خولة سمعان

يا لأيلول ماذا يفعل في نفس الإنسان! كيف له أن يتوغل في أعماق النفس المخبأة بعناية فيثير زوايا منسية تبعث على البكاء!  لماذا افترقنا؟

مهما حللنا وبحثنا وكتبنا في موضوع ( نكبتنا السورية) تبقى هناك نواحي غير مسماة، نواحي يعرفها الشعور الإنساني، يعرفها من عاشها، كيف افترقنا وقد كنا نعيش معاً، كنا عائلة واحدة، وكان لنا وطن نجلس على رصيفه دون توجس من نظرات المارة الذين قد يقولون: انظروا هؤلاء السوريين ماذا يفعلون!

وكان لنا عائلات وأولاد وأخوة وبيت العم والخال والجد،  وكان القهر يلازمنا لكن كنا معاً وكان لنا وطن.

إن البحث في مأساتنا شائك جداً، يتطلب عدداً هائلاً من المواضيع التي يجب طرحها وتحليلها ومعرفة أبعادها وآثارها من قبل المختصين، لذا لابأس من تناول بعض القضايا التي تتعلق بالمأساة بشكل أو بآخر،  بطريقة محايدة، على أن نقوم بالبحث في عديد من العناصر التي كان لها أثر فعال في هذا التشريد الذي يكاد التاريخ لا يعرف له نظيراً.

إن ما يثير الحزن والأسف ما آل إليه حال الإنسان السوري، سواء كان في الداخل أو في خارج البلاد،  ففي الداخل بات السوري غريباً مستلباً خائفاً جائعاً في بلاد يجب أن تكون بلاده،  وهي بلاد القوات الغريبة التي قهرته وبترت روحه وقصمت بيته وظهره وأبناءه ( باستثناء المستفيدين من الحرب بالمتاجرة والسمسرة..) ، وفي الخارج هو ما يزال يسأل: إلى أين؟  لا يعرف له مقراً آمناً  شريداً مكسورا ضائعاً محروماً.

وهو إلى جانب كل هذا التشرذم والقهر والجوع يكيل العداء بعضه، لبعض ولا سيما إذا ما حاولنا تجميعه وتوعيته!

إن هذا -ولا شك-اختلاط في المفاهيم والوعي الفكري، مما يعطل البوصلة الحسية للإنسان فتراه يحسب من هو شريكه في المعاناة عدوه، ولا يستبعد أن يتودد إلى من كانت له أيدي في عذاباته! فيكرس شقاءه ويزيد أوضاعه صعوبة وتشابكاً.

أسفرت الحالة السورية عن قصور في الوعي السياسي لدى النخبة السياسية، والتي تسمى ( معارضة)  في الأغلب، مما أدى إلى تنافرهم وعدم وصولهم إلى قرار موحد طيلة هذه السنوات. بالطبع هناك عوامل عدة زادت من هشاشة مواقفهم، أهمها تلاعب الجهات الخارجية ذات النفوذ والأطماع، وعدم امتلاكهم القدرة الحرة في اتخاذ القرار كونهم – في معظم الحالات – خاضعين إلى الجهات التي تدعمهم أو تؤيدهم،  أو افتقارهم إلى التجربة والخبرة ؛ بسبب القمع الذي كان يمارس ضدهم في الداخل .

أما عن عامة الناس بمن فيهم حاملي الشهادات التعليمية العليا وأصحاب الفكر والفن والمشتغلين في حقل الثقافة، ومن ثم جمهور العامة وهو جمهور متعلم. ( بلغت  نسبة الأمية في سوريا في عام 5 بالمائة عام 2009)، وبلغت نسبة الإناث من حملة الإجازات الجامعية ممن تتراوح أعمارهن بين 30- 34 سنة  2.3 بالمائة  مقابل 6.7 بالمائة  من الذكور في العام 2010 [1]

غير أن التعليم الجيد لا يعني امتلاك الوعي بحسب جلال صادق العظم ، إن هذا ما تظهره أحوالنا – نحن السوريين – التي تعيشها اليوم، كما أسلفنا.

تقع مهمة التوعية الفكرية الثقافية الاجتماعية على عاتق المؤسسات المختصة، وقد قامت في سوريا وزارة مستقلة باسم وزارة الثقافة، وعليها تقوم مسؤولية تثقيف الناس كما يفترض، غير أن بث البرامج التثقيفية والندوات والحوارات كانت تتم عبر شاشات التلفزيون،  وهذا ما يجب أن يكون لأن الناس تتابع التلفزيون لا دواوين الشعر السوريالي الذي تطبعه وتنشره وزارة الثقافة، وهذا ما كان يخضع لوزارة أخرى غير وزارة الثقافة، هي وزارة الإعلام، وكان الناس في معظم الحالات يعرضون عن مشاهدة البرامج التي تدور في فلك الأفكار، لجفافها وانحيازها و خوائها المتعمد و دورانها في فلك استعراض منجزات غير موجودة في الواقع.

