منذ بدء قوات الأسد حملتها العسكرية على عدّة مناطق سورية في عام 2012، بدأت موجات النزوح تتوالى، وحتّى اليم لم تتوقّف هذه الأزمة، ولا سيما مع نزوح نحو مليون و400 ألف من سكّان ريي إدلب وحماة نحو الشريط الحدودي مع تركيا، بحثًا عن ملاذٍ أكثر أمنًا. 

وبالرغم من قسوة الحياة التي يفرضها النزوح، إلّا أن المدنيين وجدوا جانبًا مضيئًا بين كل تلك العتمة، وهو بناء العلاقات وصناعة الصداقات، وربما اكتشاف صلات قربى كانت قد دفنتها الأيام والسنين، حيث وصلت الثورة بين الأقارب والمعارف الذين انقطعت حبال مودّتهم سابقًا، فتعرّف ابن البلد على ابن بلده في بقعة أخرى من الجغرافية السورية.

 

بين سهل الغاب وأرياف إدلب وحماة

من المعروف أن أغلب قرى وحواضر سهل الغاب أحدثت قبل حوالي ستين عاماً إثر تجفيفه، وقسمت أراضيه على شكل “محاضر” للمزارعين القادمين من قرى ريفي حماة وإدلب وربما من محافظات أخرى.

يقول مصعب الأشقر وهو إعلامي من بلدة الزيارة لـ “بوابة سوريا”: “تعود أصول أغلب سكان قرى وبلدات سهل الغاب إلى جغرافيات أخرى وتأتى محافظة إدلب وريفها الجنوبي بالدرجة الأولى، وتليها حماة ثم بقية المحافظات والانتماءات العشائرية المختلفة”.

ولكن خلال ستين عام، تراجعت العلاقات بين تلك العشائر، مع استمرار الولادات وتباعد الفروع، وشغلت الحياة وهمومها الجميع، حتى اندلاع الثورة السورية واضطرار أبناء سهل الغاب للنزوح، وعند الشدائد يلجأ أبناء الريف لعائلاتهم الأوسع والبلدات التي يتواجدون فيها، وكذلك أبناء العشائر يلتحقون بأماكن توزع عشائرهم وتزداد لحمتهم وإلفتهم.

سيطرت قوات الأسد مؤخّرًا على بلدة التمانعة في الغاب، وبات لزاماً على أهلها البحث عن الأمان لعائلاتهم في مكان آخر أقل سخونة. 

ابراهيم الرحال مدرّس من القرية يقول لـ “بوابة سوريا”: “أشار علينا كبار السن في قريتنا أن نتوجه إلى قرية النقير بريف إدلب الجنوبي حيث موطننا الأول، وأخبرونا أن لنا هناك أقرباء وأولاد عمومة”.

يصف ابراهيم لحظة وصولهم إلى النقير “كانت لحظات سعيدة ومبكية في آن واحد، فشعور جميل عندما تجد كتفًا تستند إليه ساعة ضعفك، وقد كان استقبالنا حافلاً أول مرة، إذ انفرد كبار السن بأحاديث الماضي يستذكرون من مات ومن هاجر على مدار سنين الانقطاع، وتفرد الشباب بالشباب من أبناء العمومة والفتيات بالفتيات لمزيد من التعارف وبناء الصداقات الجديدة”.

ويضيف الرحال: “كانوا يتنافسون على استضافتنا وتقديم ما يستطيعون لأجلنا، ومنهم من فرغ منزلاً أو أكثر لاستضافتنا، وبعد أن طالت فترة نزوحنا شيدنا الأبنية واخترنا الإقامة الدائمة بين أبناء عمومتنا”.

أما ابراهيم العبدالله وهو فنان شعبي من أبناء قرية قبر فضة يقول: “تعود أصولي وأبناء قريتي لبلدة معرتحرمة كما نقل لنا أجدادنا، فما إن دارت علينا الأيام في قريتنا حتى لجأنا إلى أهل لنا هناك”.

لا ينسى ابراهيم أن أحد أبناء عمومته المتزوّج حديثًا حيث أخرج زوجته من المنزل واستضاق ابراهيم مع عائلته رغم حداثة زواجه.

