ماجد كيالي

مع اعتزام تركيا القيام بحملة عسكرية في شمال شرق سوريا، على امتداد حدودها الجنوبية، شرقي الفرات، لفرض المنطقة الآمنة، ولإيجاد نوع من التواصل بين منطقة درع الفرات ورأس العين، ولقطع إمكانيات التواصل بين مناطق السيطرة الكردية، يمكن القول إننا إزاء نقلة جديدة من التورط التركي في الصراع السوري.

وكان سلّم الأجندة التركية في سوريا تراجع في السنوات الثلاث الماضية، أي منذ تأسيس تحالف آستانة (2017)، من مطلب إسقاط النظام، ومناهضة أي حل سياسي لا يتأسّس على ذلك، إلى القبول ببقاء الأسد في المرحلة الانتقالية، وحصر المطالب التركية بالحفاظ على وحدة سوريا، والحفاظ على الدولة، وقيام حكم تمثيلي يشمل كل مكوّنات الشعب السوري، مع التأكيد أنه لا وجود للأسد في مستقبل سوريا، لينتقل مؤخرا إلى مرحلة جديدة تتعلق بالقضاء على المنظمات الإرهابية، والمقصود هنا قوات “قسد” التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي (السوري)، والذي ترى فيه تركيا امتدادا لحزب العمال التركي (الكردي)، كما ترى فيه تهديدا لأمنها القومي، بالإضافة إلى تمكين حوالي مليوني لاجئ سوري من العودة إلى سوريا، والتوطن في تلك المنطقة.

بديهي أننا هنا إزاء مسلسل تراجعات، يمكن ضمها إلى سلسلة التراجعات التي من ضمنها، مثلا، الحديث عن أن “حلب خط أحمر”، والذي أسهم، مع دعوات أخرى من جهات أمريكية وأوروبية وعربية، في تنمية توهّمات السوريين بإمكان إسقاط الأسد، أو بإمكان إيجاد حاضنة عربية وإقليمية ودولية تدفع بإسقاطه، عن طريق الضغوط السياسية أو العسكرية، الأمر الذي انطوى على مخاطرات سياسية وعسكرية خطيرة، لم تفد السوريين بقدر ما أضرت بهم، وبمسار ثورتهم.

طبعا لا نقصد هنا تسجيل المواقف على تركيا فهذه الدولة اكتوت، أيضاً، بتداعيات الصراع على سوريا، إلى درجة أن هذا الصراع انتقل إلى داخلها (عن طريق المسألة الكردية والعمليات الإرهابية والتوجّس العلماني ـ الديني والوضع الاقتصادي وكتلة كبيرة من اللاجئين السوريين) بذات القدر، ربما، بحيث أنها أضحت مع كل تلك العوامل بمثابة عامل داخلي في سوريا. والمعنى أن القصد هنا لفت الانتباه إلى تعقيدات القضية السورية، وإلى المداخلات الخارجية التي باتت تثقل عليها، والتي أضحت بمثابة معطى داخلي، بحيث أنها باتت تؤثر في الصراع السوري وتتأثر به، بهذا المستوى أو ذاك، وهذا ينطبق على تركيا تحديداً (كما على إيران وروسيا ودول الخليج والدول الأوروبية)، وربما أن الولايات المتحدة هنا هي الوحيدة التي تبدو بمنأى عن ذلك.

ومن البديهي أننا نقصد هنا الإقرار بحق تركيا كدولة إقليمية كبرى أن تراجع سياساتها، وأن تهتم بما تراه مصالحها، وأن ترى ما تعتقد أن له الأولوية في اجندتها، وأن تراجع الأخطار والتحديات المحيقة بها، بخاصة بعد كل ما تكبّدته جراء الصراع السوري، وضمنه استقبالها أكثر من مليوني لاجئ، واحتضانها المعارضة (السياسية والعسكرية والمدنية)، لكن من حق المعارضة، أيضاً، بل يتوجّب عليها، بذات القدر، أن تقول كلمتها تبعاً لمصالح شعبها هي، إذ المفترض بها تمثيل شعبها، والزود عن حقوقه، والدفاع عن سلامة ثورته، قبل أي شيء، وقبل أي أحد أخر.

بالمثل، يفترض من تركيا أن تدرك أن مطالبتها الأخرين تفهّم التحولات والمراجعات السياسية التي تقدم عليها، مطلوب منها هي أيضا أن تتفهّم حق هؤلاء الأخرين في التعبير عن مواقفهم، وضمنه تمسّكهم بأجندتهم وبمصالح وحقوق شعبهم. ويأتي في ذلك، مثلا، الاعتراض على عملية درع الفرات (2016) التي أدت إلى انهيار مواقع المعارضة في حلب، وهو الأمر الذي خدم النظام، وقوض مكانة المعارضة. وبالمثل يمكن الاعتراض على تحالف استانة غير المفهوم، مع شريكي النظام (إيران وروسيا)، وعلى خطة خفض التصعيد، التي تحولت إلى وبالا على الشعب السوري، ونجم عنها خسارة الفصائل العسكرية المعارضة لمعظم المناطق التي كانت تسيطر عليها في الجنوب والشمال والوسط، وهذا يتضمن التحفظ أو الاعتراض على عملية غصن الزيتون في عفرين (2018)، التي عمقت الجرح بين السوريين، كردا وعربا، وسهلت لجبهة النصرة السيطرة على إدلب.

وهذا ينطبق على ما يجري اليوم، إذ لا يمكن الحديث عن إرهاب لفصيل كردي في شرقي الفرات، ونسيان جبهة النصرة في إدلب، وهي التي حاربت الجيش الحر أكثر من أي أحد أخر، بل إنها حتى حاربت فصائل المعارضة العسكرية الإسلامية، وشوهت صورة الثورة السورية.

والفكرة أنه يجب قول ما ينبغي قوله بوضوح، وبكل جرأة سياسية وأخلاقية، سيما أن ما يجري سيضر تركيا، أيضا، وسيورطها في الصراع السوري، ولأن الموقف الوطني المستقل، هو الذي يخدم بناء اجماعات وطنية عند السوريين، ويعزز ثقتهم بثورتهم، وهو ما يكسبهم الاحترام في العالم. ولعل هذا ما ينبغي أن تفهمه المعارضة الرسمية، وما ينبغي أن تفهمه تركيا وغير تركيا.

مصدر الصورة: موقع الرئاسة التركية