من جهة أخرى استُبعٍد المثقفون بطرق عديدة، أقلها: تهميشهم أو تغييبهم أو تهجيرهم، وصولاً إلى اعتقالهم بالكامل، في الوقت نفسه تم إطلاق العنان لمؤسسات ومعاهد دينية تعمل عملها في نشر الفكر الديني المغلوط، الذي يقوم على شروح الشروح في الفقه والفتاوى والآراء الدينية، وتصدر عنها آراء وفتاوى متشددة ومفتقرة إلى السند الصحيح، وتُقدم للناس على أنها الدين الحقيقي والاسلام الصحيح،  وقد وجدت هذه المؤسسات الفراغ المناسب لدى الناس فملأته، ذلك أن الإنسان يحتاج إلى من يوجه فكره ويطمئن قلبه و ينتشله من الفراغ والضبابية اللتين هو متروك لهما، الأمر الذي نتج عنه جيل من الشباب ذوي ميول دينية متشددة بنسبة كبيرة، ونحن نقرأ تناحراته التكفيرية اليوم في وسائط التواصل الاجتماعي.

يفسر الدكتور برهان غليون هذه الظاهرة بقوله: ( ما يبدو من مظاهر تشبث المجتمعات العربية بالإرث الثقافي والديني القديم ليس له علاقة بهذا الإرث نفسه،  وإنما هو ثقافة جديدة أو جزء من ثقافة جديدة،  هي ثقافة الرد على حالة التهميش والإقصاء والعنصرية التي تعيشها الأغلبية الساحقة من الكتل الشعبية المنتزعة من أي هوية وثقافة .)[2]

هناك فريق يتهم الثقافة العربية في بنيتها الأساسية،  فيقولون هي ثقافة قاصرة عن بلوغ الركب الحضاري المعاصر،  فيرد الآخرون بالبرهان على جدارة الثقافة العربية بدليل ما بلغت في القرون الهجرية الثاني والثالث والرابع من إشراق أنار العالم كله،  و يرجحون أن السبب في عجزها عن النهوض بالأمة اليوم يعود إلى التناحر بين فريقين أساسيين من المفكرين: الأول ينادي بالعودة إلى الماضي المجيد وتراثه والاستهداء به،  والفريق الثاني يرفض الأول ويرفع لواء الثقافة الغربية على أنها الطريق الصحيح نحو الحضارة.

وفي الحقيقة تمكن المشروع الثقافي النهضوي الحديث من تثبيت خطواته وتشكيل ملامحه في الوطن العربي إثر  الحرب العالمية الثانية:

( بعد الحرب العالمية الثانية اقترن تطبيق نموذج العربي بالتركيز على الإنتاج المحلي والنزعة التجارية الحمائية،  وذلك ما يعرف بتصنيع بدائل المستوردات،  وفي العقود الأولى بعد الحرب حققت أغلبية البلدان العربية نتائج إيجابية في ميدان النمو الاقتصادي،  وسجل كثير منها ارتفاعاً ضخماً في معدل العمر المتوقع والقدرة على القراءة والكتابة والصحة العامة،  وفي الستينيات والسبعينيات كان الشرق الأوسط هو المنطقة الأسرع نمواً في العالم.) [3]

هذا ما رصدته الكثير من المؤسسات والهيئات الدولية فأرسلت  مننا إلينا من رأته مؤهلاً ليِغّلَنا ويعيدنا إلى الخلف الذي يبدو معه الخلف الاستعماري طيباً ورحيماً .

( إنها مشاريع حكومات سلطوية عملها مصادرة الحرية وغلّ الأكمام  ونهب الثروات). [4]

يسلط توسيع الشبكات الدينية الضوء – في حكومة النظام السوري –  على عمليات تمتين البنى القائمة على الطوائف وتوسيع قاعدتها الشعبية في ظل ضمور الدولة) . [5]

يتبع

_____________

 

[1]تقرير صادر عن ( Shemera)  وحدة التعاون بين الإتحاد الأوروبي ودول البحر المتوسط.  التقرير الوطني. سوريا

[2] د. برهان غليون. مدوناته على النت المشاع

[3]  مركز كارنيغي للشرق الأوسط.  الإقتصاد السياسي – معدلات نحو النمو العادل

[4] مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان بعنوان ( عسكرة السياسة وتجديد السلطوية)  حالة حقوق الإنسان في العالم العربي.

[5] مركز كارنيغي للشرق الأوسط – هاريتيون أكديديان.  توسع الحقل الديني في سوريا.

مصدر الصورة: commons.wikimedia