د.محمد عبدالرحمن عريف

هي المهنية الإعلامية نحو القيام بتغطية قائمة على المعلومة واستعراض الحدث بشكل علمي واستخدام كل المواد التى تدعم مثل هذه التغطية.. فهل هذا هو ما يقدمه الإعلام العربي نحو قضية اللاجئين السوريين لتسع سنوات خلت؟، لقد  تخلى تمامًا عن الأداء المهنى الأمثل وتورط فى شكل واحد من أشكال الأداء البعيد تمامًا عن المهنية وهو أن يخرج عليك مقدم البرنامج ليتحدث فى منولوج طويل ليعبر عن رأيه فى موضوعات بعينها وليهاجم شخصية سورية ما ويتهمها اتهامات مرسلة أو ليروي وقائع ما لا دليل على صحتها سوى أن من يقولها يعتلي منصة إعلامية تمكنه من أن يقول كل ما يريد أن يقوله بطريقة ليست إعلامية أو مهنية بالمرة.

بداية القضية مع عدد أقل من وسائل إعلامية ركزت على حياة اللاجئين السوريين أنفسهم في البلاد الحاضنة، وعن التحديات الثقافية التي واجهتهم أثناء الأزمة. ولطالما ركز الإعلام العربي على الأزمة فحسب ولا أحد يهتم بقصص النجاح وكيف نجح اللاجئون في التكيف اجتماعياً وثقافياً في بلادهم الجديدة، كالمطاعم والأسواق والمشروعات التي يديرونها وتأثير كل ذلك على الاقتصاد. وحيث أن مشكلة اللاجئين تُعد واحدة من أسوأ المشكلات التي واجهت ومازالت وستظل تواجه الواقع الدولي والوعي والضمير الإنساني.

نظراً لما يكتنف مشكلة اللاجئين السوريين من ملابسات ومآسي إنسانية تجاوزت الممكن والمعقول والمحتمل، جعلت بعض الإعلاميين لا تفوته هذه الفاجعة الإنسانية العربية دون أن يتناولها بالبحث والدراسة، للوقوف على أسبابها، وأبعادها، والنتائج المترتبة عليها، والمساعي والجهود الإقليمية والدولية المبذولة لتسويتها، ولرصد التهديدات والمخاطر المترتبة على وجودها واستمرارها.

كانت الأحداث قد تسارعت ومعها المآسي في سوريا حتى بات مشهد النازحين من المدن والقرى المحاصرة التي تتعرض لكل أنواع القصف مألوفًا، بحيث تزايدت وتيرة نزوح السوريين الهاربين من دموية النظام في كل اتجاه. غير أن وجود بيئة شعبية حاضنة للنازحين والناشطين لم يكن ليكفي، فالأعداد كبيرة وفي تزايد مطرد. فلقد سيطرت قصص اللاجئين السوريين على مختلف وسائل الإعلام العربية مع توالي نزوح ملايين السوريين إلى أوروبا سواء تكللت بالنجاح أو بالفشل.

رغم اختلاف استراتيجيات التناول الإعلامي من وسيلة لأخرى، فقد غلبت عليها عدة موضوعات أساسية أهمهم إدانة الدول العربية النفطية بسبب لا مبالاتها بالأزمة، الإصلاحات الداخلية، وانتقاد الدول الغربية. فأعربت بعض وسائل الإعلام العربية عن غضبها من قادة الدول العربية متهمة إياهم بعدم المسئولية تجاه دعمهم للاجئين السوريين.

الواقع أن عدد أقل من الوسائل الإعلامية ركزت على حياة اللاجئين السوريين أنفسهم في البلاد الحاضنة كما تساءلت صحيفة الأهرام المصرية عن التحديات الثقافية التي واجهتهم أثناء الأزمة. “لطالما ركز الإعلام العربي على الأزمة فحسب ولا أحد يهتم بقصص النجاح وكيف نجح اللاجئون في التكيف اجتماعياً وثقافياً في بلادهم الجديدة، كالمطاعم والأسواق والمشروعات التي يديرونها وتأثير كل ذلك على الاقتصاد”.

