهز بشكل جيد لاستقبال الشتاء لذا أتوقع دفع تكاليف أكبر من العام الماضي”.

ويتوقع إبراهيم العطية، أن يدفع هذا العام أكثر من مئة ألف ليرة ثمنا للحطب الذي سيستعمله في التدفئة في حين كان إبراهيم قد اعتاد على استعمال الكهرباء أثناء إقامته في بلدته “الشريعة” بسهل الغاب، ما وفر عليه الكثير من مصاريف التدفئة في ذلك الوقت.

يتراوح سعر برميل المازوت اليوم ما بين 60 – 65 ألف ليرة سورية بحسب نشرات الأسواق المحلية وتحتاج العائلة بشكل وسطي قرابة البرميلين خلال فصل الشتاء، حيث تُضاف تلك الأعباء إلى قسوة النزوح ومصاريفه التي أتعبت المهجرين من ديارهم واستنفذت مدخراتهم المالية.

يقول محمود العمر وهو نازح من ريف إدلب: “لا أملك القدرة على شراء حاجتي من المحروقات دفعة واحدة فقد صرفت كل الأموال التي كنت ادخرها أثناء التنقل للنزوح وآجار المنازل لذلك أنا مجبر على شراء المحروقات بشكل متفرق حسب المبالغ التي تتوفر معي ما سيحملني أعباء إضافية نتيجة الشراء بالمفرق”.

 

صعوبة تأمين مواد التدفئة

في مخيمات الشمال تظهر معاناة السكان في تأمين مواد التدفئة بشكل أكثر وضوحًا، بسبب ضيق الأحوال المادية، التي دفعت بدورها الكثير من النازحين لاستعمال المخلفات البلاستيكية كوسائل للتدفئة خيمتهم بحسب زهير المحمد، النازح الذي يعيش في مخيمات أطمة فحالته المادية لا تسمح له بشراء أي نوع من الوقود أو الحطب للتدفئة.

يقول المحمد: “ما أحصل عليه من أموال من عملي ببيع الملابس المستعملة لا يكاد يكفي عائلتي حتى آخر الشهر وأسعار المحروقات أو الحطب مرتفعة على أمثالي، كما أن تكلفة تشغيل المدفأة على المازوت أو الحطب تتجاوز 1500 ليرة في اليوم ما يعني أني سأكمل يومي من دون أي مصاريف أخرى حتى نتمكن من تأمين الدفئ، لذا سأعتمد على حرق المخلفات البلاستيكية والملابس القديمة خلال فصل الشتاء”.

لا ينكر المحمّد، حجم الضرر الذي ينجم عن حرق مثل هذه المواد ضمن تجمع سكاني، لكنه يبرر لنفسه ذلك الفعل بقوله “البرد ما بيرحم ومتلي متل هالناس” حيث أصبح حرق الملابس القديمة للتدفئة أمرًا اعتياديًا في المخيمات.

يقول مدير مخيم “الكفير” فراس أبو محمد: “خلال الشتاء تعجز عن السير ضمن شوارع المخيمات نتيجة الروائح الكريهة المنبعثة من حرق المواد البلاستيكية والأحذية، حيث يجبر الفقر هؤلاء الناس على اعتماد تلك الوسائل للتدفئة ويعرضون أنفسهم وأطفالهم لخطر استنشاق تلك الغازات بسبب عجزهم عن استعمال أي وسيلة أخرى”.

يتابع مدير المخيّم أن بعض المنظمات تقدّم مادة البيرين لسكان المخيمات لكن الكمية المقدمة تكفي لأيام معدودة فقط، مقابل طول مدّة فصل الشتاء وبرودته حيث تختلف الإقامة ضمن الخيام عن الإقامة ضمن المنازل الاسمنتية مما يكلف نازحي المخيمات أعباءً إضافية أكبر بكثير من غيرهم”.