 

ريف حماة الشرقي

تحكم الميول العشائرية أبناء ريف حماة الشرقي بشكل عام رغم استقرارهم في القرى وعملهم بالزراعة أحياناً حيث تجمع القرى، الألفة العشائرية رغم توزع قراهم الإداري على عدة محافظات وكذلك غيرهم من العشائر مثل “البشاكم وبني عز وعشائر أخرى”.

خالد الهويان مدرّس من قرية أم مرو بريف حماة الشرقي يقول لـ “بوابة سوريا”: “اضطررنا للنزوح عام 2013 وكان يتوجب علينا البحث عن مكان آمن، فأخبرنا والدي أنه سمع من أجداده أن ثمة أقرباء لنا من عشيرة البشاكم يقيمون في قرية الشيخ أحمد جنوب حلب”.

يتابع خالد: “توجهنا إليهم على الفور، فكانت القلوب أكثر قرباً من الذاكرة، وكان لنا في تلك القرية منازل إذ وجدنا أن أراض وبيوتاً قديمة ما تزال من تركة أجدادنا هناك ولا تزال محفوظة لأهلها”.

 

بنش

في إحدى الورشات التدريبية تطرق أحمد إلى ذكر اسم بلدته في ريف حماة الشمالي، وما إن حان وقت الاستراحة حتى فوجئ بأحد زملائه يرحب به بلفظ “ابن العم” لفت نظره ذلك الشبه الكبير مع إحدى عائلات بلدته التي نزح منها.

يقول أحمد عبد الرحمن من بلدة قمحانة: “كان اسمه لورنس شاب نشيط من بنش التقيته ذلك اليوم ليخبرني أن أصوله من قريتي التي نزحت منها، كان ودوداً جداً لا تستطيع مقاومة دعوته لمزيد من التعارف في بلدته بنش”.

في تلك اللحظة، شعر أحمد بقيمة اكتشاف أن ثمة من يشاركه تاريخ بلدته، مضيفًا: “أنا نازح جديد وهو نازح قديم هاجر أجداده من البلدة منذ قرن، ورغم أن لا قرابة تجمعنا، لكن اسم البلدة كان كافياً لنهتف لبعضنا بعبارة “ابن العم”.

 

عفرين

اضطر قصي من إحدى بلدات ريف حماة الشمالي للمبيت في مدينة عفرين في منزل لصديق لم يكن حاضرًا في المنزل، حين قدمت امرأة ستينية تستنكر وجودهم في منزل هم ليسوا سكانه الذين تعرفهم.

يقول قصي لـ “بوابة سوريا”: “لم استوعب كلام المرأة الكردية التي حدثتنا بلهجتنا للوهلة الأولى، وما إن هدأت قليلاً وابتلعت غضبها وعلمت حقيقة وجودنا، بات الحديث أكثر تودداً، وكان لا بد من التعارف، فما إن نطقت اسم بلدتي الأصلية حتى عادت للصراخ بصوت مرتفع، لكن بفرح ومودة هذه المرة.

ويقول قصي إن المرأة الستينية الكردية “أم خالد” من أبناء عمومته وتزوّجت رجلاً كردياً في أربعينيات القرن الماضي وانقطعت أخبارها”.

يتابع قصي: “كانت تضحك كالأطفال عندما تنقل لنا ما تعرفه عن القرية وعن أماكن وأشخاص أحاول جاهداً أن أستحضر من ذاكرتي بعض صورهم، أو ما سمعته عنهم ممن هم أكبر مني سناً” لافتًا إلى أنّه لم يكن يخطر بباله أن يصادف أحداً من أبناء بلدته، عدا عن أن تكون امرأة وعفرينية”.

وأدّى فتكرار النزوح والتهجير إلى جعل من ابن غوطة دمشق وحمص وحماة ودرعا يتجول بين قرى وبلدات إدلب كمن عاش في حي سنين طفولته، وبات للفرد من السوريين صداقات مع أناس من مختلف البلدات والقرى على امتداد الجغرافيا السورية جراء النزوح والتهجير