لقد حاولت بعض الدراسات أنَّ تعرض لحق أصيل في الحكمِ الرشيد، وأنْ ما حَدث مِنْ إِسَاءِة الإعَلاَم العرِبيّ للَاجَئيّنَ السُورِيِيّنَ. وذَلك في مُحاولةِ لتَطُوير وَاقع اللاجئِينَ السوُريينَ إلىّ الأفضَل والمأمُول. ودعت هذه الدراسات إلىّ موُقف للإعَلام الحُر مِن قَضية اللاجئينَ السوُريينَ، وإدَانة للتصرُفَات الإعَلامية غَير المهنية، والتي تَصنع أخباراً غَير وَاقعية وتَستثمِرَهَا لأغرَاضِ خَاصة .وما موقف القانون الدولي من هذه الإساءة؟.

كذلك رمت بعض الدراسات إلى تسليط الأضواء على بيان الحلول التي تحتاجها الأمم والشعوب لللحفاظ على الكرامة الإنسانية .وأثارت جملة من القضايا الحساسة والشائكة، فحاولت أن تصف الواقع نظرياً، ومحاولة طرح بعض الحلول العملية لتجاوز الأزمة الراهنة على أيدي العقلاء والصلحاء. وذلك في محاولة جادة وسريعة لترشيد هذه القنوات الفكرية، وتصحيح مسارها، وضبطها، للمحافظة على البناء الصحيح للحكم الرشيد في عمومه عربياً وإسلامياً وعالمياً، وتطبيق ذلك على الواقع بنموذج اللاجئين السوريين في المحيط الإقليمي، من تقديم العون بكل الأشكال لهم.

رغم ذلك فإن ما يقدم الآن على المنصات الإعلامية ليس له أى صلة بالأداء الإعلامى كما يجب أن يكون.. ومن هنا تحول الإعلاميون إلى زعماء كل منهم قادر على أن يعتلى المنصة الإعلامية ليقول كل ما يعن له أن يقوله بصرف النظر عن أن هذا يصنف على أنه إعلام أم أنه أبعد شىء عن الأداء الإعلامي بالمعنى المفهوم للأداء الإعلامى..

بناء على اسلفناه تطورت الأمور بسرعة ليقول كل إعلامي ما يعن له أن يقوله بصرف النظر عن مهنية ما يقول أو بعده تمامًا عن المهنية؛ فقد تحول تقديم البرامج إلى ما يمكن تسميته «المكلمة» يخرج علينا مقدم البرنامج ليقول رأيه فى واقعة أو رأيه فى شخص ما دون دليل أو إثبات أو برهان .. مجرد كلام مرسل يقوله وكأنه الحقيقة المجردة. من هنا تطورت الأمور ليسقط الإعلاميون سقطات إعلامية غير مسبوقة دون أن يدركوا أنهم يخطئون.

يبقى أنه انطلاقاً من مبدأ الأخوةِ العربيةِ والإسلاميةِ يجب الدعوة إلىّ استيعاب العمَالة السُورية بما فيها الكفاءات العلمية في دول مجلس التعاون الخليجي العربي، بل وتَقاسم مواردهم المالية مع اللاجئين السوريين. كذلك بالخروج عن النمط التقليدي من نصرة الشعوب، من الشجب والادانة، إلى مرحلة المساعدات المادية والمعنوية، وعقد المؤتمرات والندوات الدولية الفاضحة لأنظمة تتعاون مع النظام السوري، على رأسها ما تفعله روسيا في الأراضي السورية، هنا يأتي دور عربي اسلامي داعم لإيواء ونصر اللاجئين السوريين، كما أنه لن يكون بمقدور العالم الإسلامي أن يحقق إنجازاً باهراً في مجال مجال الحكم الرشيد، ما لم يسبق ذلك التوصل إلي تنسيق اسلامي شامل حول التدابير المضادة لظلم الشعوب من الحكومات نفسها، وأطرها القانونية الملائمة والملزمة.

ليبقى دور الإعلام العربي الدعوة لضرورة بلورة رؤية مشتركة للباحثين والمختصين من مختلف أنحاء العالم مع تنوع ثقافاتهم ومشاربهم، والمطالبة بتفعيل واستثمار جهودهم وما توصلوا إليه بطرق علمية دقيقة من نتائج وتوصيات، وتقديمها للمعنيين وأصحاب القرار لترى النور على أرض الواقع، ولا تبقى حبراً على ورق ككثير من المؤتمرات، وذلك لتطوير واقع اللاجئين السوريين إلى الأفضل والمأمول.

*كاتب مصري

مصدر الصورة: commons.wikimedia