تحتاج العائلة الواحدة بمعدل وسطي لـ 2 طن من الحطب في فصل الشتاء، ويتراوح سعر الطن الواحد ما بين 50 -70 ألف ليرة سورية بحسب نوع الحطب وهو سعر مرتفع مقارنة بدخل النازحين في الشمال السوري حيث خسر الكثير منهم فرصة العمل التي كانوا يعملون بها في بلداتهم، وبات الحصول على فرصة عمل أخرى في مناطق النزوح أمرًا صعبًا للغاية بحسب الناشط خالد عبد الرزاق والذي يرى أن “دور المنظمات الإنسانية يجب أن يكون أكبر هذا العام نتيجة الأعداد الكبيرة للنازحين بالإضافة لغلاء المعيشة وتدني مستوى الدخل في الشمال السوري”.

وتابع عبد الرزاق: “تتأخر الكثير من المنظمات في دراسة مشاريع الشتاء، الأمر الذي يؤخر وصولها للمواطنين، وكثيرًا ما كانت تصل تلك المساعدات مع نهاية فصل الشتاء الأمر الذي يقلل من أهميتها لدى المحتاجين.

 

منظّمات تحاول سد الفجوة

يعمل فريق ملهم التطوعي بشكل سنوي على تنفيذ حملة بعنوان “خيرك دفا” تعتمد على جمع المساعدات من ميسوري الحال، وتوزيعها على المخيمات  على شكل “بيرين” للتدفئة أو أغطية شتوية، ويبدأ الفريق بتوزيع المساعدات مع بداية الشهر 11 بحسب المتطوع عبد الله الخطيب حيث يتم استهداف أكثر من 3000 عائلة بشكل سنوي كل شتاء لكن تبقى الكميات المقدمة أقل بكثير من حاجة سكان المخيمات.

هيئة ساعد الخيرية أيضًا، هي واحدة من المنظمات التي تعمل بشكل سنوي على توزيع المحروقات وأدوات التدفئة والسلل الشتوية على النازحين، لكن التدفق الكبير للنازحين هذا العام يحتم عليهم زيادة الكميات الموزعة بهدف تغطية أكبر شريحة من سكان المخيمات بحسب مدير مكتب ساعد في إدلب.

وكانت موجات النزوح التي تعرضت لها مناطق ريف إدلب الجنوبي وحماة الشمالي، أكبر من قدرة المنظمات على استيعاب أعداد النازحين وتأمين احتياجاتهم، لذا عمدت المنظمات إلى تأمين الاحتياجات الأساسية بالدرجة الأولى.

يقول منسق مشاريع الداخل بجمعية عطاء الإنسانية أحمد الهاشم: “في الشتاء الماضي قدمنا مواد التدفئة لقرابة 69 ألف مستفيد إضافةً إلى الكسوة الشتوية التي وزعت لأكثر من 115 ألف مستفيد”.

لكن الهاشم يرى أن موجة النزوح الكبيرة هذا العام دفعت المنظمات لحل المشكلات الطارئة بالدرجة الأولى من تأمين مخيمات ومراكز إيواء للنازحين تحت الأشجار وتأمين الحاجيات الأساسية لهؤلاء النازحين من مياه وغذاء وغيرها.

يتابع الهاشم: “صعوبة الموقف والأعداد الكبيرة الوافدة إلى مناطق الشمال السوري منعتنا من اتخاذ أي إجراء بما يخص فصل الشتاء، باستثناء تسويق المشاريع التي قمنا بدراستها على أمل أن نتمكن من زيادة عدد المخيمات وتأمين مواد تدفئة لهؤلاء النازحين”.

ومع اقتراب فصل الشتاء واستمرار معاناة النازحين ينبغي على المجتمع الدولي التحرك بشكل أكبر لاحتواء الأزمة التي تهدد المنطقة بشكل كامل خوفًا من وقوع كوارث إنسانية جديدة في النازحين السوريين.